مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*) أخلاقنا: الذرّيّة الصالحة..حياة(*) الحاج قاسم سليماني عن قـرب الشهيد المهندس.. في القلب والذاكرة مناسبة: أمُّنا فاطمة عليها السلام  أسرتي: الجفاف العاطفيّ يهدم الأسرة آخر الكلام: شعورٌ مؤقّت أوّل الكلام: أقوياء ولكن...

مناسبة: الإمام الهادي عليه السلام.. أوَّلُ المُمَهِّدين

الشيخ تامر محمد حمزة

 



الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام هو الجدّ المباشر للإمام المهدي عجل الله فرجه. وهو أول من مهّد عملياً وهيّأ المقدّمات لولادته ثم أولاه العنايةَ والرّعاية، لكيلا يصل أيّ خبر يتعلق به إلى الأعداء وليمنع بذلك أن يصل إليه ما يكرهُهُ منهم. لأجل ذلك تحمّل الإمام الهادي عليه السلام مضافاً إلى مسؤوليّاته الموكولةِ إليه من الله تعالى مسؤوليَّة القادمِ من عالمِ الأصلاب الشّامخةِ إلى عالمِ الأرحام المطهَّرةِ ثمَّ إلى عالمِ الدنيا.

* حماية الشيعة
لقد مارس الإمام الهادي عليه السلام وظيفته الإلهيّة وقام بدوره وهو في موقع الإمامة والولاية من تحصين للأمّة ورعاية مصالحها بأسلوب أمني ينسجم مع الظّروف القاهرة والقاسية، لأنّ السلطة كانت تطارد كل من كان يعرف الإمام عليه السلام، وكانت تزيد من تشدّدها في محاصرته فتفرض عليه الإقامة الجبرية. وبالرغم من ذلك كلّه، كان الإمام عليه السلام يوصل أوامره وإرشاداته بالسرعة المطلوبة إلى جميع أصحابه في طول البلاد وعرضها.  ومن الإجراءات التي اتخذها الإمام لترتيب الأمور في ظل هذه الظروف:

1ـ تبديل توقيعاته الشريفة
في بعض الأحيان كان الإمام عليه السلام يوقّع كتبه باسم عبيد بن زرارة، وهو من أشهر أصحاب الإمام الصادق عليه السلام, وكانت توقيعات الإمام عليه السلام سراً وتورية لاسيّما في كتبه إلى الكوفة وبغداد.

2ـ المنع من تداول الأحاديث علانيةً
وتدلّنا على ذلك بعض الروايات؛ فعن محمد بن شرف قال: "كنت مع أبي الحسن عليه السلام أمشي في المدينة فقال لي: ألستَ ابن شرف؟ قلت: بلى, فأردت أن أسأله عن مسألة فابتدأني من غير أن أسأله فقال: نحن على قارعة الطريق وليس هذا موضع مسألة" (1).

3ـ زرع العيون في جهاز السلطة
كتب محمد بن علي بن عيسى إلى الإمام عليه السلام يسأله عن العمل لبني العباس وأخذ أموالهم قائلاً: إن مذهبي في الدخول في أمرهم وجود السبيل إلى إدخال المكروه على عدوه وانبساط اليد في التشفي منهم بشيء أتقرّب به إليهم. فأجاب الإمام عليه السلام: من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراماً، بل أجراً وثواباً (2).

* اهتمامه بالمهدي عجل الله فرجه
كان هذا كلّه يتمحور حول الطابع الأمني لإدارة الإمام الهادي عليه السلام للأمة. أما فيما هو خاص باهتمامه بالإمام المهدي عجل الله فرجه فقد تمحور حول أمرين:

الأمر الأول: الزوجة المناسبة
سعى الإمام الهادي في اختيار الزّوجة المناسبة لولده الإمام العسكريّ عليه السلام. ولعلّ في هذا التّعبير مسامحة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي تعلّقت إرادته بأن تكون أمّ القائم هي زوجة الإمام العسكري عليه السلام وإنّما دور الإمام عليّ الهادي عليه السلام هو دور المذلّل للعقبات والمهيّئ للمقدّمات لتشرق الدّنيا بنور ربّها من بين صُلبٍ شامخٍ ورحمٍ طاهر. ويدلّ عليه ما ذكره بشر بن سليمان النخّاس حيث ورد عنه: "أنّ مولانا أبا الحسن بن عليّ بن محمد العسكريّ عليه السلام فقّهني في أمر الرّقيق فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلا بإذنه, وبينما أنا ذات ليلة في منزلي بسُرَّ من رأى (سامراء) حتى أرسل إليّ الإمام يدعوني إليه فحضرت بين يديه وهو يحدث ابنه أبا محمد وأخته حكيمة, فلما جلست قال لي: يا بشر أنتم ثقاتنا وإني مزكّيك ومشرّفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها, بِسِر أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمةً فكتب كتاباً ملصَّقاً بخط روميّ ولغة رومية ثم دفعه إليّ مع مائتين وعشرين ديناراً فقال: خذها وتوجّه إلى بغداد, فقال بشر: امتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن عليه السلام في أمر الجارية فلما نَظَرتْ في الكتاب بكت بكاءاً شديداً وقالت للبائع بعني من صاحب هذا الكتاب وحلفت بالمحرِّجة (3) المغلظة (4) إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها" (5). وبعد ذلك تم ما أراده الإمام الهادي عليه السلام.

الأمر الثاني: إخفاء شخصه وعدم إجازة ذكر اسمه
في الوقت الذي كان يعمل فيه الإمام عليه السلام للحفاظ على معتقدات الشيعة ومنها الإيمان بالأئمة الأطهار عليه السلام وبمعرفتهم بأسمائهم وخاصّة من كان منهم من بعده وهما الإمامان العسكري والمهدي عليه السلام كان يشير إلى حفيده الذي لم يولد بعد، ولا يحلّ ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً (6). وعن أبي هاشم الجعفري قال: فقلت له: "فكيف نذكره؟ فقال عليه السلام: قولوا الحجة من آل محمد صلى الله عليه وآله" (7).

* نظام الولاية
في عصر الإمام الهادي عليه السلام، بدأ نظام العلاقة مع الإمام ينحو منحىً جديداً من خلال نظام الوكلاء. ويعود السبب في ذلك إلى أن الإمام عليه السلام كان مراقباً من قبل السلطة المركزية ولا يُسمح له بالتواصل المباشر مع الشيعة المنتشرين في جميع أرجاء العالم الإسلامي, فلذا تحول نظام الارتباط المباشر إلى الارتباط بواسطة، والذي اصطلح عليه بنظام الوكلاء. لقد نظّم الإمام الهادي عليه السلام العلاقة مع الوكلاء فيما بينهم وكذلك نظمها بين كل واحد منهم وعموم الشيعة في بلده ومنطقته. وهذا يتبين لنا من كتاب وجّهه إلى أيوب بن نوح وكتاب آخر إلى أبي علي ابن راشد طالباً منهما أن يتولّى كل واحد منهما الشؤون المالية لما يليه من الشيعة وأن لا يقبل شيئاً من أموال شيعة المناطق الأخرى. واعتبر عليه السلام أنّ طاعة الوكيل هي طاعة للإمام، مؤكّداً على ضرورة تسهيل مهمته "عليك بالطاعة له والتسليم إليه جميع الحق قبلك, وأن تحضّ مواليّ على ذلك وتعرفهم من ذلك ما يصير سبباً إلى عونه وكفايته فذلك توفير علينا ومحبوب لدينا ولك به جزاء من الله وأجر" (8). وقد أحصي أكثر من ثلاثة عشر اسماً من أسماء وكلائه في جميع الأمصار.

* مهمة الوكلاء
أُسندت إلى الوكلاء مهام عديدة، وهي:

تسلُّم الخُمس من الشيعة ثم إيصالها إلى الإمام عليه السلام.
تسلُّم الرسائل من الشيعة المتضمّنة لبعض الأسئلة الفقهية وغيرها.
التعريف بالإمام عليه السلام وتمهيد الأرضيّة له.
تقديم الخدمات والمساعدات الماليّة من الإمام عليه السلام إلى الشيعة.
وبهذا النظام تمكن الإمام الهادي عليه السلام من الحفاظ على الشيعة وحصّنهم من الضياع وعوّدهم على ثقافة الارتباط في زمن الغيبة بحفيده الإمام الحجة ابن الحسن عجل الله فرجه.


(1) بحار الأنوار، المجلسي، ج 50، ص 176.
(2) وسائل الشيعة الإسلامية، الحر العاملي، ج 12، ص 137.
(3) المحرّجة: اليمين التي تضيق مجال الحالف بحيث لا يبقى له مندوحةٌ من برّ قسمه.
(4) المغلظة: المؤكدة.
(5) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ص 417.
(6) م. ن، ص 379.
(7) بحار الأنوار، م. ن، ج 51، ص 159.
(8) م. ن، ج 50، ص 223.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع