مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

ولاية الفقيه: الضرورة على الله ومن الله

آية الله جوادي الآملي

بعد أن تبين أن الضرورة التي تبحث في المسائل الكلامية هي غير الضرورة الاعتبارية بمعنى الوجوب في مقابل الحرمة، يعلم أن أفعال الله تبارك وتعالى لا يمكن أن تكون محكومة بالأحكام الاعتبارية.

ويلزم الإشارة إلى هذه النقطة أيضاً وهي أنه عندما يجري الكلام حول الضرورة الذاتية بل الأزلية لبعض الأفعال بالنسبة لحضرة الحق سبحانه وتعالى في المسائل الكلامية ويقال حينها "يجب على الله أن يفعل كذا" أو أنه يجب على الله أن يعين رسولاً أو إماماً أو والياً، وبالرغم من أن الحديث يدور حول الوجوب مقابل الإقناع، فإن في جميع هذه الموارد لا يثبت شيئاً على الله. إذ خلافاً لرأي المعتزلة الذين يعتبرون الله محكوماً بالقوانين العقلية، فإن الإمامية تقول بأن الله هو الوجود المطلق وهذا ما يوجب جميع اليقينيات، ومنها العقل والأحكام المرتبطة به. وهكذا فإنه المهيمن على القواعد العقلية، دون أن يكون تابعاً لأية قاعدة عقلية وقانونية. فكل قانون نأخذه بعين الاعتبار أما أن يكون موجوداً أو معدوماً. فإذا كان معدوماً فلا صلاحية له على الحكومة، وإذا كان موجوداً فإنه ممكن بدون شك، والممكن في أصله وحقيقته محتاج إلى الواجب.

هذا التفكير التوحيدي لا يستلزم الأخذ بفكر الأشاعرة، لأنهم يبينون الفاعلية المطلقة لله مستفيدين من الآية الكريمة ﴿والله يفعل ما يشاء على أساس الإرادة الجزافية، في حين أن الإمامية، تعتقد بأن الله حكيم ولا يصدر منه إلا الأفعال الحكيمة وهذا غير كلام المعتزلة التي تقول بأن الحكمة ضرورة على الله ولازمة، فالكلام الأول من الإمامية يعود إلى "الوجوب من الله" في حين أن الرأي الثاني عند المعتزلة يعود إلى "الوجوب على الله".
ومعنى الوجوب من الله هو أن الخير والنظم وأمثالها تصدر على نحو اليقين منه، أما معنى الوجوب على الله فهو أنه محكوم بالأمور التي تصدر منه.

وبعبارة أخرى معنى الوجوب من الله هو أن الله تبارك وتعالى هو الفاعل الموجب (بكسر الجيم) في حين أن الوجوب على الله يعني أنه سبحانه فاعل موجب (بفتح الجيم): تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

* طرح أصول الدين في المسائل الكلامية والفقهية
وقد علمنا من خلال ما بيناه حول تمايز المسائل الفقهية والكلامية أن ولاية الفقيه ليست المسألة الوحيدة التي يمكن أن تقع مورداً للبحث من الجهتين، بحيث أنها تلحق من جهة بالمسائل الفقهية ومن جهة أخرى تلحق بالمسائل الكلامية، بل أن كافة أصول الدين يمكن أن يبحث بشأنها من الجهتين. فمن الناحية الكلامية يكون البحث حول ضرورة هذه الأصول مع حفظ معنى الضرورة على نفس النسق الذي يستفاد منه في القضايا المرتبطة بالوجودات التكوينية. لأن البحث الكلامي في أصول الدين بحث في قسم من الوجودات مثل البحث عن وجود الله ووحدته والبحث عن وجود المعاد أو النبى أو المعاجز المرتبطة بالأنبياء أو كرامات الأولياء، أما من جهته الفقهية فالكلام يدور حول ضرورة ووجوب هذه الأصول لكن هذه الضرورة ليست ضرورة أو وجوباً ذاتياً أو أزلياً مما يستفاد منه في القضايا المرتبطة بالوجودات. بل أن هذه الضرورة بمعنى الوجوب في مقابل الحرمة (ينبغي ولا ينبغي) لأنهما من الأمور الاعتبارية التي تتعلق بأفعال المكلفين.

فلا يوجد مانع أبداً من أن يكون الوجود جزءً من أصول الدين ويطرح في الأبحاث الكلامية ويكون وجوبه التشريعي مبحوثاً في المسائل الفقهية. بالرغم من أن العقل في مثل هذه الموارد يكون هو الكاشف عن وجوبه التشريعي، لأنه كما سبق القول مثل الإجماع في كثير من الأمور يتدخل في كشف الحكم الشرعي.

وبناء على هذا، فإن البحث في الوجودات التي تعود إلى الله سبحانه كالبحث عن التوحيد والنبوة والمعاد والرسالة هو بحث كلامي، أما بالنسبة لما يجب على المكلف الاعتقاد به، من الله والقيامة والنبوة والملائكة وأمثالها فهذا أمر فقهي، مثل مسألة تعيين الإمام التي تصدر يقيناً من الله التي هي مسألة كلامية في حين أن وجوب قبول المسؤولية ومنصب الإمامة وكذلك وجوب قبول الإمامة على الناس يعد مسألة فقهية.

* سبب كون الإمامة مسألة فقهية عند الأشاعرة والمعتزلة
بالرغم من طرح بحث الإمامة في كتب أهل الكلام، لكن بعد التأمل يتضح أن هذه المسألة عند الأشاعرة وأكثر المعتزلة هي مسألة فقهية.
فكما بيَّنا، فإن شرط "فقهية" أو "كلامية" مسألة ما لا يكون في كيفية عرضها بين المسائل الفقهية والكلامية، بل في الموضوع الذي يبحث فيه عن تلك المسألة.
الأشاعرة لأنهم اعتقدوا بالإرادة الجزافية وأنكروا الحسن والقبح العقليين فقد أنكروا ضرورة ولزوم صدور أي عمل من الله. ونتيجة هذا الرأي عدم لزوم تعيين الإمام من الله سبحانه.
وبعد هذا النفي للضرورة سعى الأشاعرة لإثبات وجوب تعيين الإمام على الناس بالأدلة السمعية.

والمعتزلة أيضاً لم يقولوا بوجوب تعيين الإمام من الله سبحانه لكنهم يثبتون ضرورة وجوب تعيين الإمام على الناس عن طريق وجوب مقدمة الواجب بالدليل العقلي. وعلى أية حال، فإن نتيجة هذا التفكر عدن الطائفتين خروج مسألة الإمامة من إطار المسائل الكلامية وانحصارها في زمرة الأبحاث الفقهية. لأنه في علم الكلام الذي يبحث بشأن الله المتعال والأسماء والأفعال الإلهية يدور الحديث حول الوجود والعدم لا عما يجب ولا ينبغي.

وبإلحاق مسألة الإمامة بالأبحاث الفقهية وعدم طرحها في الأبحاث الكلامية نعلم السبب في اعتبار الأشاعرة والمعتزلة لمسألة الإمامة في أنها من فروع الدين.

* إلقاء شبهات حول البرهان العقلي
بعد عرض البرهان العقلي على ضرورة ولاية الفقيه وتوضيح الجهة الفقهية أو الكلامية لهذه المسألة نغتنم فرصة لعرض بعض الشبهات التي تدور حولها ونردها. فبعض هذه الشبهات تدور حول أصل احتياج البشر للقانون والقيادة الإلهية والبعض الآخر حول لزوم تعيين القائد من الله سبحانه. وبالنسبة لما يدور حول وجوب تعيين الولي من الله فإنها إما أن تكون معارضة لبعض العموميات الشرعية، أو إشكالاً نقضياً أو تنفي ضرورة الولاية في عصر الغيبة
إن السبيل الوحيد الذي يمكن أن ينظم سلوك الإنسان وأخلاقه وعقيدته من أجل تحصيل أعلى الكمالات الإنسانية هو سبيل الوحي

* شبهة في احتياج البشر إلى القانون والقيادة الإلهية ودفعها

الإشكال الذي نعرضه لا يخدش ما أقيم حول ضرورة ولاية الفقيه فقط وإنما يضع الأصل البرهاني الذي أقيم في ضرورة النبوة والإمامة مورد الإتهام. وتوضيح الأشكال: إننا لا نحتاج لأجل تمشية وتنفيذ الأمور الفردية والاجتماعية إلى القوانين الإلهية أو القيمين الأمناء المطلعين والعالمين بها. لأن ما يضمن هذا الأمر لهم تعيين حاكم وقائد لا تحدث في ظل إدارته وقيادته الفوضى وتحفظ الأرواح والأموال، ويمكن أن يتحقق هذا الأمر بدون الاحتياج إلى التقنين والتعيين الإلهيين، بطرق مختلفة من قبيل الانتخابات أو الاستبداد الفردي.
يقول المرحوم الخواجة نصير الدين الطوسي- قدس سره القدوسي- في شرح الإشارات بعد تقرير البرهان المتوسطي لابن سينا في إثبات النبوة وبالرغم من أنه قد شرط على نفسه أن لا ينقد كلام الشيخ وضمن عرض الإشكال المذكور: "والإنسان يكفيه أن يعيش نوعاً من السياسة يحفظ اجتماعه الضروري، وإن كان ذلك النوع منوطاً بتغلبٍ أو ما يجري مجراه، والدليل على ذلك عيشة أطراف العمارة بالسياسات الضرورية". (الإشارات والتنبيهات: النمط التاسع، الفصل الخامس).

وجواب هذا الإشكال هو أن ما يثبت حاجة الإنسان إلى الوحي أو إلى حاكم يحرس حدود الوحي ليس من قبيل الطعام والشراب أو الحرب والصلح أو المعاملات والتجارات بل هي تلك الكمالات الإنسانية الخاصة التي لا تحصل للإنسان إلا عن طريق الغيب وشهود الإنسان والعالم والسبيل الوحيد الذي يمكن أن ينظم سلوك الإنسان وأخلاقه وعقيدته بتأمين هذه المعرفة لأجل تحصيل تلك الكمالات هو سبيل الوحي. ولا يوجد في هذا البرهان فرق ما بين الفرد والمجتمع. فلو كان هناك شخص واحد على وجه هذه الأرض لكان محتاجاً إلى القوانين الإلهية والقيادة السماوية.

الذي يتعرف على الإنسان جيداً في مدرسة العقل والوحي، سوف يعلم أن الحاجة إلى الولي إنما هو لأجل حفظ الإنسانية التي تنقسم إلى أصل وفرع.
فأصلها العقائد وجسمها الأخلاق والأعمال والتكاليف وفرعها الماء والتراب. والولي في النظام الإسلامي هو الذي يحفظ بالدرجة الأولى عقائد الناس الدينية ويحفظ أخلاقهم وأحكامهم الفقهية. فهو يقف مراقباً لعقائد المسلمين مترصداً كل الأعداء كي لا يجعل أحدٌ ما الحرام واجباً والواجب حراماً، وفي الدرجة النازلة يحفظ شؤون المجتمع المادية. فالولي لا يتعهد فقط إدارة المجتمع حتى يكون للآخرين طمع في الوصول إليه. وإن كانت إدارة المجتمع وحفظ المصالح المادية فيه تعتبر من المنافع المهمة الناتجة عن النبوّة العامة.

إن حاجة الإنسان إلى الولاية تمتد إلى ما بعد عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفي زمن الغيبة أيضاً. فنفس البرهان الذي يبين الحاجة إلى النبي يثبت حاجة المجتمع إلى الإمامة بعد وفاته وإلى ولاية الفقيه في عصر الغيبة الكبرى. فلو خلي المجتمع الإسلامي يوماً واحداً من حافظ للعقائد والمعارف وأحكام القرآن والعترة لظهرت البدع الكثيرة وأصبح الكثير من الحرام حلالاً. أليست فتنة الوهابية اليوم صاحبة المجازر بحق المسلمين تحت عنوان خدمة الحرمين الشريفين؟ ألا نحتاج إلى الذي يطرد الوهابية ويمنع من تحريف الدين؟
ففي عصر الغيبة إذن نحتاج إلى من ينوب عن الإمام في حفظ وحراسة حدود الشريعة. ويؤدي عمل الإمام عليه السلام. ولا يمكن ذلك إلا لمن اطلع على الإسلام وكان أميناً عليه.

وهذا المطلب العقلي هو ذلك البيان الرفيع الذي قدمه الأئمة المعصومون عليهم السلام ضمن احتجاجاتهم على الآخرين في لزوم وجود القيم الأمين على المجتمع. فعن فضل بن شاذان عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنه قال في علة تعيين أولي الأمر والأمر بطاعتهم:
"فإن قال: فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل: تعيين كثيرة: منها أن الخلق لما وقِفوا على حدٍ محدود وأمِروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدّي والدخول فيما حظر عليهم لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيماً يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام.
ومنها: أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقيّم ورئيس، لما لا بد منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجيز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه ولا قوام لهم إلا به فيقاتلون به عدوهم ويقسّمون به فيئهم، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم.
ومنها؛ أنه لو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة وذهب الدين وغيرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون وشبهوا ذلك على المسلمين، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت حالاتهم، فلو لم يجعل لهم قيماً حافظاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لفسدوا على نحو ما بينا وغُيِّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين
". (علل الشرائع ج9).

وكما نلاحظ فإن الإمام عليه السلام لا يستدل على ضرورة وجود الولي والقيّم على حراسة القوانين الإلهية لأجل حفظ دماء وأغراض الناس فقط أو لمنع الفوضى، لأنه مثل هذه الأمور يمكن أن تحصل في بلاد الكفر، بل أن قمة استدلاله عليه السلام تقوم على أساس حفظ الدين من التحريف وحراسة المعارف والعقائد والأخلاق والأحكام الإلهية.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع