نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

أنفلونزا الإنترنت

تحقيق: صفيَّة حيدر أحمد



أنفلونزا الخنازير أو (H1N1) فيروس العصر الذي بات أشهر من نارٍ على علم.... هذا ما يقال، لكننا إذا ما أمعنا النظر جيداً فسنرى العديد من الفيروسات الفتَّاكة التي تتسلل إلينا من دون رادع، لأنَّنا لا نشعر بها أصلاً، وهنا مكمن الخطورة. فيروس الإنترنت هو من تلك الأمراض المستعصية والمنتشرة في أنحاء المعمورة، فكيفما تلفتّ تجد الأطفال والشبان وحتى العجزّ يستعملونه دونما هوادة أو شعور بعقارب الساعة، وأصبح الإنترنت في أغلب الأحيان وسيلة لإضاعة الوقت وإهداره في أمور مفسدة ومضرة بالفرد والمجتمع. ولإلقاء نظرة عامة على فوائد ومضار هذه التقنية الحديثة، كانت لنا مقابلة مع أحد المتخصصين في مجال الإنترنت وأحد المسؤولين عن أحد مقاهي الإنترنت أو الـ "coffee net" الذي هو نقطة الوصل الرئيسية بين المستخدمين وبين عالم الإنترنت، كما كان لنا لقاءات مع بعض مستخدمي الإنترنت وذويهم.


* متابعة ميدانية
السيد "حيدر" المسؤول عن إدارة أحد مقاهي الإنترنت يقول إنَّ معظم الذي يقصدون "Coffee Net" يقصدونه بهدف التسلية موضحاً أنَّ أعمار هؤلاء تتراوح بين اثنتي عشرة سنة وثماني عشرة سنة، أي العمر الأخطر في حياة الإنسان والذي يُحدّد فيه توجّهه وربما مصيره في المستقبل.  أمَّا عن القوانين فيضعها مدير الـ"coffee net"، ولقد ذكر لنا بعضاً من قوانينه الخاصة التي يجب على كل زبون أن يلتزمها وهي: الهدوء التام، وعدم الدخول إلى مواقع لا أخلاقية أو استخراج صور إباحية، أما عن العمر فلا توجد شروط عنده بهذا الخصوص. وحول مراقبة أدائهم أشار إلى أنَّه يتفقَّد الشاشات بين الحين والآخر في نظرةٍ عابرة ولكن ليس دوماً، مع أنَّه ألقى القبض "على أحد المتهمين بالدخول إلى موقع لا أخلاقي" ونبهه إلى ضرورة عدم معاودة ذلك، وللأسف فإن هذا المتهم كان فتى لا يتجاوز عامه الخامس عشر.

* آراء من خلف الإنترنت
ولقطع الشك باليقين جلنا في القاعة للإطلاع على بعض الآراء عن كثب، والتقينا بالفتى جهاد البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً والذي قال إنه يرتاد الـ"coffee net" لمعرفة أخبار كرة القدم، مشيراً إلى أنَّ أهله على علمٍ تام بذلك ولكن دون أي توجيهات من قبلهم. أمَّا فايزة ع. وبثينة ز. المتزوِّجتان فكان الإنترنت طريقهما لجمع المعلومات وإنجاز الأبحاث الجامعية. وقد شدَّدت بثينة على رأيها عن فائدة الإنترنت في العلوم والدراسة والتواصل مع الأقرباء والأصدقاء. وفي المقلب الثاني من محل الإنترنت كانت مجموعة من الشباب المتحلِّقين حول إحدى الشاشات، فأخذوا يتكلَّمون ويثنون على الإنترنت دون تحفّظ لما يسهل لهم في حياتهم الخاصة من جمع المعلومات والأحداث الجديدة والأبحاث ومواقع التحادث كالفايسبوك (موقع شهير لإنشاء المجموعات والتواصل والتعارف) إضافة إلى المحادثة الفورية التي كانت سبباً لزيجة ابن عم أحدهم. وبعد دخول فتى وفتاة وطرح بعض الأسئلة عليهما قالت الفتاة "نور إسماعيل" وعمرها اثنتا عشر عاماً إنَّهما يرتادان الإنترنت للمعلومات أحياناً وللتسلي بالألعاب المميزة أحياناً أخرى ولكنَّهما يحرصان دائماً على التقيد بنصائح والدهما الذي اصطحبهما إلى هناك للمرة الأولى، كما أنه ينضم إليهما أحياناً دون علمهما لمباغتتهما وللإطلاع على ما يفعلان. وأخيراً كان النموذج الخفي والذي لن نأتي على ذكر اسمه تفادياً للمشاكل بين الوالد وابنته التي ترتاد قاعات الإنترنت للبحث عن المعلومات في الظاهر وحين تسنح الفرصة للتحادث مع المجهولين دون علم الوالد لا تتردَّد في ذلك. هي تعلم أنها تقوم بالمخاطرة وتقول إن والدها ينصحها دائماً، ولكن فضولها المشاكس يدفعها نحو ذلك! قالتها وهي تبتسم....

* الأهل والانترنت

طرق أبواب بعض البيوت كان لا بّد منه للاستفسار من بعض الأهالي عن آرائهم المتعلقة بهذه الأنفلونزا المعدية، وما إذا كانوا على علم بالمخاطر التي تحيق بأبنائهم أو الآثار التي يتركها الإنترنت على فلذات أكبادهم. السيدة "هيام غريب" لديها أربع فتيات في سنِّ المراهقة، بدأت حديثها بالتكلّم عن الحدِّ من ارتيادهنَّ لمقاهي الإنترنت خوفاً من المواقع التي تساهم في انحراف شباب هذا اليوم، إضافة إلى الجو الذي قد يكون مشبوهاً في الـ "Coffee Net" والذي دفعها إلى انتقاء أحد المقاهي القريبة من المنزل والمعروفة بإدارتها الجيدة، مضيفةً أنَّها لا تسمح لابنتها "لبنى" المولَعة بالإنترنت بالذهاب إلى المقهى إلا في حال وجود بحث دراسي بحت. نموذج آخر فضّل جلب الإنترنت إلى المنزل بدل السماح لابنه بالذهاب إلى المقهى، ففي المنزل كما يقول السيد "مصطفى فرج" والد "ساري" البالغ من العمر أحد عشر عاماً، المراقبة تكون لصيقة فيتمكَّن من إبعاد ابنه عن كلِّ ما يضر بنفسيَّته وأخلاقه مؤكِّداً أنه حتَّى في المنزل هناك أوقات محددة يسمح فيها باستخدام الإنترنت. وأضاف أنَّه يجب على الأهل توعية أولادهم عبر المناقشة والصراحة التي يتم بناؤها عبر الثقة.

* بين يدي أطباء مختصين
لكن هل استعمال الإنترنت ينطوي على مخاطر فقط أم له استعمالات مفيدة؟ للإجابة عن هذا التساؤل قصدنا الأستاذ الجامعي الدكتور "رمزي جزيني" المختصّ في مجال الإنترنت والكومبيوتر ليطلعنا على خفايا الإنترنت ومزاياه. يقول الدكتور جزيني: إنَّ الإنترنت كان متوفِّراً منذ ستينات القرن الماضي وليس حديثاً. وهو مثله مثل أي علم آخر سلاح ذو حدّين، فهو قمَّة النقمة والنعمة معاً، وذلك يعتمد على طريقة استخدامنا له، محذراً من مرض إدمان الإنترنت أكان لجهة الخير أو الشرّ، فمن مساوئه التأثيرات السلوكيَّة وخاصَّة على المراهقين وحتَّى الكبار منهم، فللتعارف الكاذب أثر نفسي على الإنسان كما أنَّه مضرٌّ بشكلٍ كبير، هذا إذا ما ذكرنا المواقع غير المحتشمة والمسيئة للأخلاق والسلوكيات المجتمعية والتي تجذب أعماراً معينة من الجنسين، وأحياناً كبار السنّ. أما بالنسبة للمساوئ الجسدية فكثيرة منها الجلوس الطويل أمام الكومبيوتر من أربع إلى خمس ساعات إذا لم يكن أكثر، دون الشعور بمرور الوقت، بالإضافة إلى الضرر الذي يلحق بالنظر والظهر والأصابع والمعصم. ويضيف د. جزيني قائلاً: "من أبرز مساوئ الإنترنت حرق الوقت بطريقة غير معقولة. ولا يجب نسيان الأفكار العقائديَّة المسمومة للجيل الشاب، ولا العادات الاجتماعية الغريبة التي تنعكس من خلال اللباس والمظهر". وتابع الدكتور جزيني كلامه بكلِّ ثقة عن العقائدية السياسية التي يحرِّكها الصهاينة كما يريدون من خلال الإعلام والإنترنت، فلا يتصوَّر أحد أنَّهم قد يتركون وسيلةً مهمَّةً كالإنترنت دونما استغلال، فأكثر المواقع الإباحيَّة وغير المحتشمة هي من صنع أيديهم. كل هذا وبعد، فالتجنيد الصهيوني يتمّ عبر الإنترنت بكمٍّ هائلٍ، ومستوىً عالٍ من الدقة دون أن يشعر المتلقي بذلك بادئ الأمر، ومن حسن حظِّنا في لبنان أنَّ الدولة تراقب هذا الوضع بدقة مما يبعث على الطمأنينة قليلاً، ويقلل من انتشاره كما في بلدان أخرى.  هذا على صعيد مساوئ الإنترنت، أمَّا على صعيد المنفعة والخدمات فهي لا تُعدّ ولا تُحصى، وأكمل الدكتور قائلاً: لا شيء البتة لا يمكننا الحصول عليه عبر الإنترنت. فقد تطوَّرت خدمات الإنترنت إلى حدٍّ بعيدٍ جداً، لدرجة أنَّه يمكننا شمّ نموذج من زجاجة عطرٍ ما عبر آلةٍ توضع لدينا في المنزل.

* السكوت من ذهب
يقول الدكتور جزيني:

إنَّ الدردشة لها تأثيرات سلبية وإيجابيَّة كما الإنترنت، ولكن على نحوٍ أوسع وأشمل، مدعماً ذلك بأبحاثٍ على أرض الواقع. فأمور "الدردشة" تزداد تعقيداً وجرأةً في الأماكن التي توجد فيها كاميرات، فيصبح الاتِّصال عبر الصوت والصورة ممَّا يُساهم في تطوّر الأمور نحو الإسفاف في الحديث والعلاقات التي تلفها الشوائب والمحرمات، وخاصةً عندما نكون في أماكنٍ غير مراقبة أو غرفٍ معزولةٍ عن الآخرين. وتابع حديثه مستطرداً: الكذب لا بد منه في العلاقات المبنيَّة على أسس الإنترنت، ولو وجدت الكاميرا في بعض الأحيان. ناهيك عن ضرره القاتل في تجنيد العدو الإسرائيلي للأشخاص دون علمهم أولاً، واستغلالهم لاحقاً. ولكن في الجانب الآخر، لا يمكننا إلغاء منفعة الـ "chatting" لتقريب المسافات بين الأهل والأقارب والأصدقاء، وخاصةً المسافرين منهم.

* درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج
مع الانتقال إلى دور الأهل في معالجة "أنفلونزا الإنترنت" أو تفاديها، أكد د. جزيني على أهميَّة متابعة الأهل للأولاد منذ الصغر وإطلاعهم على دور الإنترنت في تسهيل سبل العيش في حياتنا اليومية، لكن ضمن الحدود المتعارف عليها وحسب العمر المناسب. محذِّراً من عدم السماح للأولاد باستعمال "الكومبيوتر الشخصيِّ المحمول" دون إذن مسبق، ومن وضع الكمبيوتر في غرفة الأولاد الخاصة بعيداً عن المراقبة. أخيراً شدد د. جزيني على اللجوء إلى اعتماد الصراحة والثقة كضمان للشاب أو الفتاة على حدٍ سواء، فالتربية السليمة هي الأساس والاتِّصال الوثيق والعلاقة المميزة بين الأهل والبنين، خاصةً المراهقين منهم، ضرورية جداً، ويمكن للوالدين المراقبة تحت عنوان المساعدة كي لا يشعر الشاب أو الفتاة بانعدام الثقة بينه وبين ذويه. الاعتقاد بأنه لا يجب على أولاده التعرف إلى الإنترنت بالمطلق وأنّ في ذلك حماية لهم، هذا أيضاً خطأ فادح، فعلى الأم أو الأب أن يقدما المعلومات لأولادهما بطريقة منظمة وممنهجة وهم تحت نواظرهما كي لا يحصلوا عليها بطريقة أخرى خاطئة من الخارج.

* نهاية المطاف
وبعد البحث وراء الكواليس كان ما يلي: "أنفلونزا الإنترنت" متفشية بطريقةٍ غير معقولة وغير قابلة للسيطرة، والوقاية منها أسهل بكثيرٍ من العلاج الذي ليس له ترياق في وقتنا الحالي ولربما لاحقاً أيضاً. الإنترنت هامٌّ جداً في حياتنا ولكن الأهمّ هو معرفتنا لطريقة استعماله وبدقة كي لا نعلق في شباك متاهاته، وإنّ الكذب ملح "الدردشة" مع الغرباء، و"الفايس بوك" كمينٌ محكم لحياتنا الاجتماعية، فاحذروا هذه "الأنفلونزا" صيفاً شتاءً، وَقُوا أولادكم صقيعها عبر دفء علاقاتكم الوثيقة معهم ومتابعتكم الدائمة لحرارة الإنترنت المتصاعدة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع