مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

تكنولوجيا: فجوة رقميّة.. بين جيلين

تحقيق: فاطمة شعيتو حلاوي

إنه جيلُ المكننة والقوة الكامنة، بل هو جيلُ الشاشات الذكية و"التحميل السريع"... عباراتٌ عصريةٌ يصفُ بها آباء وأُمهاتُ اليوم أبناءهم وبناتهم. كيف لا، وما كان يبدو في العقدين الماضيين ضرباً من المستحيلِ والخيال، لم يعد اليومَ بحاجة إلى عصا سحريّة أو إكسيرٍ عجيبٍ كي يستحيلَ واقعاً. بمجرّد "كبسةِ زر"، يتقنُ جيلُ العصر الرقميّ القفز بمهارة على أوتارِ الحداثة. فهو متفرّدٌ بثقافته ونمط عيشه وقدراته... فرادةٌ عمّقت الفجوة بين الأبناء وذويهم في مجال التكنولوجيا الرقميّة. ما هي أسبابُ الفجوة الرقمية بين الأهل والأبناء؟ ما علاقتها بالفجوة العمريّة بين جيليْن؟ وما هي السُبل إلى ردم هذه الفجوة وحماية الجيل الصاعد من الانزلاقِ في دوّامةِ مساوئها؟

*رديفُ التفاوت واللامساواة
يُستخدَم مصطلح الفجوة الرقمية أو الفجوة الإلكترونية، اليوم، للدلالة على التفاوت القائم بين الأفراد في القدرة على الوصول إلى مصادر المعلومات، وتحديداً عبر شبكة الإنترنت. وقد انسحب هذا المصطلح عالمياً على المجتمعات، للدلالة على عدم المساواة فيما بينها لناحية امتلاك واستخدام التكنولوجيا الرقمية.

اليوم، ومع انتشار أدوات وتقنيّات الاتصال الحديثة بين العوام ويُسرِ امتلاكها، ظهرت الفجوة الرقمية على نطاق أكثر محدودية ودقّة، وانتقلت مفاعيلها من المقارنة بين المجتمعات إلى المقارنة بين الأجيال داخل المجتمع الواحد.
أسبابٌ عدّة عمّقت الفجوة الرقمية بين جيليْ الأهل والأبناء خلال فترة زمنيّة وجيزة نسبياً، تقول الاختصاصية في مجال الإرشاد التربوي والإشراف الاجتماعي الأستاذة رولا قانصو، مؤكدة: "إنّ التطوّر العلمي الذي تسارعت وتيرته خلالَ عقدٍ من الزمن، والذي تلقفه المجتمع العربي سريعاً، يحتلُّ مقدمة الأسباب".

وتلفت الأستاذة قانصو إلى أنّ ذلك التلقُّف الذي تمّ عشوائياً في أحيانٍ كثيرة أتى وسط رضوخ الوالدين لأعباء الحياة والضغوط المعيشية، فباتت التقنيات الحديثة توضع بين أيدي الأبناء دون رقابةٍ فعلية، تعويضاً عن الغياب الذي يفرضه العمل لساعاتٍ طويلة خارج المنزل.

*الأبناءُ عونٌ للآباء
وعن كيفيّة ردم الفجوة الرقميّة بين الأجيال، تؤكد قانصو أن تثقيف الأهل أنفسهم يشكّل العامل الأبرز في تجاوز الأزمات التي تخلقها هذه الفجوة، لا سيّما أن الأبناء باتوا يشكّلون، على نحو غير مباشر، عوناً لأهلهم في اكتساب الثقافة التكنولوجية.

"أولادي أكثر إلماماً منّي في مجال التقنيّات والتكنولوجيا، والفرق بيننا واضح جداً"، تقول السيدة أم جواد (39 عاماً)، لافتة إلى أنها لم تكن لتستوعب أسس تشغيل بعض الأجهزة الحديثة، كالحاسوب المحمول والهاتف الذكي، لو لم تستعن بأبنائها.
وتضيف: "جيل اليوم متقدّم علمياً، وقدراته أكثر تطوّراً من أبناء جيلنا، وقد لعبت المدارس والجامعات دوراً أساسياً في اكتسابه هذه العلوم الحديثة".

وعن تجربةٍ اخترناها من المقلب الآخر الذي يصطفُّ فيه الأبناء، تقول هبة (15 عاماً): "هناك فرق شاسع بيني وبين والدتي في استخدام الإنترنت والأجهزة الحديثة"، مشيرة إلى أنها بذلت جهوداً في تعليم والدتها كيفية البحث على الشبكة العنكبوتية واستخدام تطبيقات الهاتف الذكي، كالـ "واتس أب".
وعلى الرغم من وجود "فارق رقمي" بينها وأهلها في استخدام التكنولوجيا، تقول هبة ممازحة: "أعترف بأن لدى أمي القدرة أحياناً على مراقبتنا من خلال بعض التطبيقات الذكية.. وأنا من علّمها ذلك".

*الحوارُ لردمِ الفجوة
وعلى طريق البحث عن حلول لردم الهوّة الرقمية، لا مانع من استشارة أصحاب الاختصاص، تؤكد الاختصاصية في مجال الإرشاد التربوي رولا قانصو، مشدّدة على ضرورة بحث الآباء والأمهات عن سلبيّات وإيجابيّات التقنيّات والأجهزة الحديثة، ليفقهوا كيفية التعامل السليم مع أولادهم في هذا الميدان العلمي المستجد.

وفيما يوصي المربّون الأهل بالابتعاد عن استخدام أسلوب التعنيف المعنوي، وينصحون باستخدام أسلوب الرقابة غير المباشرة لحماية الأبناء من الوقوع في مطبّات التكنولوجيا، تؤكّد الأستاذة رولا قانصو أهميّة اعتماد لغة الحوار مع هؤلاء واحترام خصوصيّاتهم، لا سيّما المراهقين منهم، للحيلولة دون تفاقم تداعيات التباين بين جيلَي اليوم والأمس.

"لقد نجحتُ في تغيير رأي والدَيَّ حيال استخدام التكنولوجيا، وكان الحوارُ بيننا السبيل إلى ذلك". هكذا استطاع عماد (19 عاماً) أن يقلّص حجم الفجوة الرقمية بينه وأهله، لافتاً إلى أن حدوداً وضوابط تحكم اليوم علاقته بأدوات الاتصال الحديثة، بعد "اتفاقية" أبرمها مع والديه في هذا المجال.
"جيل اليوم يُولد والتكنولوجيا في قبضته"، يضيف عماد، معتبراً أن سلبية ما قد تطبعُ نظرة الأهل إلى التقنيّات الجديدة، فتصبح مصدراً للخلافات "لأن هذه التكنولوجيا أتت كدخيلٍ على حياتهم، لم يفهموها كما فعلنا نحن، إلّا أننا أحسنّا استخدامها تارةً، ووقعنا في أفخاخها تارةً أخرى".

*التوعية والمواكبة.. ثم الرقابة
تشير الأستاذة قانصو إلى دور هام لوسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني في التوعية في هذا السياق، معتبرة أن للحكومات أيضاً دورها في مجال مراقبة ما يُنشر ويُتداول على الشبكة العنكبوتية، كما أنه لا ضيرَ من استخدام شبكات التواصل الاجتماعي كمنابر لذلك.

وبما أن المؤسسات التعليمية تشكل رابطة أساسية بين الأهل وأولادهم، تؤكد السيدة حنان أجرودي (37 عاماً)، مدرّسة مادة علم النفس التربوي، أهمية الدور الذي يجب أن يؤدّيه قسم الإرشاد والتوجيه في هذه المؤسّسات، لناحية توعية الأهل وتحذيرهم من مخاطر الفجوة التكنولوجيّة. وتضيف: "على الأهل مواكبة الأبناء تِقنياً ولو لزم ذلك الخضوع إلى دورات تأهيلية، من أجل مراقبة أبنائهم ومواكبتهم في شتى ميادين الحياة".

*الفجوة العمرية والانحراف
ويبقى للفارق العمري بين الأهل والأبناء دوره في تحديد ماهيّة الفجوة الرقميّة القائمة بين الطرفين، بحسب السيدة أجرودي. فالوالدان "الأقرب عمرياً" من أولادهما، لديهما نسبياً قدرة أكبر على التفهّم والمواكبة الفكريّة والتقنية، إن كانوا من المطلعين على تقنيّات العصر، وإلّا فإنّ انحرافات سلوكية ممكن أن تنشأ لدى الأبناء.

وعن أسباب هذه الانحرافات، تلفت السيدة أجرودي إلى أن حبّ الاطلاع الزائد لدى الأبناء، والمعروف بـ "الحشرية"، قد يدفعهم إلى الغرق في دوّامات الإنترنت وأدوات الاتصال الحديثة، في ظل انعدام الرقابة من قبل الأهل أو فقر إلمامهم.
ولكن ماذا عن الأهل الذين لا يمتلكون المؤهلات الكافية لاكتساب مهارات التكنولوجيا الحديثة، أو أولئك الذين لا تستهويهم الحداثة؟

*ثقةٌ وواعز أخلاقي
تقول السيدة أم حسن (39 عاماً) إن عالم التقنيات والإنترنت لا يعني لها شيئاً، وهي لا تمتلك حشرية الاطلاع على خباياه، ومن ثم لا تمتلك القدرة على مواكبة أولادها تقنياً، لكنها واثقة بنجاعة الدور الذي تؤديه المدرسة في هذا الإطار، من حيث التعليم والتوعية.

السيّد أبو محمد (42 عاماً)، يرى أنه نجح في خلق جوّ من الثقة بينه وبين أولاده حيال استخدامهم الأجهزة الحديثة ودخولهم إلى شبكة الإنترنت، ويردّ ذلك إلى أسلوب التربية المقرون بالتوعية الذي اعتمده في التعامل معهم، قائلاً: "لا خوف على الأبناء من مساوئ التكنولوجيا إن غرسنا في نفوسهم واعزاً أخلاقياً ودينياً"، معتبراً أن "لهذه التكنولوجيا الرقميةً وجوهاً حسنة أيضاً".

قد يبدو التباين التكنولوجي بين الآباء والأبناء مستغرباً أحياناً، ولكن ما هو مستغربٌ أكثر وغير مألوف هو: كيف ستبدو الفجوة الرقمية بين جيلي الأجداد والأحفاد؟ خاصة إذا ما شاهدنا طفلاً دون العاشرة يعلّم جدّه كيفية "الدردشة على النت". إنه حقاً زمنُ الفجوات والغرائب، وبطله جيلٌ متفرّدٌ وغيرُ مسبوق!
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع