نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

في رحاب بقية الله: ليمكّننّ له الدين


الشيخ معين دقيق


بدايةً، وعندما نتحدّث عن فكرة المصلح العالميّ، وقبل أن ندخل في التفاصيل والأسماء، يمكن لنا أن نختصر هذه الفكرة بجملةٍ بسيطةٍ، هي: "التطلُّع الإنسانيّ إلى يومٍ تسود فيه العدالة ربوع العالم ويزول عنه الظلم والجور، وتتحقّق فيه الأهداف النهائية للإصلاح".

* المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وفطرة التطلّع إلى الكمال
وهذه الفكرة، بهذا المعنى، من الأمور الفطريّة النابعة عن كون البشريّة مجبولةً على رفض الظلم، ومبارزتها له، والانتصار عليه. فالإيمان بالفكرة التي يجسّدها المهديّ الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف هي من أكثر وأشدّ الأفكار انتشاراً بين بني الإنسان كافّة؛ لأنّها تستند إلى فطرة التطلّع إلى الكمال بأشمل صوره؛ أي أنّها تعبّر عن حاجةٍ فطريّة، ولذلك فتحقّقها يكون حتميّاً؛ لأنّ الفطرة لا تطلب ما هو غير موجود، كما هو معلوم.
وهذا الأمر الفطريّ انسجمت معه النصوص الدينيّة، بلا فرقٍ بين انتماءاتها الطائفيّة والمذهبيّة والعقديّة.

وسوف نتحدّث في هذا المقال، عن هذه الفكرة، من خلال نصٍّ واحدٍ من النصوص الدينيّة الواردة في القرآن الكريم، ونطلّ على الخصائص التي تستفاد منها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون (النور: 55).

* خصائص تحقيق الوعد الإلهيّ
من خلال هذه الآية نستطيع أن نستنتج مجموعةً من الخصائص التي تدور في فلك تحقّق الوعد الإلهيّ بإصلاح العالم.

أولاً: الموعودون "الذين آمنوا":
الموعود بهذا الوعد الإلهيّ بمجتمعٍ صالحٍ ليس تمام المجتمع البشريّ، ولا الأُمّة الإسلامية، بل خصوص "الذين آمنوا من هذه الأُمّة وعملوا الصالحات". وإذا قارنّا نسبة الذين استُخلفوا في الأُمم السابقة، مع نسبة الاستخلاف إلى الله تبارك وتعالى، الذي لا يستخلف الظالم، نفهم أنّ المستخلَفين طائفة خاصّة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، يحكمون الناس بالحقّ، ولا يتّبعون الهوى، كما كان الأمر كذلك في الأُمم السابقة، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(ص: 26).

ويتحقّق الحكم بالحقّ وعدم اتّباع الهوى على أيدي المعصومين من هذه الأُمّة، لا مطلق من آمن وعمل صالحاً. وهذا ما تؤكّده الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام. ففي الكافي عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله جلَّ جلاله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ؟ قال: "هم الأئمّة"(1).

ثانياً: الأئمّة... الأمّة المستخلَفة:
إنّ هذه الطائفة المستخلَفة من أمّة النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الأئمّة عليهم السلام): وإنْ شاركت مَن تقدّم في الأمم السابقة من الأنبياء والأوصياء في أصل الاستخلاف، لكنّها تزيد عليهم في مسألة التمكين.

أ- الإقدار والإسكان:

والتمكين استُعمل في القرآن الكريم تارةً بمعنى الإقدار والتسليط، وأخرى بمعنى مجرّد الإسكان في الأرض؛ فالأوّل: كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ(يوسف: 21)؛ أي أقدَرْناه وسلّطناه على الأرض التي كان فيها، وهي أرض مصر.

والثاني، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (الأعراف: 10)؛ أي أسكنّاكم فيها.

والأوّل لا يكون عامّاً دون الثاني؛ لأنّ الإسكان حالة عامّة، ومن نِعَم الله تعالى على كلّ البشريّة بعد خروج نبيّ الله آدم عليه السلام من الجنّة، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 38). بينما الإقدار والتسليط من شأن الخواصّ، كما هو الحال في نبيّ الله يوسف عليه السلام، وكما هو الحال في ذي القرنين، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (الكهف: 84).

ب- التمكين بمعنى الإقدار والتسليط:

وفي هذه الآية الذي نبحث عنه، لا يمكن أن يراد من التمكين: الإسكان في الأرض؛ وذلك للسببين التاليين:

أحدهما:
إنّ التمكين في الآية تعلّق بالدين، لا بالأرض، وتمكين الدين تثبيته في المجتمع بالعمل به.

ثانيهما:
إنّ التمكين في الآية جاء بعد الاستخلاف لفئةٍ خاصّة من الناس؛ ليتمّ بعد ذلك العدل والإنصاف، ويزول الخوف ويحلّ محلّه الأمن، وما كان هذا شأنه لا يكون إلّا بمعنى الإقدار والتسليط والتثبيت والعمل.

ثالثاً: زوال الاختلاف:
إنّ تمكين الدين لهذه الفئة الخاصّة، يقتضي بالضرورة زوال الاختلاف والتخاصم؛ فتمكُّن الدين هو كونه معمولاً به في المجتمع من غير كفر به واستهانة بأمره ومأخوذاً بأصول معارفه. وهذا المعنى لا يمكن أن يتحقّق مع الاختلاف والتخاصم.

رابعاً: حلول الأمن وانتفاء الخوف:
إنّ من مقتضيات انتشار الدين والعمل به في المجتمع حلول الأمن وانتفاء الخوف؛ وذلك لأنّه بعد ارتفاع الخصومة، المقتضية لتعميم تعاليم الإسلام، يزول الظلم والاعتداء من المجتمع، وبزواله لا يبقى وجهٌ لحصول الخوف. وعلى هذا الأساس نفهم بوضوح تلك الروايات التي تدلّ على أنّه في زمن قيام القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف تعيش الحيوانات التي كانت متنافرة مع بعضها بعضاً، وتأمن المرأة حتّى لو كانت وحدها في الصحراء(2). وفي العهد القديم في سياق الحديث عن مصلح آخر الزمان، جاء: "فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجَدِي، والعجل والشبل والمسمن معاً وصبيّ صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معاً... ويلعب الرضيع على سرب الصّلّ، ويمدّ الفطيم يده على جُحر الأفعوان"(3).

خامساً: العبادة بإخلاص:
تمخُّض العبادة بالإخلاص، وانتفاء الشرك. وهذا يعني أنّ البشرية في يوم خلاصها وظهور مصلحها تصل إلى مرحلةٍ من التكامل الفكريّ والعقديّ والسلوكيّ؛ بحيث لا يبقى سببٌ لأحدٍ كي ينحوَ نحو الشرك.

* النتيجة النهائيّة
إنّ الله تبارك وتعالى قد وعد ثلّةً خاصّةً من أُمّة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم تمتاز بالعصمة والكمال أن يستخلفها في الأرض كما استخلف الأنبياء والأولياء من قبلها، وزاد على الاستخلاف تمكين الدين لها بالاتِّباع والعمل. وهذا لا يكون إلّا بزوال الاختلاف والظلم، وانتشار الأمن، وذلك يؤدّي إلى أنّ الناس يعبدون الله مطمئنّين، ويوحّدونه ولا يشركون به شيئاً.


(1) الكافي، الكليني، ج1، ص193.
(2) ذُكر ذلك في روايات متعدّدة، بألفاظ مختلفة.
(3) الكتاب المقدّس (العهد القديم)، 1006، نشر دار الكتاب المقدّس، 1980م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

بيروت

إسماعيل حريري

2017-03-17 13:05:17

مقال جميل وممتع