مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

المجاهدون: كُن ظهيراً لهم


الشيخ أكرم ذياب



لو تتبّعنا الأحاديث والروايات الشريفة التي تناولت أهميّة الجهاد، لتنبّهنا إلى أهميّة هذه الفريضة وعظَمتها. ولمّا كان الجهاد باباً من أبواب الجنّة وسياحة الأمّة في كتاب الله (جلّ وعلا)، وكلمات نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّتنا الأطهار عليهم السلام، فقد وجدنا أنّ هذه الفريضة تسبق أخواتها في التعظيم والاهتمام، لجهة الآثار والنتائج المترتّبة على إقامتها وأدائها. وقد ورد في الرواية عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: "إنّ الله فرض الجهاد وعظّمه وجعله نصره وناصره، والله ما صلُحت دنيا ولا دين إلّا به"(1).

* على يديه يُدرك الفتحُ
ولمّا كان المجاهد عُمدة هذه الفريضة، وبه تُقام في هذه الأمّة، وعلى يديه يفتح الله أبواب النصر ويُدرك الفتح، نرى أنّ الله قد اختصّه بالمَنزلة الرفيعة، لما يؤدّيه من مهامّ عظيمة وشاقّة، لتصبح تلك الخطوة هي أحبّ الخطوات إلى الله، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من خطوة أحبّ إلى الله من خطوتين: خطوة يسدّ بها مؤمن صفّاً في سبيل الله، وخطوة يخطوها مؤمن إلى ذي رحم قاطع يصلها"(2). كلّ ذلك لأهميّة الدور الذي يؤدّيه المجاهد في سبيل الله في مواجهة أعداء الأمّة.

إنّ انعتاق الفرد من أسر العبوديّة للدنيا والتحرّر من ملذّاتها وشهواتها ونبذ الراحة فيها والتوجّه نحو الذات الإلهية وتقديم الغالي والرخيص في سبيل إعلاء كلمة الله يمثّل أعلى درجات الزهد في هذه الدنيا، فلا عجب أن فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً(3).

* شركاء في الأجر
ولأجل ما تقدّم، لا تقتصر هذه المنزلة على المنحة الإلهيّة لكلّ مجاهد، بل تتعدّاها ليصبح كلّ مُعينٍ أعان مجاهداً في مواطن الصبر، والتحمّل، والأذى شريكاً في الأجر والثواب العظيم. وهذه كرامة ومنزلة أخرى تُضاف إلى منزلة المجاهدين في سبيل الله؛ إذ أكرمه الله في جنّته بين أهل الجنّة، وأكرمه أخرى بين أهل الدنيا. ولعلّ ذلك يعود إلى حجم التضحيات وبذل النفس في سبيل الله، وما تتركه هذه الفريضة من آثار اجتماعيّة يستفيد منها أبناء المجتمع أوّلاً، وإن كانت الغاية إلهيّة.

لا شكّ في أنّ الهدف السامي للجهاد، الذي هو حبُّ الله، يعلو فوق كل الغايات والأهداف الدنيويّة لجهة ممارسة المجاهد الفرديّة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 24). إلّا أنّنا لو تأمّلنا بنظرة متفحّصة نعلم أنّ المستفيد الأكبر من هذه الفريضة هم هؤلاء الذين ذكرهم الله في الآية الكريمة؛ إذ لولا جهاد المجاهدين لضاعت كلّ المكتسبات، ولخسرنا الآباء والأبناء، والإخوة، والأزواج، والعشائر، والأموال، ولضاعت تجارتنا وهُدّمت مساكننا، وهذا أسمى أنواع البذل المنزّه عن الأنا.

* انظروا كيف تخلفونه
أحد حقوق المجاهدين في مجتمعهم وبين أهليهم، أن يُنظر إليهم نظرة خاصّة. عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "ثلاثة دعوتهم مستجابة: (أحدهم) الغازي في سبيل الله فانظروا كيف تخلفونه"(4). ولهذا، كان حقاً للمجاهدين في مجتمعاتهم أن يتمّ إكرامهم ومساعدتهم لتجاوز آلام جهادهم ونفض غبار المعارك عنهم، من خلال احترام تلك القيم، التي لأجلها يقدّم المجاهد روحه ويبذل الغالي والرخيص.

إنّ أقلّ ما يمكن أن يقدّمه المجتمع لمثل هؤلاء، هو أن يكون ظهيراً لهم في:
1- تثمين هذه التضحيات التي لولاها لما حفظت منجزات هذه الأمة، ولكانت تعاني اليوم من تسلّط الطواغيت، ومن العبوديّة لهم، ولضاعت الحقوق وهُتكت الأعراض.

2- الحفاظ على القيم والمبادئ، التي لأجلها تُبذل الأرواح، والمساعدة في تثبيت دعائم الدين الحنيف.

3- الدّفع باتجاه تبنّي طريق الجهاد وبثّ الروح المعنويّة بين أفراد المجتمع؛ لتعزيز ثبات المجاهدين في مواقعهم، فيقاتلون بطمأنينة في جبهات الحرب.

4- الامتناع عن بثّ الشائعات، وعن تناقل ما يمكن أن يؤدّي إلى الإحباط وبثّ اليأس بين صفوف المجاهدين. وقد ثبتت حرمة هذا الأمر شرعاً في أبحاث الأعلام.

5- المساهمة في سدّ بعض الثغرات الناتجة عن غياب المجاهد عن بيته، وأسرته، والعمل على مساعدته في تجاوز ظروفهم الصعبة.

* شريكةُ العمل الجهاديّ
ولا شكّ في أنّ لعائلة المجاهد وأهله خصوصاً، دوراً أساسيّاً في تخطّي أبناء المجاهد وأسرته لظروفهم الصعبة. كما لا شكّ في أنّ وقوف هؤلاء الإيجابيّ سيترك أثراً مهماً في حماية عائلة المجاهد من مختلف القضايا، التي قد تكون سبباً في تخلّف المجاهد عن أداء تكليفه الجهاديّ.

وفي هذا الإطار، لا يمكن التغاضي أبداً عن دور الزوجة في إدارة شؤون حياتها الأسرية عند غياب زوجها المجاهد، ولها الدور الأساس في مساعدة المجاهد ليقوم بتكليفه الجهاديّ على أكمل وجه. ولا ريب في أنّ الزوجة بالخصوص هي شريكة زوجها في العمل الجهاديّ، لما تتحمّله من مسؤولية كبرى ناتجة عن غياب الزوج. وكلّما كانت الزوجة متفهّمة لواجب زوجها الجهادي، كلّما استطاعت أن تؤدّي دوراً عظيماً في حماية زوجها وأسرتها من الأخطار المحتملة، من هنا كانت لديها مهامّ عظيمة تجاه زوجها، منها:

1- تربية أبنائها والقيام مقام زوجها في تنشئتهم تنشئةً إسلاميّة ودينيّة، والاهتمام بثقافتهم وأخلاقهم اهتماماً بالغاً في زمن غياب الأب، والمحافظة على صورته الأبويّة كمرجعيّة، تعود إليها الأسرة في كافّة أمورها الحياتيّة.

2- ملاقاة الزوج عند عودته من عمله الجهاديّ بالحبّ والعطف، والعمل على التخفيف من تعبه وعمله الشاقّ في جبهات الحرب.

3- الالتفات إلى كلّ ما يؤثّر على الحياة الزوجيّة ممّا قد يكون سبباً في تفاقم بعض المشاكل التي قد لا يكون الزوج سبباً مباشراً لها كالوضع الاقتصاديّ والماديّ الذي قد تُعاني منه بعض العائلات المجاهدة والذي لا مفرّ منه في كيفيّة معالجته التحلّي بالتدبير وحسن إدارة الأمور المعيشيّة اللازمة، وهذا الأمر يُعتبر مصداقاً لحفظ الزوج في ماله.

4- الحفاظ على أسرار عمله الجهاديّ والتحرّز عن نقلها لما لها من آثار سلبيّة، وقد تكون في بعض الأحيان خطيرة.

5- الحفاظ على أسرار بيت المجاهد الأُسريّ ومعالجة كافّة الأمور المشتركة تحت سقف البيت الواحد، لأنّ هذه القضيّة تمثّل أيضاً مصداقاً لحفظ الزوجة لزوجها المجاهد في غيبته.

* مسؤوليّة المجاهد في أُسرته
وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ ما ذكرناه لا يُعفي المجاهد أيضاً من التحلّي بالأخلاق الحسنة والالتزام الدينيّ، إذ إنّ انعكاس هذين الأمرين على المحيط الاجتماعيّ والعائليّ والأسريّ يساعد في تخطّي الصعاب ويساهم في تحسين ظروف العيش، لأن العلاقة الإيجابيّة يجب أن تكون علاقة متبادلة بين الطرفيْن والتضحية ليست مسؤوليّة طرف دون طرف آخر، بل لا تتقوّم الحياة الاجتماعيّة إلّا بها، وكلّما علا حسّ التديّن والالتزام الدينيّ وتحلّى الإنسان بالأخلاق الحسنة، كلّما انعكس ذلك إيجاباً على كافّة شؤون الحياة.

إنّ ما ذكرناه لا يقلّ أهمية عن الانتصارات التي تسطّرها أيدي المجاهدين في الجبهات، لأنّ المجاهد من أبناء هذا المجتمع الذي لو استطاع تأمين كلّ أسباب الراحة النفسيّة والروحيّة في محيط المجاهد الاجتماعيّ، لكانت الآثار الناتجة عن ذلك عظيمة، ولاستطاع المجاهد أن يقوم بأداء تكليفه على النحو الأفضل، فيكون المجتمع شريكاً في النصر، بحقّ، قولاً وفعلاً.


1- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج15، ص15.
2- ميزان الحكمة، الريشهري، ج1، ص444.
3-
﴿وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (النساء: 95).
4- الوافي، الكاشاني، ج9، ص1531.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع