مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

المجاهدون: لذا فضّلهم الله


السيّد حسين فضل الله


يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (النساء: 95).

لقد خصّ الله تعالى في آياته وتعاليمه أهل الجهاد بخصائص فريدة، فرفعهم درجة، وفضّلهم على المتخاذلين، وميّز بينهم، وكتب لهم الأجر العظيم. فأهل البذل والعطاء يتقدّمون الصفوف الأولى، فهم الذين وصل حدّ البذل عندهم إلى الجود بالنفس الذي هو أرفع مراتب الجود، يقول الشاعر:

يجود بالنفس إذ ضنّ الجواد بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود(1)


* أولاً: من هو المجاهد؟
بعيداً عن تعريف اللغة فإنّ المجاهد يعرّف بأنه: رجل من أهل الله وعباده الصادقين، الذين أتقنوا الوقوف في حضرة عزّته، وأبدعوا في استلهام مراده، وأسلموا لله الروح والجسد، وبرزوا إلى منازل المُنازلة حيث تتفرّق الرجال الأشداء، أعطوا ما لا يعطيه أترابهم، وجادوا بما يحجبُه أمثالهم، ذلك هو المجاهد في بعض صفاته، وفي نُذر من محطّاته.

المجاهد هو من أهل البصيرة، الذين سلكوا طريق ذات الشوكة، وهم الذين استلانوا ما استوعره المترفون، وأَنِسُوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى.

المجاهد هو من احتضن نفسه سنوات طويلة، فأتقن رعايتها وتربيتها، واجتهد في صقلها وتهذيبها؛ ليستحضرها في نهاية المطاف شامخة في لحظة المنازلة، ومضحّية عند اشتداد الأزمات، هو من لم يكن في كفّه غير نفسه فجاد بها، كما يقول أبو تمام:

ولو لم يكن في كفّه غير روحه لجاد بها فليتقّ الله سائله


* ثانياً: فضل الجهاد
يقول تعالى في فضل المجاهدين: ﴿وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا (النساء: 95-96).

وقد فُسرت الدرجات الواردة "درجات منه" بالدرجات التسع التي وردت في سورة التوبة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ [أي مجاعة] فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (التوبة: 120-121).
فهذه الدرجات التسع هي من مختصّات المجاهدين التي وعد الله تعالى أن يكتبها لهم وأكّد ذلك مرتين، وختم بتأكيد الجزاء بالأحسن، وهو وعد إلهيّ عظيم.

كما إنّه يكفي أهل الجهاد أنّ الله اختصّهم يوم القيامة بمورد خاصّ، فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "للجنّة باب يقال له باب المجاهدين، يمضون إليه، فإذا هو مفتوح وهم متقلّدون سيوفهم، والجمع في الموقف والملائكة ترحّب بهم"(2).
ويكفي المجاهدين فخراً أنّهم وقعوا رجاء لدعاء سيدة نساء العالمين عليها السلام حيث تقول: "اللهمّ إنّي أسألك قول التوّابين وعملهم ونجاة المجاهدين وثوابهم"(3).

* ثالثاً: الجهاد مشروع أمّة محصّنة
الجهاد في سبيل الله تعالى ليس مشروعاً شخصيّاً للمجاهد فقط، وإنّما هو مشروع أمّة تتوسّل الجهاد تحصيناً لها، وتمسّكاً بثوابتها، وإعزازاً لدينها. وعليه، فإنّه تترشّح من معين الجهاد ثمار كثيرة تنالها الأمّة وتستفيد منها، أهمّها:

1 - الجهاد مصدر قوّة الأمّة:

إنّ تمسّك أيّ أمّة بمصادر قوّتها هو الضمان في استمرارها، واستكمالها لأهدافها المرسومة، فالأمّة الضعيفة تُكثر من توسّل ما لدى الآخرين، وتستجدي احتياجاتها من الأغيار، وسرعان ما تجد نفسها في حالة تهالك وضياع، وتضطرّ لمهادنة أندية الأقوياء الذين يستغلّون ضعفها فيحقّرون كرامتها، ويفرضون عليها شروطهم، ويُسقطون عليها ثقافتهم الغريبة. هنا يحضر الجهاد ليكون السند والمدد، وليكون مصدر قوّة الأمة وتحرّرها، ومعه تنتعش إرادتها، وتقوى عزيمتها، وتثبت على مواقفها، فلا تهادن ظالماً، ولا تبايع مغتصباً، ولا تعطي إعطاء الذليل، وإنما تندفع بقوة لتكون سبّاقة إلى حماية المستضعفين في الأمة، كلّ ذلك ببركة الجهاد في سبيل الله.

2 - الجهاد مصدر ثروة الأمّة:

لكلّ أمة خيرات وثروات، ماديّة ومعنويّة، وهي خيرات يلزم على أبناء الأمة حمايتها، والذود عنها، وهذا لا يتأتّى إلّا من خلال فريضة الجهاد؛ لأنّ الأمّة التي لا تسهر على إمكاناتها، ولا تدافع عن عناصر القوة فيها، سوف تقع فريسة طمع المستكبرين والنافذين، والمستغلّين لضعف الشعوب وتهاونهم؛ لذلك كلّه كان الجهاد حصناً تُسدّ به الثغور، وتُحمى به الأوطان، وتُحفظ به الكرامات.

3 - الجهاد مصدر عزّة الأمّة:

يقول أمير المؤمنينعليه السلام في نهج البلاغة: "فرض الله... الجهاد عزّاً للإسلام"(4).

إذا كان الله تعالى قد فوّض في البُعد الخاص للإنسان كلّ شيء ولم يفوّض إليه أن يذلّ نفسه، كما ورد في الخبر، فإنّه من باب أولى أن لا يفوّض الله تعالى لأحد في البعد العامّ أن يذلّ الأمّة، ويحجب عنها كساء العزّة والعنفوان. ولقد أشار أمير البيان عليّعليه السلام إلى المسبّب الأول لذلك فقال عليه السلام عن ترك الجهاد: "من تركه رغبةً عنه ألبسه ثوب الذلّ وشمله البلاء"(5). فالجهاد وسيلة الاعتزاز والحفاظ على الكرامات، ومن دونه يتعرّض الفرد والأمّة معاً لانتكاسة تطال الهيبة، وتتمدّد إلى ما يزيد عن ذلك.

* رابعاً: أثر المجاهد التربويّ في الأسرة والمجتمع
للمجاهد حيث حلّ أثرٌ ومكانة، وعبقٌ فوّاحٌ يتنقل أثيره ويسطع بلطف فوق القلوب المتلهّفة لنفحات العطاء المتدلّية من النفوس الأبيّة. فتراك تُبصر بناظريك من ترك الدنيا وزينتها، وأعرض عنها، ولم تعدل عنده عفْطة عنز(6)، في وقت يتسابق إلى زخرفها ومتاعها كثيرون ممّن احتبستهم الدنيا، وأغلقت عليهم، فصاروا مأسورين لها. أمّا المجاهد فيمثّل رمز الانعتاق من مخالبها، والتفلّت من متعلّقاتها، بما فيها المتعلّقات الطبيعيّة والمشروعة، فتراه يغادر الأهل والأحبّة، ويمضي في طريق ذات الشوكة طمعاً بالرضا الإلهيّ.

والمجاهد في أسرته الكبيرة أو الصغيرة، تجول مكرماته بين أهل الكرامة، وتتنقل صفاته العامرة بين أقرانه وإخوانه، وفي عائلته، حيث يعتمدونه نموذجاً للتأسّي والتعلّم، ويرون فيه قدوة ومدرسة للإيثار والتضحية، للإخلاص والبصيرة، للشجاعة والصبر، للعبادة والخشوع... وقبل ذلك وبعده يمثّل المجاهد أروع مشاهد الجهاد الأكبر، حيث يبرز كمثال يُحتذى في مجاهدة النفس، مع ما لهذا الأمر من قَدر ودرجة، وإليه يشير أمير المؤمنين عليه السلام: "ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممّن قدر فعفّ، كاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة"(7).

خامساً: أثر المجاهد الاجتماعيّ في التحصين
إنّ التحرّر الذي يعيشه المجاهد في حياته، والشعور بالانعتاق من أيّ قيد، يتيح له أن يعمل وفق منظومة الفطرة النقيّة التي لا تلوّثها الضغوط والأهواء، مضافاً إلى الشعور بالعبوديّة للَّه تعالى وحده، وهو ما يتيح للمجتمع الذي يحتضنه أن يتنعّم ببركة هذا الحصن المنيع، ويمتلك إرادة المواجهة للضغوط والانحرافات الفكريّة، والسموم الثقافيّة، والتقاليد والعادات الطارئة، والمستجدّات غير البريئة التي تغزو النفوس، وتأسر الرؤوس الفاقدة للتوازن الدينيّ والثقافيّ.

إنّ المجاهد صامتاً كان أو ناطقاً، قائماً كان أو قاعداً، يمثّل متراساً متقدّماً للمواجهة الاجتماعيّة والثقافيّة التي تطلّ بقوة حيث تضعف الإرادات، ويحضر ليكون المبادر إلى انتزاع القيم الأصيلة من مخبئها، ويستفزّ بتضحياته المشهودة المقصّرين في استكمال طوق النجاة التامّ لجسم الأمّة، تحقيقاً لمنعتها.


1- يعرف هذا البيت أنّه لمسلم بن الوليد الأنصاريّ مولى آل سعد بن زرارة الخزرجيّ.
2- الكافي، الكليني، ج5، ص2.
3- من دعائها عليها السلام في تعقيب صلاة الظهر.
4- نهج البلاغة، من كلامه عليه السلام في بيان حكمة الله في أصول الفرائض.
5- نهج البلاغة، خطبة الجهاد.
6- إشارة إلى كلمة الإمام عليّ عليه السلام: "ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز".
7- نهج البلاغة، من كلامه عليه السلام في العفة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع