مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

دعاء الافتتاح (7): وما قَصُرْنا عنه فبلّغناه


د. يوسف مَدَن


ذكرنا في الأعداد السابقة مبادئ خمسة من قيم تنظيم السلوك التي تعمل على ضبط السلوك في اتّجاه واحد. ونكمل الحديث عن المبدأين السادس والسابع.

*المبدأ السادس: مبدأ تحسّس القصور (أو التقصير في العمل)
ويراد به (تقصير العباد) عن أداء العمل العباديّ، كما ينبغي، ويتجلّى ذلك بصدور الهفوات، وارتكاب المعاصي والموبقات، وتحسّس المرء لهذه المسؤوليَّة تجاه ربّه تعالى، فيحمله الإحساس بـ "تقصير العمل" عند البعض على العمل ما يمكنه، وغرضه تفادي التقصير، والسعي لتعزيز علاقته بالله سبحانه، وتنميتها بإمكانيّاته الذاتيّة، وبمساعدة الآخرين ودعمهم. فالشعور بقصور عملنا، وتقصيرنا في الإنجاز، يحرّك طاقة العمل ويستثير همّة الفرد نحو مسؤوليّاته، واستجماع قواه في مسار بناء علاقـة أقوى مع الله عــزَّ وجلّ، ومع الذات والآخر. وهذا يقتضي وعياً ذاتيّاً وجهداً معزّزاً بجهود آخرين.

*"عبد لئيم": تنبيه لا تحقير
ونرى أنّ جمل الدعاء الكريم ومقاطعه اللّفظيّة المتفرّقة قد استنبطت تعبيرات لفظيّة عديدة عن هذا المبدأ، فمرّة يذكُر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عثرات عباد الله سبحانه، ومرة ثانية يطالب بإقالتها. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه العثرات والذنوب والسقطات استوجبت تحمّل المسؤوليّة، فيقول في دعائه: "اللهمّ إنَّ عفوك عن ذنبي، وتجاوزك عن خطيئتي، وصفحك عن ظلمي، وسترك عن قبيح عملي، وحلمك عن كثير جرمي"(1).

وكذلك نلمح إشارات الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى رذائل الجهل، والخطأ العمد، والذنوب، والعتب جهلاً على الله سبحانه، والتطاول عليه. وعبَّر الدعاء عن ذلك بوصف بعض تلك الحالات كالتقصير بـ"اللؤم" فوصف الإنسان الذي بهذا الحال بكلمتي "عبد لئيم"، وليس غرضه تحقيره، وإنما تنبيهه إلى قيمته في مقابل خالقه.

*الفقر ماديّ ومعنوي
ويكون تقصير العمل بدرجة أشدّ وضوحاً في موقفين ذكرهما دعاء الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف كما تقدّم في العدد السابق وهما يجسّدان تقصيراً في أعمال العباد تجاه طاعة ربهم، لذلك كان من المنطق الطبيعيّ أن يكون المرغوب تجاوز حالات القصور والتراخي في أداء العباد مسؤولياتهم العبادية، وقد تناثرت كلماته عجل الله تعالى فرجه الشريف في باطن الدعاء كإشارة إلى فقرنا الماديّ والمعنويّ والقيميّ والاجتماعيّ والسيكولوجيّ والمعرفيّ مثل: "أعطنا به [أي بالحق] فوق رغبتنا، واشفِ به صدورنا، وأذهب به غيظ قلوبنا، واهدنا به لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء"(2). فكان الدعاء طلباً لمعرفة الحقّ ليؤسّس على قواعده ومرتكزاته "إدارة جديدة لحياته" وينظّم شؤونه.

*المبدأ السـابع: "المشـاركة الوجدانية"
وهي مشاركة بين الإمام المهديّ كـ"قائد تاريخيّ منتظر" وجماهيره من المنتظرين في عصور متعاقبة من تاريخهم.

يقول الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في مقطع من الدعاء: "اللهمَّ ما عرّفتنا من الحقّ فحمّلناه، وما قَصُرنا عنه فبلّغناه، اللهمَّ المُم به شَعَثَنا، واشعب به صَدْعَنا، وارتق به فَتقنا، وكثّر به قلّتنا، وأعزز به ذلّتنا، واغن به عائلنا..."(3).

وقد عبَّر الإمام المهديّ محمد بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف في أكثر من جملة وعبارة ومقطع لفظيّ عن هذا التلاحم العاطفيّ والذهنيّ، والتوادّ القلبيّ في حالات وجدانية مختلفة. وما نلحظه من هذه الجمل والعبارات استخدام لغة موحّدة من القائد والمنتظرين معاً، وكأنّه عجل الله تعالى فرجه الشريف في نصّ دعائه قد نظر إلى الجميع ككيان واحد.

والمقطع الأخير الذي نقلناه من نص الدعاء، يتحدّث فيه عجل الله تعالى فرجه الشريف بلسان الجميع، ويعبّر فيها عن وحدته الشعوريّة والفكريّة معهم. فالمقطع اللفظيّ من نصّ الدعاء يوحي بأنّ جموع "المنتظرين" هم الذين يخاطبونه، بينما الحقيقة أنّ مفردات نص الدعاء، واستخدامه عجل الله تعالى فرجه الشريف في هذا المقطع "نون الجماعة" الظاهرة في آخر كلمات أغلب جمل هذا المقطع تعبّر عن الجماعة، فقال عجل الله تعالى فرجه الشريف كما ذكرنا: "اللهمَّ ما عرّفتنا من الحقّ فحملناه، وما قصرنا عنه فبلغناه، اللهمَّ المُم به شعثنا، واشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا...".

وفي مقطع آخر يتكلّم عن نفسه المقدّسة على لسان الجماعة فيقول: "اللهم، وصلِّ على وليِّ أمرك القائم المُؤَمل، والعدل المنتظر"، ثم تقول جملة أخرى من المقطع ذاته: "اللهمّ اجعله الداعي إلى كتابك، والقائم بدينك، استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله، مَكِّن له دينه الذي ارتضيته له، أبدله من بعد خوفه أمناً، يعبدك لا يشرك بك شيئاً، اللهمّ أعزَّه، وأعزز به، وانصره وانتصر به، وانصره نصراً عزيزاً... اللهم أظهر به دينك، وسنة نبيك حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخَلْق، اللهمّ إنَّا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة"(4).

*هموم المنتظرين
فالتلاحم التاريخيّ بين القائد والمنتظرين، وما انطوى عليه من وحدة شعورية وفكرية وروحية واجتماعية، جعل الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يتحدّث عن هموم المنتظرين ومشاعرهم وآمالهم بلسانهم، وكأنّهم - كجماعة واحدة - يتحدّثون مع الله، ويخاطبونه سبحانه مباشرة بأن يحقق آمالهم بتمكين إمامهم في الأرض والاستخلاف، وارتضاء دينه ونصره... فالروح الجماعية في حالات مختلفة كما وردت في المقطعين السابقين جسّدت مظاهر "مشاركة وجدانية" حيَّة بين المنتظرين وقائدهم المؤزّر في غيبتيه الصغرى والكبرى لأكثر من أحد عشر قرناً من الزمان.

ومع ذلك فالمشاركة الوجدانية كما في المقطعين السابقين تأخذ بالقائد والمنتظرين معاً في اتّجاه تحقيق مشترك لأهداف المنتظرين، والارتقاء بالذات ومجتمع المنتظرين، والسير بهما في طريق التربية العبادية الراشدة والناضجة.


1- ابن طاووس، إقبال الأعمال، ص328.
2- م.ن، ص330.
3- م.ن، ص328.
4- م.ن، ص330.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع