فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

شؤون المرأة: لا بديل عن حليب الأم



كثيرات هن النساء اللواتي يفكرن بأن الرضاعة من الثدي عادة رجعية في حين أننا نرى معظم دور الولادة والأطباء والمحافل العلمية تثبت أن الرضاعة هي عادة عصرية من الطراز الأول الرفيع، وهناك إجماع يتزايد يوماً بعد يوم بأنه لا بديل عن حليب الأم، لأنه يعتبر الغذاء المثالي الذي يفي بكل ما تتطلبه صحة الطفل ونموه الجسدي والعقلي.

والسبب في ذلك يعود إلى أن الطفل لا يحتاج فقط إلى الحليب وإنما يحتاج أيضاً إلى الحب والحنان، وهذان العنصران لا يتوافران إلا من خلال الرضاعة من ثدي الأم، بمعنى أن الأم في الوقت الذي تغذي وليدها الحليب تغذيه الحب والحنان معجوناً بالعاطفة الساخنة المتدفقة مع الحليب في فمه.

لقد أثبتت الدراسات العلمية أن الطفل الذي يرضع من ثدي أمه يكون أقل عرضة للمشاكل النفسية، بحيث يكون التقارب الجسمي والنفسي بين الأم وطفلها على أشده فعندما تضم الأم وليدها أو طفلها إلى صدرها تعطيه شعوراً قوياً بالراحة والأمان، ما يجعله يقبل على صدرها بشوقٍ وشغف، وتساعده في تكوين شخصيته في المستقبل لأن فترة الرضاعة تحدد معالم شخصية الطفل فإذا كانت الرضاعة مركزة كانت شخصيته قوية ومتماسكة أما إذا كانت مضطربة فإنها تنعكس سلباً على شخصيته.

وأيضاً الرضاعة من الثدي تحرك عاطفة الأمومة لدى الأم التي تجعل انشدادها إلى طفلها قوياً، بحيث ترعاه بكل حركاته وسكناته، بالمقارنة مع الأم التي ترضع طفلها بالوسائل الاصطناعية نجد أن علاقة الأولى بطفلها تفوق عشر مرات علاقة الثانية، بعض العلماء يقول: لو تعرض طفل الأم غير المرضعة للخطر فإنها لا تسرع إلى نجدته بمقدار الأولى، كما يسهل عليها ترك الطفل والتخلي عنه، في حين أننا لا نجده عند المرضعة.
لذلك يقال أن المرأة التي تريد أن تتخلص من وليدها عقب الولادة إنما تفعل هذا قبل أن ترضعه لأنها لا تشعر بحنان عليه فإذا أرضعته شق عليها الانفصال عنه وحنت إليه.

والمنهج التربوي القرآني يقدم لنا منهجاً كاملاً عن الرضاعة وأهميتها، وعن الدور الذي تلعبه على مسرح الحياة، بحيث يحدد للأم أن ترضع وليدها حولين كاملين، ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  (البقرة: 233).

فالإنسان هو المخلوق الوحيد من بين المخلوقات الذي تمتد فترة رضاعته إلى حولين كاملين، والسؤال الذي يطرح لماذا هذه الفترة؟
بكل بساطة لأنه خليفة الله على الأرض ومطلوب منه أن يقوم بدور حضاري في الحياة ودوره يتطلب أرضية تربوية صلبة يقف عليها والتربية تبدأ من حجر الأم.
وفي مقارنة بسيطة بين الإنسان والحيوان فإن وليد الحيوان يأتي فوراً بقوة جسدية كبيرة يقابلها ضعف في طاقاته الإدراكية وقابلية التطور فيها... بينما يولد الإنسان ضعيفاً في جسده، ولكنه مزوّد بقابلية هائلة لنمو وتطور طاقاته الفكرية والإدراكية.
وتؤكد الأبحاث العلمية أن دماغ الطفل يتكامل نموه بشكل مثير للدهشة في الأسابيع الأولى من ولادته، وهو أي الطفل يفهم ويعي ما يدور حوله من مشاعر الحزن أو الفرح، بل هو يتأثر أيضاً بالأجواء المحيطة به بمقدار ما يتأثر بالكلمات.

ففي حديث للإمام علي عليه السلام يقول فيه: "ما من لبن رضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه"، وعندما نتمعن في هذا الحديث تتكشف لدينا الحقائق التالية:
أولاً: حليب الأم للرضيع يكون الأكثر ملائمة لمعدته والأكبر موافقة لقابلية الهضم فيها، لما يحتويه من مواد دهنية بالإضافة إلى وجود الخمائر.
ثانياً: كمية المعادن والأملاح كالبوتاسيوم والصوديوم، ونسبيتها بعضها لبعض، فثدي الأم يقدم للطفل الرضيع الكمية والنوعية الغذائية المناسبة لحاجته بحيث أن كل رضعة تختلف عن سابقتها في التركيب والتحضير.
ثالثاً: ثدي الأم يدر في فم الرضيع كميات تتناسب مع قابلية حاجته بالإضافة إلى أن حليب الأم ذو حرارة مثل حرارة جسم الطفل.
رابعاً: أثبت الطب أن الطفل الذي يرتضع من ثدي الأم أقل عرضة للالتهابات المعوية التي قد تصيب المعدة أحياناً، فتسبب الإسهالات خاصة في الأشهر الأولى من العمر.
خامساً: الفيتامينات (C) و(A) يوجدان بكمية وافرة أكثر من الحليب المصنع.
سادساً: أن الرضاعة في أيام الولادة الأولى تساعد إلى حد كبير على تقلص الرحم وعودته إلى حجمه الطبيعي بأسرع وقت ممكن مما يزيل حدوث التهاب الرحم بعد الولادة، وأيضاً يحدث تغييرات هرمونية تساعد على اختفاء البثور والحبوب من وجه الأم ويخفف الإصابة من سرطان الثدي.

هذا والأم التي ترضع وليدها من ثديها تشعر بفيض غامر من الإحساس العميق بقداسة الأمومة، مما يجعل الأم في غاية الراحة والهدوء، والحالة النفسية للأم بعد الولادة تنعكس مباشرة على الطفل لأن حليب الأم يتأثر بأوضاعها النفسية، فإذا كانت الأم تعيش في حالة القلق نرى أن طفلها يغرق في هذا الجو القلق بالإضافة إلى أن صحته تسوء فيصيبه الضعف ويكون عرضة لمختلف الأمراض.
وبهذا نجد القرآن الكريم في خطابه لمريم ساعة الولادة لم يغفل هذا الجانب (فكلي واشربي وقرّي عيناً) هنا يشير إلى الحالة النفسية التي تحتاجها الأم.

فإلى جانب ضمان الحالة النفسية للأم نجد أن الخالق قد زود ثدي الأم بمادة صمغية صفراء، تتدفق عادة قبل الحليب عند الرضاعة الأولى فتعطي نوعاً من المناعة والحصانة بحيث تحوي مواد مضادة للأمراض.
وفي الوقت الذي يحرص فيه الإسلام على أن تكون أجواء الرضاعة ملائمة للطفل من الناحيتين النفسية والجسدية فإنه يحذرنا من مغبة الوقوع في هاوية المرضعة الحمقاء.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام "لا تسترضعوا الحمقاء، فإن اللبن يعدي"، وقد أثبت العلم أن الأم إذا كانت مصابة بأمراض نفسية تنقلها بدورها إلى الطفل عن طريق الحليب، لأن الثدي أحسن مطية للعدوى.

وأيضاً من الحالات التي يجب على الأم أن تمتنع فيها عن إرضاع طفلها من الثدي:
1- أمراض عامة مزمنة وحادة، أمراض القلب والكلى والسل والأمراض المعدية المصحوبة بحرارة مرتفعة وسعال حاد، عندها من الأفضل التوقف عن إرضاع طفلها لأيام عديدة مع الاستمرار في إفراغ الثدي بواسطة الاعتصار اليدوي.
2- تشقق الحلمة الحادة وخراج الثدي، يجذب الحليب وتوقف الرضاعة مؤقتاً مدة 24- 48 ساعة في الوقت نفسه ويمكن إرضاع الطفل من الثدي الآخر.
3- احتقان الثدي وتضخمه، اعتصري قليلاً من الحليب قبل الرضاعة بحيث تصبح المنطقة الداكنة أقل احتقاناً أما في حالة احتقان الثدي الحاد فينصح بعملية تدليك برفق على أن يكون باتجاه الحلمة، كما أن المغاطس بالماء الفاتر قد تفيده.
4- بعضها يعود إلى الطفل نفسه مثلاً تشوه الشفتين أو سقف الحلق أمراض القلب والرئة وأمراض الجهاز العصبي.
أما الأطفال الذين يولدون قبل أوانهم فإن حليب الأم لهم مفيد جداً.

وفي النهاية يؤكد الأطباء أن على الأم المرضعة ألا تخاف على رشاقة جسمها من الإرضاع، بخلاف المشهور بين النساء فإن الرضاعة تكسب الجسم رشاقة ولا ترهله لأنها خلال الإرضاع لا تحتاج إلى الإكثار من الأطعمة، كل ما تحتاجه هو كمية كافية من السوائل والبروتينات وهذه لا تسبب ترهلاً ولا سمنة، بل تعطي الجسم جمالاً ونضارة.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع