مقابلة: في رحاب وليد الكعبة عليه السلام الإعلام الحربي: ذاكرة المقاومة العدسة بعبق الشهادة الإعلام المقاوم: المفهوم والتأسيس مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*) أخلاقنا: الذرّيّة الصالحة..حياة(*) الحاج قاسم سليماني عن قـرب الشهيد المهندس.. في القلب والذاكرة

مناسبة: المُعَلِّم وتحدّيات الرسالة

تحقيق: غدير مطر

"مرحَى!!".. إنها حصّة اللغة الإنجليزية، حصّة اللهو والمرح مع "المهرّجة – المضحكة"، بل "المعلمة – المهرّجة"، التي جُلّ ما يذكره طلابها من حصصها "تعليقاتها الساخرة"، وإن أرادت المساعدة فبدل "ما تكحّلها بتعميها" بحسب تعبير هادي (17 عاماَ - طالب ثانوي) أحد طلابها: "لكلّ طالبٍ نصيبٌ من استهزائها". هذه المعلّمة كانت نموذجاً كافياً ليكره هادي أي معلّم للّغة الإنجليزيّة قبل معرفته.
فعندما يغدو المعلّم نموذجاً سيئاً أمام طلابه، هل يكون ذلك مبرّراً لسوء أدبهم معه أو مع أي أستاذ آخر، أم أن احترام الأستاذ واجب في كل الحالات؟


*بعيون الطلاب
لا زالت فاطمة (20 عاماً - طالبة جامعية) تذكر كلمات أستاذ مادة الفيزياء خلال سنوات مضت، فتحب أن تصبح معلّمة في المستقبل لتكون "كالأستاذ الذي احترمتُه وأحببتُه، فأترك بصمة لدى تلامذتي كالتي تركها أستاذي لدي". هذا الأستاذ المربي الذي "كان يحبّبنا بالدين، ويساعدنا لنكون أكثر وعياً، ويمنحنا رؤية أفضل للحياة، منذ الصغر"، وتؤكّد: "لو يعود بي الزمن لاخترته أستاذي لمدة 12 عاماً مدرسياً".

في المقابل، يكره فادي (14 عاماً - طالب في المرحلة المتوسطة) أستاذ الرياضيات الذي "يظن أن وظيفته هي الاستهزاء بالطلاب، والتقليل من احترامهم أمام زملائهم"، معتبراً أن "الأستاذ يحمل رسالة وعليه تأديتها بأمانة". أما إسراء (18 عاماً - طالبة ثانوية) فتؤكّد على "شيوع نماذج الأساتذة السيئين والقاسين، الذين يرى فيهم الطلاب مصادر إزعاج أو وسيلة تسلية"، معتبرة أن "ردّات الفعل السلبية الصادرة عن الطلاب مبررة، فالأستاذ المتعنّت والقاسي لا يجب احترامه، بل تجب معاملته بالمثل!".

*أستاذ ومربٍّ
للمعلم دور آخر، يُختصر بـ"الإسهام في تنمية وتنشئة القدرات الشخصية والذهنية والعاطفية لدى المتعلّم". هكذا أوجز المختص التربوي الدكتور حسين سلهب، معتبراً أن "المعلم هو أحد مصادر التربية التي يُعنى بها الأهل ووسائل الإعلام والمجتمع أيضاً".

وعلى المستوى الأخلاقي، قد يكون دور المعلم أكثر أهمية، كما بيّن فضيلة الشيخ محمد الحمود ذلك بقوله: "يجب أن يكون الأستاذ أسوة تربوية وأخلاقية، يمثّل في سلوكه قدوة ونموذجاً يحتذي به طلابه داخل صفه، ويصنع منهم أفراداً مؤمنين ملتزمين، بحيث يبني شخصيتهم ويصقلها بالفضائل". ويختصر هذا الدور بحسب أستاذ التربية الدينية في جمعية التعليم الديني أديب ظنيط بالتربية: "التي يجب على المعلّم أن يحملها كأمانة، لا كمهنة فقط".

*رسالة التعليم
"كاد المعلم أن يكون رسولاً" كما يقول الشاعر، لكن للمعلم مواصفات يجب التحلي بها ليكون معلماً بحق. على المستوى التربوي يرى د. سلهب أنه: "عندما يقوم المعلم بتمكين المتعلمين من السلوكيات الطيبة، وتحفيزهم للسير على طريق العلم، وبذل كل ما بوسعهم ليصبحوا علماء.. فهو بمرتبة العلماء".

إلى جانب خبرته العلمية وثقافته، وكفاءته في مواد تعليمه، ركّز الشيخ الحمود على نقطة جوهرية: "لا بدّ للمعلم أن يمتلك ضميراً حيّاً يشعره بالرقابة الإلهية، بحيث يتحمّل مسؤولية المعرفة التي يعطيها للطالب، ولو لم يراقبه أحد، إلى جانب الأخلاق: أن يكون لديه قدرة على استيعاب الأنماط المختلفة في الصف، ومعرفة كيفية التعامل معهم، وأن يتحلّى بالصبر وسعة الصدر وحسن الإصغاء، بحيث يساعد الطلاب في حل مشاكلهم...". في حين لفت الأستاذ ظنيط إلى أن هذه المواصفات هي: "مواصفات رسولية، ليكون المعلم في "مصافّ الرسل" الذين لم يُرسلوا إلّا لتربية الإنسان".

*تحديات في طريق الأستاذ
من الطبيعي أن تواجه الأستاذ تحديات وصعاب. يرى د. سلهب أن "التحدّي الأساس، هو قدرة المعلم على التوازن أمام الطلاب، والحفاظ على محبتهم له". ومن ناحية أخرى يرى ظنيط أن: "العولمة هي من أهم التحديات التي تواجه العملية التعليمية ككل، وأدواتها المتوفرة لدى الصغير قبل الكبير، التي تبعد الطلاب عن طريق التربية الحقيقية والتواصل والتفاعل والتعلم الحقيقي"، مضيفاً: "إن التربية الخاطئة اليوم، تكرّس الجرأة التي تصل عند الطلاب إلى درجة الوقاحة، فينظرون إلى المعلم كأجيرٍ لا يُحترم".

*أستاذي القاسي!
مؤخراً، انتشرت تقارير مصورة عن تلاميذ تعرضوا لضرب مبرح من أستاذ عنيف وقاسٍ. وقد شكّلت صدمة واستنكاراً عاماً من الناس، والسؤال: كيف ما زال هؤلاء أساتذة يدرّسون؟

يقول د. سلهب: "دائماً يكون الواقع أقل مما يجب وينبغي. والمعلمون درجات: منهم ذوو درجات عليا ورفيعة، وآخرون يرتزقون من هذه المهنة. وللمفارقة إذا كان التعليم عملية لتحصيل الرزق فهو عملية شاقة"، ويضيف: "إن المعلمين الرساليين هم معلمون فرحون ومتفاعلون بشدة وقادرون على تجاوز معظم التحديات، فيما المعلمون المرتزقون يعلّمون فقط للحصول على الراتب الشهري. وهؤلاء مساكين؛ لأن ما يبذله المعلم هو أكبر وأرقى بكثير مما يمكن أن يحصل عليه كأجر في نهاية الشهر".

*نتائج قسوة الأستاذ
عندما يكون الأستاذ قاسياً، كيف سيتعاطى الطلاب معه؟ كيف لهم احترامه؟ فإسراء (14 عاماً - في المرحلة المتوسطة) طالبة متفوقة، تلقت صفعةً أمام رفاقها، والسبب "تأخرها عن الحصة لدقيقتين بعد الفرصة لسبب اضطراري". هذه الصفعة دفعت بإسراء لترك المدرسة وكره المعلمة، وعدم الثقة بأي معلمة مهما كانت جيدة.

ونبّه د. سلهب على ردّات الفعل هذه: "عندما يفكر المعلم بالضرب فهو خالي الوفاض (مفلس)"، مؤكداً أن "السلوك السلبي للمتعلمين، يعود إلى المعلمين، والتلميذ هو أكثر من يلتفت إلى السلوك الظالم للمعلم، لذلك يقوم بالدفاع والرد". مشيراً إلى "أن خطأ المعلم قد يكون كارثياً، وغالباً ما يؤدي إلى ترك الكثير من التلامذة المدرسة".

*من يحاسب الأستاذ القاسي؟
أكّد د. سلهب أن "هذا السلوك القاسي ممنوع في القانون والدين، وعلى إدارة المدرسة أو المؤسسات التعليمية تحمّل مسؤولية هذه السلوكيات الخاطئة للمعلمين، حيث يجب أن يتم التعامل بجدية وعدم السماح بوجود هذه النماذج بعد الآن".

*للمعلّم الرسالي.. كل التقدير
كما يوجد النموذج السيئ، هناك النموذج الذي يُنبت العلم في القلوب، ويفتح آفاق الحياة أمام طلابه، الذي يستحق كل تقدير واحترام. يقول الشيخ الحمود: "أبلغ وأجمع ما أُثر في حقوق المعلم قول الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق التي تحمل معاني التقدير والعرفان بالجميل"، وهي: "حق سائسك بالعلم: التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تُحدِّث في مجلسه أحداً... فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنك قصدته، وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه، لا للناس".

بدوره يؤكد د. سلهب بكلمة أخيرة: "إن مرتبة التعليم والمعرفة هي مرتبة راقية في الإسلام، فعالمٌ يُنتفع بعلمه هو أفضل من ألف عابد".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع