نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

جغرافيا سياسية: كوبا أكبر جزر الكاريبي وأكبر مصدر متاعب الولايات المتحدة

رغم القرب الجغرافي بين كوبا والولايات المتحدة الأميركية، بقيت كوبا محافظة على مسافة قصوى في بعدها الأيديولوجي والسياسي عن أمريكا... وإذا كان من الضروري تقديم الدليل على أن الثورات الحقة تتم عبر حركة الشعوب نفسها؛ فإن الثورة الكوبية تستطيع تقديم مثل هذا الدليل. ولكن إذا كان من الضروري أيضاً تقديم الدليل على أن الامبريالية الباحثة عن مصالحها، لا يمكن أن تتفق مع الثورات المنتصرة، فإن السياسة الأميركية التي حاولت زعزعة الوضع في كوبا، منذ وصول كاسترو إلى السلطة وحتى الآن، تقدم مثل هذا الدليل. فقد عمدت وكالة المخابرات المركزية الأميركية إلى تنظيم غزو فاشل لكوبا، لجأت من بعده إلى المقاطعة الاقتصادية وهددت بالحصار البحري أكثر من مرة، وانتقلت لاحقاً إلى الحرب الإعلامية والمناورات العسكرية.. وسنحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على كوبا تاريخياً وجغرافياً وسياسياً وعلى الأوضاع الحاضرة بعد سقوط نظام القطبين العالميين.

* نبذة تاريخية:
- الاستعمار الإسباني: اكتشف كولومبس كوبا عام 1492، واستعمر الأسبان الجزيرة عام 1511، واستخدموها كرأس جسر لغزو المكسيك. وفي عام 1762 احتلتها القوات الاستعمارية الانكليزية ولكن ما لبث أن عاد الأسبان وحكموها بأساليب قمعية لا هوادة فيها. إزاء هذا، هرب الآلاف من الكوبيين إلى الخارج حيث أسسوا منظمات سرية للتحرير، وكان من أبرز هؤلاء الأديب خوسيه مارتي والثوري غوميز اللذان نزلا مع عدد كبير من الثوار على شواطئ كوبا سنة 1895 بالتزامن مع انتفاضة كاملة للشعب الكوبي مما اضطر إسبانيا لزيادة حاميتها بمئتي ألف رجل.

- التدخل الأميركي: كانت أميركا تطمح دائماً إلى الاستيلاء على كوبا، وجاءت الاضطرابات لتشكل الظرف المناسب، فأنزلت الأخيرة قواتها في الجزيرة وهزمت القوات الإسبانية عام 1898 لينتقل حكم الجزيرة إلى حاكم أميركي بمساعدة بعض وجهاء كوبا، وبذلك أصبحت كوبا محمية أميركية، تستقبل القوات الأمريكية بشكل دائم لإخماد الانتفاضات الشعبية كما حصل أعوام 1906 و1909 وكذلك من 1917 إلى 1919. هذا وقد سيطرت أميركا على الاقتصاد الكوبي لا سيما مزارع السكر الشهيرة هناك، وقد أدى كل هذا إلى ازدياد النقمة الشعبية إلى أن قامت مجموعة من الضباط الراديكاليين بانقلاب عسكري عام 1933، وكان من بين الضباط باتيستا الذي نجح في انتخابات 1940 ليقود البلاد بعد ذلك من 1940 إلى 1944 ثم من 1952 إلى 1959، وتميزت فترة حكمه بالفساد والارتباط بشبكات البغاء والمخدرات في فلوريدا كما تميزت بالخضوع الاقتصادي التام للولايات المتحدة.

- كاسترو وغيفارا والثورة: جمّع المحامي الثوري فيدل كاسترو حوله 120 مناضلاً وشنوا هجوماً انتحارياً عام 1953 على ثكنة مونكادا في سان دياغو، وكان نصيب الهجوم الفشل ونصيب كاسترو الاعتقال والنفي بعد سنتين. وفي المكسيك تعرف بالطبيب الشاب "شي غيفارا" حيث أسسا حركة 26 تموز تمهيداً للثورة الشاملة. وفي عام 1956 نزل كاسترو وثواره على الجزيرة وجعلوا من الجبال مقراً لهم، ومن هناك أطلقت الرصاصة الأولى وبدأ الزحف، حيث تمكن فيلق غيفارا من احتلال مدينا سانتا كلارا عام 1958 ثم واصل كل الثوار زحفهم نحو هافانا لتسقط في أول يوم من 1959.. وقد فرّ باتيسيا إلى جزيرة سان دومانغ. وقد حاول كاسترو انتهاج سياسة عدم الانحياز وعدم تبني الخيار الاشتراكي وحاول تصحيح العلاقة مع أميركا، لكن الأخيرة لم تتجاوب ففرضت حرباً وحصاراً اقتصادياً على كوبا، إضافة إلى الضغط على دول أميركا اللاتينية الأخرى لمقاطعة كوبا.. وهذا ما دفع كاسترو بقوة إلى المعسكر الروسي الاشتراكي...

وهناك محطتان بارزتان لا بد من التوقف أمامهما:
1- خليج الخنازير عام 1961: حيث قامت وكالة المخابرات الأميركية بإنزال حوالي 1200 لاجئ لقلب النظام، لكن القوات الكوبية أبادت المهاجمين، وقد عُرفت الحادثة بخليج الخنازير.
2- أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962: فقد اكتشفت الولايات المتحدة وجود صواريخ استراتيجية روسية على الأراضي الكوبية مما أحدث أزمة عالمية خطرة، ولكن الروس خضعوا تحت الضغط الأميركي وسحبوا الصواريخ... ومنذ ذلك الوقت حاول كاسترو اتباع اشتراكية مستقلة نوعاً ما عن المعسكر السوفياتي.

* لمحة جغرافية وبشرية:
تُعتبر كوبا أكبر جزر الكاريبي وأكثرها سكاناً وتتكون من جزيرة كوبا التي يبلغ طولها 1200 كلم ومعدل عرضها 100 كلم ومن جزيرة بنوس التي تبعد حوالي 50 كلم عن الضفة الجنوبية الغربية لجزيرة كوبا، بالإضافة إلى 1700 جزيرة صغيرة تحيط بالجزيرة الكبيرة، بحيث تصبح كل هذه الأجزاء جزيرة واحدة في حال انخفاض البحر 15 متراً فقط. وتحتل كوبا موقعاً استراتيجياً مهماً جداً في قلب أميركا الوسطى خاصة بالنسبة لخليج هافانا المشرف على طريق المكسيك البحري، كما تقع الولايات المتحدة إلى شمال الجزيرة على مسافة بحرية قريبة نسبياً، حيث شكل هذا الممر باباً لهجرة الكوبيين إلى فلوريدا الأميركية، ومن الجدير ذكره أن كاسترو سمح بهذه الهجرة للتخلص من المجرمين واللصوص في كوبا، مما حدا بالولايات المتحدة إلى قوف هذه الهجرة... كما تشكل هذه الطريق الممر الرئيسي للتهريب إلى داخل الولايات المتحدة عبر ولاية فلوريدا.
وفي كوبا عدة مرتفعات عالية أهمها سييرا ماستيرا التي يبلغ ارتفاعها 2000م، وهي كثيرة الغابات والأمطار مما جعلها مثالية لحرب العصابات إبان الثورة الكوبية. تبلغ مساحة كوبا 110,922 كلم2 وعاصمتها هافانا، ومن أهم مدنها سانتياغو وكاموغوي وسانتا كلارا.
أما السكان فيبلغون حوالي 10 ملايين نسمة حوالي 75% من أصل إسباني، والباقون زنوج وخليط من الأبيض والأسود، ويدين هؤلاء بالكاثوليكية بنسبة 90% ويتكلمون الإسبانية ومن أهم منتجات كوبا السكر ومعدن النيكل، كما تمتلك ثروة حيوانية كبيرة، وتتبادل تجارياً مع المعسكر الاشتراكي بنسبة 80%.

* الأوضاع الحالية:
صحيح أن الجار الأميركي الكبير ما زال على بعد عشرات الأميال من الشواطئ الكوبية، وهذا الجار لم يتغير. فهو ما زال منذ ثلاثين سنة يكن العداء لكاسترو ويفرض على كوبا حصاراً قلّما شهدته العلاقات بين دولتين، لكن المتغيّر الأكبر من الشرق ومن الحليف الأكبر الاتحاد السوفياتي! فمنذ البداية، أبدى كاسترو احتقاره للبيريسترويكا التي بدّلت العلاقات الخاصة بين موسكو وهافانا. فالمنّ السوفياتي وإن لم يتوقف بعد، خفّ كثيراً خلال السنوات الماضية وأغرق كوبا في أزمة حادة خاصة في مجال الطاقة التي تساهم إلى حد كبير في صناعات السكر والنيكل في كوبا. ولم يعد بعض المسؤولين السوفيات يخفون الآن احتمال تقليص تدريجي للمساعدات الاقتصادية والمالية. بالإضافة إلى الاتجاه نحو المطالبة بتسديد الفواتير بالدولار بدل الروبل.

وها هي شعرة معاوية قد بدأت بالانقطاع بين كوبا وإسبانيا آخر دولة غربية وفيّة لكوبا لأسباب تاريخية ولغوية معروفة، فأزمة السفارات الأخيرة ولجوء 18 كوبياً إلى السفارة الإسبانية أزمّت العلاقات بين البلدين إلى حدود كبيرة حيث جرّت إلى تصريحات حادة وتصريحات مضادة أكثر حدة، مما أدى إلى انقطاع المساعدات الإسبانية لكوبا، ومن آثار هذا توقف الدعم الإسباني لمشاريع سياحية ضخمة في كوبا والتي كان الهدف منها التعويض الاقتصادي بعد التغييرات الأخيرة في علاقات كوبا الاتحاد السوفياتي.

ويبدو أن واشنطن، التي لم تخفِ يوماً أن هدفها الرئيسي إسقاط كاستروا، تعتقد أن الساعة أصبحت قريبة وأن بيدها حالياً سلاح الضغط الاقتصادي على النظام الكوبي وبواسطة الاتحاد السوفياتي.
في الواقع، تجتاز كوبا -آخر معاقل الأرثوذكسية الماركسية وآخر القلاع الصامدة في وجه التغيير- أصعب مراحل تاريخها الاقتصادي، ويعرف الجميع أنه عندما يجوع الشعب يمكن أن يحصل أي شيء أكان متوقعاً أم غير متوقع. ولكن حتى اشعار آخر، فإن فيدل كاسترو لا يزال صامداً وصلباً وكأن التحدي الجديد الذي يواجهه ضاعف قواه وجدد شبابه وأعاده إلى أيام النضال بجانب رفيقه "شي غيفارا".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع