مع الخامنئي | نحو مجتمع قرآنيّ* اثنا عشر خليفة آخرهم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف* أخلاقنا | اذكروا اللّه عند كلّ نعمة* مناسبة | الصيامُ تثبيتٌ للإخلاص مجتمع | "الأمّ بتلمّ" مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة

على حبّ الحسين عليه السلام

تحقيق: زهراء عودي شكر

تعتبر عاشوراء أوّل تراجيديا في الإسلام, فقد أفرزت مبادئ وقيماً وسلوكاً وشعائر وطقوساً, كوّنت منبعاً فيّاضاً من الحزن لا ينضب وإرثاً فكريّاً وثوريّاً لا يهدأ، إذ يحتل "اللطم" موقعاً لافتاً في مراسم إحيائها، كذلك المجالس الحسينية والإطعام في سبيل الله وكله... على حبّ الحسين عليه السلام.
 
* البانوراما العاشورائية الشعبية
ما إن يهلّ هلال محرّم حتى تلحظ اختلاف الشارع، الرايات السوداء تُسدل على شرفات المنازل ومسحة الحزن ترتسم على وجوه الناس، ومكبّرات الصوت تصدح باللطميّات والدعوات لحضور المجالس والمراسم الحسينية التي تعمّ المنازل، والمساجد، والمجمّعات، وعجلة العمل تنطلق لتلبّي حاجات وطلبات الناس، فالأفران يشتدّ الإقبال عليها والمحال التجارية وغيرها لتأمين مستلزمات المجالس. كل شيء يبدو مختلفاً ويشعرك بذكرى الطفّ الأليمة. وهذا ما يشير إلى وعي الناس أكثر فأكثر بهول الواقعة، ويعكس فهمهم لمضمونها ومدلولاتها، التي أضحت تبثّ في مواعظ المجالس الحسينية.

الحاجة سلام، ربة منزل، تحاول قدر استطاعتها ارتياد المجالس الحسينية التي تدعى إليها، تقول: "موعظة المجلس صارت اليوم عاملاً محفزاً لحضور العزاء، يجد فيها المستمع الكثير من الأمور الدينية والعملية التي يجهلها نظراً لعدم وجود الوقت الكافي للاطلاع عليها، كذلك يجري سرد لبعض القصص والمواقف التي مرّ بها الأنبياء والأئمة عليهم السلام، إضافة إلى التذكير ببعض الأعمال والأوراد المستحبّة التي تجذب إلى المجلس أكثر فأكثر، وبهذا نتنوّر بالمعرفة ونستذكر مصيبة الإمام الحسين عليه السلام في آنٍ معاً".

ويقصّ لنا الشاب حسين م. قول زميله مهدي ابن العائلة الميسورة، عن الأرزاق التي يسخرها الله لهم في شهر محرم، وهو يردّ سبب تلك الأرزاق إلى بركة الإمام الحسين عليه السلام، فهم اعتادوا إقامة الولائم طوال شهر محرم. ويستكمل حسين حديثه قائلاً: "إن النية هي أساس كل شيء، فالأحاديث تقول: "إنما الأعمال بالنيات"1، فكيف إذا كان العمل في سبيل الله وحباً للحسين عليه السلام؟".


*على حبّ الحسين عليه السلام
في شهر محرم تلفتك مشاهد متنوعة لا تلحظها في الأيام الأخرى، فمثلاً تشدّك روائح الأطعمة الفوّاحة كالهريسة، والمنسف، وكعك العباس وغيرها. وهي ممّا لا يصعُب على المار قربها معرفة مصدرها لأنها غالباً ما تشكّل "لمّة" تجمع حولها الأهل والجيران الذين يتشاركون في طهوها وصنعها لتوزيعها على المارّة وأهل الحيّ، وكل ذلك بهدف كسب الأجر والتقرّب من الله تعالى.

وينتظر جيران الحاجة هناء الهريسة التي تطهوها كل عام ويشرحون لك مدى جودة طعمها ورائحتها، تقول الحاجة هناء: "لقد نذرت منذ سنوات خلت إقامة عدد من المآدب على حبّ الإمام الحسين عليه السلام خلال شهر محرم، فبعد كل مجلس أُنفق الطعام في سبيل الله وعلى حب أهل البيت عليهم السلام، راجية من المولى نيل شفاعتهم في الدنيا والآخرة".


*اللطم... فلكلور كربلائي، على وقع أنغام الحرية
إلى ذلك تحتل مسيرات اللطم والندب جزءاً من المشهد العاشورائي الشعبي، فتجدها تقام في المدن والقرى، مجسّدة بعض مشاهد الطف الحزينة، ومطلقةً الشعارات العريضة التي تعلن الولاء لمسيرة الإمام الحسين واستكمال نهجه لحين ظهور صاحب الزمان. ويتعمّد الأهالي المشاركة في تلك المسيرات هم وأبناؤهم كي يغذوا حبّ أهل البيت فيهم، ولكي يحافظوا على تواصل روحي دائم مع القضية الحسينية. وهنا يؤكد السيد علي ش. أن "معركة الحق والباطل التي كانت منذ أيام أهل البيت عليهم السلام، ما زالت قائمة حتى اليوم أينما وُجد المسلمون، وهي والحمد لله منتصرة ببركة الدماء التي اتخذت من مسيرة الحسين نهجاً. ونحن نفتخر بهذا المبدأ، ونسعى الى السير على هداه وزرعه في نفوس أبنائنا، من خلال المشاركة في المجالس أو المسيرات أو اللطميات أو أي أمر يكسبنا حب الحسين وشفاعته".


*إيقاظ واستنهاض
إذاً، اللطم ليس موروثاً شعبياً فلكلورياً يحاكي عادات وتقاليد راسخة بأشكال متنوعة، فارغة المضمون وغامضة المغزى, بل هو جزء من الطقوس التي تبعث على الاستنهاض والاستعداد لنصرة السائرين في نهج عاشوراء, وهذا الاستنهاض يتأتى من التعاطف مع المصيبة الفاجعة المتصاحبة مع الحزن على الحسين وأهله, ثم يتحول إلى إرادة نهوض وقيام في مواجهة الباطل الذي واجهه واستشهد من أجله الحسين وإلى وعي فكري وسياسي في مستويات عالية في فهم مرتكزات هذه القضية وامتداداتها التي تستمر في واقعنا وتجعل كربلاء حية وحاضرة في كل مواجهة بين الحق والباطل أينما كان.

وفي هذا المجال، نشير إلى أنّ اللطم يمكن اعتباره ركناً من أركان الشعائر الحسينية، وهو يؤدّي دوراً فعّالاً في الاستقطاب والاستنهاض وهو بعكس بعض الأنواع الأخرى التي لا تشكّل وسيلة استقطاب للشارع الحسيني والعالمي نحو القضية المطروحة, وذلك نظراً للصورة التي يعكسها هذا النوع من الأداء على الجمهور، إذ يثير فيه شعور النفور والخوف، بدلاً من الجذب وخلق التفاعل الروحي والعاطفي مع الملحمة العاشورائية بكل أبعادها الثوريّة والسياسيّة والفكريّة.


*الإطعام... حباً وكرامة
ولا تقتصر لوحة عاشوراء على هذه الصور فحسب، بل تتخطاها إلى نواح أخرى تتمثل بالإطعام في سبيل الحسين عليه السلام لتحاكي تارة العادات والتقاليد الموروثة عبر الأجيال، ولتطبق طوراً الأحاديث التي حثت على ذلك, فقد روي عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام: "من موجبات المغفرة إطعام الطعام"2.

ويتمثل الإطعام بتوزيع المأكل والمشرب على مرتادي المجالس الحسينية, وعلى الفقراء والمساكين والأهالي والجيران وتتنوع الأطعمة بين مأكولات جاهزة وأخرى محضّرة منزلياً. وعلى أيّ حال، فالغاية من الإطعام التقرّب إلى الله تعالى, وإذ يطلق عليه إطعام في سبيل الحسين, إلا أنّ القصد هو الإطعام على حبّ الحسين عليه السلام في سبيل الله.


*أطباق عاشوراء
أ - الهريسة
من أشهر الأطباق التي تطبخ في عاشوراء في معظم البلاد العربية, ما يعرف بـ"الهريسة", أو "العاشورية" نظراً لطهوها في عاشوراء, أو "الحبية" لاحتوائها على حبوب القمح المقشر وما يعرف بـ"الحليم" في إيران.
وتختلف مكونات الهريسة وطريقة طبخها وتركيبتها تبعاً للمكان أو الدولة التي تطبخ فيها, فبعضهم يصنعها من حبوب القمح المقشور واللحم أو الدجاج, وبعضهم الآخر يصنعها من الأرز والعدس واللوبياء مضافاً إليها التوابل الخاصة, إلّا أنّها في النهاية توزّع على البيوت، والزوّار، والمارّة وفي مجالس العزاء.
يُرجع بعض المؤرخين تاريخ "الهريسة"، بناءً على بعض الروايات، إلى واقعة الطف عام 61 هجري, فبعد تلك الواقعة, وقعت النسوة ومعهن السيدة زينب عليها السلام أخت الإمام الحسين عليه السلام في الأسر, فعمدن إلى جمع الحبوب المبعثرة في الخربة, التي كنّ فيها, وطبخنها لإطعام الأطفال الذين أنهكهم جوع الأسر.
إلا أن بعض الروايات الأخرى يرجّح أن تكون "الهريسة" طعاماً عرفه العرب قبل الإسلام وكان يُسمى حينها بـ"السويق". وعلى أي حال فـ"الهريسة" التي تطبخ اليوم مرتبطة بواقعة الطف, وهي ليست حكراً على المسلمين الشيعة, إذ إن المسلمين السنة يطبخونها أيضاً, إضافة إلى المسيحيين الذين استمدوها من جيرانهم المسلمين, عندما كانوا يساعدونهم في طبخها وتوزيعها.


ب - المنسف و"القيمة"
إلى ذلك تقوم بعض العائلات بطهو وتوزيع ما يسمى بـ"القيمة والأرز", خصوصاً في العراق وإيران, وهذا الطعام مكوّن من: الحمّص، واللحم، والليمون المجفف... المهروسة معاً.
ومن الأطعمة المنزلية التي توزّع أيام عاشوراء، أيضاً، "المنسف". ويوزّع غالباً في الدول الخليجية على محبّة الحسين عليه السلام وأهله لكسب الثواب. و"المنسف" عبارة عن طبق من الأرز يحتوي على اللحم أو الدجاج إضافة إلى المكسرات, يوزّع إلى جانبه اللبن. وهو من المأكولات الخليجية الفاخرة والمكلفة.


ج - كعك العباس
ولا ننسى الحلويات المنزلية التي تحتل "كعكة العباس" المرتبة الأولى فيها، ولم يكن هذا النوع من الكعك معروفاً في السابق بـ"كعك العباس", ولكن بعد حادثة الطفّ اشتهر بهذا الاسم تيمناً بـ"أبي الفضل العباس", الذي قضى بين يدي أخيه الحسين. وكعك العباس مصنوع من عجينة الطحين والسكر واليانسون, المخبوزة.


د - وللماء خصوصيّة
وأما الماء فله خصوصية في عاشوراء, فترى السبيل في كل ركن بالماء يفيض, ليرتوي منه الناس ويتذكروا الإمام الحسين بن علي عليهما السلام وعياله وأصحابه الذين استشهدوا عطاشى.
أما بالنسبة للمأكولات الجاهزة, فباتت كثيرة ومتنوعة, لا ترتبط بحدث معين يتعلق بواقعة كربلاء وما إليها, ولا تمت بصلة للعادات والأعراف والموروثات الاجتماعية، إنما هي ومهما كان نوعها, ضيافة يقدمها الناس حسب قدراتهم خلال المجالس الحسينية, للتقرب إلى الله عزَّ وجلّ. وهذه المأكولات كثيرة منها: العصير والماء, والخبز, والبسكويت والراحة, والملح, والمعمول, والمعجنات المتنوعة, وأطباق الأرز الجاهزة. وقد بات الناس يلجأون لهذه الأطعمة والمأكولات الجاهزة نظراً لوفرتها في الأسواق.

وفي هذا الإطار، لا تخفى أهمية صفاء النية وخلوصها ليكون إطعاماً على حب الحسين عليه السلام في سبيل الله وتقرباً إليه, وليس في سبيل التنافس والتباهي حول من يوزع الأطعمة الأفضل والأفخر.
وأخيراً من نافل القول التأكيد على أنّ كلّ ما للحسين ينمو ويثمر.


1.الهداية، الصدوق، ص62.
2.وسائل الشيعة، الحر العاملي، طبعة آل البيت ج11، ص554.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع