مع الخامنئي | نحو مجتمع قرآنيّ* اثنا عشر خليفة آخرهم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف* أخلاقنا | اذكروا اللّه عند كلّ نعمة* مناسبة | الصيامُ تثبيتٌ للإخلاص مجتمع | "الأمّ بتلمّ" مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة

كربلاء: شعلة أضاءت الشاشة

وئام أحمد

تعتبر عاشوراء من المدارس الإسلاميّة الأصيلة في تربية الأجيال على مرّ التاريخ، وذلك لأن هذه الملحمة الحسينية قد ساهمت بشكل كبير في صناعة مفهوم التضحية في سبيل إعلاء راية الحق، ونصرة المظلوم في وجه الظالم. وقد كانت سيرة الإمام الحسين عليه السلام وقصته مع الطاغية يزيد هي العنوان الأبرز في هذا الصراع العالمي، الذي تتجه فيه الشعوب الإنسانية فطرياً لنصرة الحق في مقابل الباطل.

وكما يعبر القائد الخامنئي: إن حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام على امتداد تاريخ حياته لمدة أكثر من خمسين عاماً كلها دروس وعبر، ففترة طفولته دروس، وفترة شبابه دروس، وسلوكه خلال فترة إمامة الإمام الحسن بن علي عليه السلام دروس، وسلوكه ومواقفه بعد استشهاد أخيه الإمام الحسن بن علي عليه السلام كلها دروس. لم يكن الأمر بحيث يقال إن ما قام به الإمام الحسين عليه السلام كان في اليوم الأخير فقط. بيد أن عظمة واقعة كربلاء من التألق والضخامة بحيث تطغى على جميع الأنوار الأخرى وكأنها الشمس المشرقة 1.


*مقاربة مشوّشة
لذا، فإننا عندما نود مقاربة هذه الملحمة التاريخية الخالدة من الناحية الفنيّة، نرى أنها مليئة بالدلالات الإنسانية الكبيرة التي يُستقى منها آلاف الصور المشبّعة بالمفاهيم التربويّة والاجتماعيّة.
في استعراض بسيط للنتاج الفني العربي الذي تناول عاشوراء بشكل عام، أو ركز على بعض الجوانب الاجتماعية منها، نرى أن السينما العربية لم تعط لهذه القيمة التاريخية الكبيرة حقها، فكانت الأعمال إما خجولة أو أنها شردت عن الخط الأساسي لعاشوراء، وذلك لأن القيّمين على هذه الأعمال يخضعونها للهدف الذي يبغونه من وراء إنتاجه، وهو: إما إظهار للصورة الحقيقية لما حصل في كربلاء الإمام الحسين، وإظهار مظلوميّته وتفانيه في الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم، أو تشويه لهذه الصورة وأخذ الأحداث إلى منحى آخر يمجد بعض الذين كانوا يعايشون الإمام الحسين عليه السلام وقد نبذهم التاريخ بسبب أعمالهم وما قاموا به من جرائم ضد الإنسانية، وللأسف هذا يعتبر تزويراً للتاريخ بكل ما للكلمة من معنى.


*الإعلام أمضى من السيف
ولو أردنا أن نستعرض قليلاً دور الفن السابع أو (السينما) في صناعة الرأي العام للشعوب ودرجة تأثيره في كل مشاهد لهذا الفن الجديد، لوجدنا أنّ هذه اللغة، أي لغة الإعلام والسينما، هي أمضى من السيف وأشد فتكاً من السلاح لأن أثرها يمتد من العقل وصولاً للتأثير في القلب والروح. لذا، فإن الدول الكبرى لم تعد تهتم بالأسلحة الفتّاكة للتحكم بحياة البشر من خلال القوة، بل اتجهت نحو نوع جديد من الحرب وهو الحرب الناعمة.
يقول سيد شهداء أهل القلم الشهيد السعيد مرتضى آويني في كتابة (مرآة الساحر/ آيينه جادو): "إن الفن السابع هو تجسيد حقيقي لفكرة العبودية ولكن بإرادة الفرد، حيث إنه عندما يذهب لمشاهدة فيلم سينمائي، فإنه في البداية يدخل إلى مكان مظلم، يجلس في مقعده لا يتحرك أبداً، وعندما يبدأ الفيلم فإنه يكون أسير التنويم المغناطيسي الفكري، فكل مشاعره وأحاسيسه تتلاعب بها المؤثرات البصرية وتأخذه دون أن يشعر إلى عالم أراده المخرج أن يذهب إليه، بغض النظر إن كان هذا العالم جيداً أو فاسداً، ولهذا فقد كانت السينما هي أحد أهم الأسلحة الغربية، على مرّ التاريخ، التي لا تقاوم"2.
بعد استعراض أهمية السينما نعود إلى الكيفيّة التي تعرضت بها لواقعة عاشوراء، وسنبدأ بالحديث عن السينما العربية.
كما سبق وقلنا فإن السينما العربية لم تنصف القضايا الدينية بشكل كبير... وقد ظهرت هناك حركة اقتباس لبعض الروايات التي تتحدث عن كربلاء ولكن بشكل أدبي وروائي خيالي، أي أن الوقائع موجودة ولكن بتصرف الكاتب.


*خطوة هامّة
وكانت معظم الأفلام العربية تتحدث عن القصص الغرامية والإنسانية، وقصص الحروب الأهلية... وبعض القصص التاريخية من حياة الخلفاء وأهم القادة التاريخيين. ولكن، في الآونة الأخيرة، أصبح هناك حاجة فعلية لاستحضار بعض القصص الدينيّة التي تشكّل معلماً أساسيّاً في المجتمع، فكان هناك مسلسل "الحسن والحسين ومعاوية" للمخرج "حاتم علي".
بغض النظر عن رأينا في هذا المسلسل أو نقدنا الفني له، فاختيار مخرج فذّ مثل "حاتم علي" لإخراج هكذا فيلم ديني كبير، يعتبر خطوة كبيرة لدى الجهة المنتجة وإصراراً على إبراز قيمة معينة بغضّ النظر عن مضمونها ومدى مقاربتها للحقائق التاريخية، خاصةً وأن هذه المرحلة كانت تتضمن بعض الأمور الخلافية الهامّة حول أحقيّة الخلافة واغتصابها.
ما يعنينا قوله: إنّ هذا المسلسل كان مسيّراً بقيود الجهة المنتجة، ولهذا فإن معظم المرجعيات قد عارض بثّه للناس لأنه يشوه الحقائق.


*"العقاب" فكرة جديدة
في الانتقال إلى مسلسل آخر عرض على إحدى القنوات اللبنانية وهو "العقاب"، فقد كانت فكرة المسلسل جريئة وجديدة من خلال تتبع حركة الاقتصاص من قتلة الإمام الحسين عليه السلام. لن نخوض في النقد الفني للعمل، ولكن هكذا عمل إنساني وضمن إمكانياته الإنتاجية المتواضعة، نستطيع القول إنه جدير بالإحترام لأنه أنصف الحقبة التي تكلم عنها، خاصة أنه أظهر لنا صورة جديدة، فدائماً كنا نستعرض القصة الحقيقية لعاشوراء ولكن لم نتعرض لحياة القتلة والمجرمين في كربلاء.
كما كان هناك محاولة كرتونية مع فيلم "أرض الطف"، والذي شاهده اللبنانيون بشغف حيث عرض في معظم المناطق اللبنانية ودخل إلى كل القرى والبيوت.


*السينما الإيرانية
في الانتقال إلى السينما الإيرانية نرى أن الإيرانيين قد أشبعوا المواضيع الدينية دراسة وتقديماً بمختلف الوسائل الفنية والبصرية. وقد حرصوا على تقديم الصورة الحقيقية التي تتطابق مع انتمائهم وعقيدتهم الشيعية، لأنهم أدركوا حجم وخطورة تشويه هذا التاريخ العريق وأثره الكبير في تكوين شخصيّة المجتمع الإيراني الإسلامي الصاعد والشاب.
في استعراض بسيط للأعمال الفنية، سنتناول فقط الأعمال الدرامية منها، لأن الاعمال الفنية التي تناولت عاشوراء كثيرة ولا تحصى من مسرح، ولوحات، وأعمال مشهدية وموسيقية... وكلها تعدّ من الأعمال الجديرة بالاحترام من مختلف الجوانب.


*التفاني والإيثار
سنبدأ مع مسلسل عرض كثيراً على إحدى القنوات اللبنانية الملتزمة خلال فترة محرم، فكان مرتبطاً بوجدان كل المشاهدين خاصة أنه يجسد واقعة عاشوراء بشكل كامل، وهو مسلسل الإمام الحسين عليه السلام (التفاني والإيثار).
على الرغم من قدم إنتاج هذا المسلسل وهو من الروائع الإيرانية، فإنه ظلّ حياً يستمد حياته من واقعة كربلاء، ذلك لأنه في الأيام العشرة الأوائل من شهر محرم، يكون كل الموالين على موعد مع السيرة الحسينية من خلال مجالس العزاء، وهو نوع من التقديم الفني لعاشوراء، لأن فكرة الحكواتي كانت تتجسد في تقديم كل ما هو إنساني ومليء بالقيم بأسلوب يحفز خيال المستمع على الغوص إلى داخل القصة والتأثر بها (سلباً أو إيجاباً).
وفي المقاربة مع مجالس العزاء نرى أن القارئ يحاول أيضاً إدخال المستمع والمؤمن إلى كربلاء بكل جوانبها فنراه يتأثر بمظلومية الإمام الحسين عليه السلام، ولهذا ما زالت قضية كربلاء نابضة وحية، لأنه بمجرد ذكرها تجري الدموع وتنفطر القلوب، ومسلسل التفاني والإيثار هو تجسيد حقيقي لهذه المجالس الحسينية.


*"يوم الواقعة" ومحاولات أخرى
وتتابعت هذه الأعمال فكانت هناك أفلام تتحدث عن بعض جوانب كربلاء، فكان فيلم "يوم الواقعة" الذي يتحدث عن ذلك النصراني الذي ترك كل شي وذهب لينصر الإمام الحسين عليه السلام، ولكنه وصل متأخراً، فيتحول إلى راوٍ لقصة التفاني والشهادة.
كما تعرّف اللبنانيون إلى أعمال درامية أخرى خاطبت فئة الأطفال والناشئة، وهي الفئة التي يعوّل عليها في بناء مجتمع قوي وراسخ، فكان هناك "الفارس الشجاع" الذي تحدث عن شخصية أبي الفضل العباس عليه السلام فأصبح بذلك المثل لكل طفل في الشجاعة والبأس عوضاً عن التشبه بأبطال الشخصيّات الكرتونيّة الدمويّة. وبرأيي هذا أحد وجوه التأثير الفعّال لهذه الأعمال وهو أن نحوّل ونجذب انتباه هذا الجيل سريع التأثر إلى الأمور المثلى والجيدة. كما كان هناك فيلم "الجندي الصغير" الذي يتحدث عن الطفل الرضيع عبد الله، وهو أصغر جندي في جيش والده الإمام الحسين عليه السلام، حيث كاد يقسم جيش الأعداء قسمين بين موافق على إعطائه الماء ومعارض، وانتهى كيد الأعداء بذبحه من الوريد إلى الوريد.
كما كانت هناك محاولات أخرى مثل قصص من عاشوراء، وهي مجموعة قصص قصيرة تتحدث عن عدد من أبطال واقعة كربلاء ومدعّمة برسوم توضيحية.
كما سبق وأسلفنا عن أهمية السينما كوسيلة تبليغية وإعلامية فعالة، فإن طبيعة عرضها للمواضيع تظهر حجم خطرها ودرجة تأثيرها.
ومهما سعينا لربط الناس باعتقاداتهم وقيمهم الإسلامية تبقى السينما هي الوسيلة الفعالة والأنجح في ذلك.


*شُعلة لن تنطفئ
إن كل الأعمال التي ذكرناها إيرانية كانت أم عربية تركّز على مفهوم أساسي وهو تكوين ثقافة حسينية نابعة من عقيدة إيمانية راسخة وخالصة، فنحن لن ننتظر مشاهدة مسلسل ما أو فيلم ما لنؤمن بمظلومية الإمام الحسين عليه السلام، لكن بمجرد أن نشاهد هكذا عمل يجسد ركناً أساسياً في عقيدتنا فإنه يكون نوراً على نور، ويجعل الأمور المبهمة واضحة جلية. إن حركة المقاومة انطلقت من كربلاء، وأحد تجلياتها في مجتمعنا هذا كان وسيبقى مقاومة العدو الصهيوني والتكفيري حالياً. ولهذا فعندما نرى عملاً عسكرياً للمقاومة أو نشاهد مسلسلاً كالغالبون فإن ذلك يزيد من تمسكنا بالمقاومة ويجعلنا نتعرّف إليها أكثر. وهكذا الأمر بالنسبة لعاشوراء، فإن كل هذه الأعمال تعمل على ترسيخ وتعزيز تمسّكنا بالثورة الحسينيّة الحقة، وتمهد الظهور لصاحب الزمان الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من خلال هذه الأجيال الصاعدة الفتية، المؤمنة بأن الموت خُطَّ على ابن آدم كمخط القلادة على جيد الفتاة، وبأن الجهاد هو باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، هؤلاء بدأوا من كربلاء واستمروا على مر الزمن وها هم في أيامنا هذه يقولون: "لن تمحو ذكرنا"3، وستبقى كربلاء نابضة وحية في قلوبنا إلى الأبد، فإنها شعلة لا تنطفئ أبداً.


1.يراجع: كلمته في لقائه مختلف شرائح الشعب بمناسبة ذكرى ولادة الإمام الحسين عليه السلام (12/6/2013).
2.كتاب "مرآة الساحر" للشهيد آويني وهو خلاصة فكره حول الإعلام والسينما والأدب والقضايا الإنسانية، ص20.
3.عمل مشهدي من إنتاج الجمعية اللبنانية للفنون - رسالات، يقارب حركة كربلاء مع واقع المقاومة الإسلامية الحالي.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع