نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

أنوارٌ تطوف حولها الأفئدة

تحقيق: كوثر حيدر


تبدو الرّؤية أقرب إلى القلب، عند النّظر من أعلى؛ فتظهر الأنوار أكثر وضوحاً. كلّما اقتربنا من الضّوء، ضاعت النّجوم أو تفرّقت. وحول تلك الأنوار، تطوف أفئدة كثيرة.

على هذه الصورة البديعة، تشعّ قببٌ ذهبيّة لأجساد طاهرة، غادرت هذه الحياة المادّيّة؛ لتبقى أرواحها وآثارها نوراً وصراطاً لأهل الأرض. تتوزّع مراقدها على بقعٍ متفرّقة، فتنبض كراماتها الغيبيّة حياةً على تراب خصب، أضحى مزاراً وعشقاً لملايين المحبّين والموالين.

تدور أحداث هذا التحقيق حول بقاع جغرافيّة مقدّسة في بلدنا الصغير لبنان، تحتضن مراقد ومقامات مشرّفة، تمتدّ جذورها من البقاع إلى الجنوب. مراقد، كانت ولا تزال، ملجأ المجاهدين، الذين لاذوا بها، بسلاح، وعقيدة، ودعاء رُتّل تحت قبّة في الجنوب، وأخرى في البقاع، فكان النصر العسكريّ، والمعنويّ والروحيّ.

•مقام النبيّ محيبيب عليه السلام (1).. راحة واطمئنان
يعيش أهالي قرية محيبيب في جنوب لبنان نفحات بركة هذا الضريح الشّريف يحكي بعضهم قصصاً تعكس أثر هذه المراقد في حياتهم الشخصيّة. تقول بتول، وهي ربّة منزل عشرينيّة تعيش في بلدة "برج قلاويه"، إنّها تأخذ ابنها بشكلٍ شبه يوميّ للصلاة في مقام النّبيّ محيبيب عليه السلام، أو ما يُعرف بـ"بنيامين". وترى بتول أنّه من المهمّ أن يعتاد أبناؤنا على الذهاب إلى مثل هذه الأماكن وممارسة الشّعائر الدّينيّة فيها، تقول: "يعيش الإنسان، في ظلّ هذه الظروف القاسية التي يمرّ فيها بلدنا، العديد من الضّغوط النّفسيّة، فيكون في أمسّ الحاجة إلى جرعةٍ من الهدوء التي يغمره بها أهل السماء. وهذا ما أفعله؛ إذ أتوجّه في هذه الأوقات العصيبة إلى هذا المقام، فأشعر بطمأنينة نفسيّة عجيبة".

•مقام النبيّ "سُجُد" عليه السلام (2).. دعوات الفتح
إنّه مقام النبيّ سُجُد عليه السلام، صاحب البركات الكثيرة. يحكي أحد المجاهدين عن أثر خاصّ للمقام فيقول: "عجيب أمرُ الدعاء عند هذا الضريح، فهو لا يردّ طالب حاجةٍ جاء إليه بكلّ يقين. لم يسبق أن قصدته يوماً وخيّبني! كنتُ أتوسّل إليه كلّما قصدت الجنوب، وتحديداً منطقة (سجد) مستحضراً في نفسي سيّد الشهداء عليه السلام. في الفترة الأولى، كنتُ أقصده للدعاء لنصرة المجاهدين وتسديدهم، لأنشغل بعدها بأموري الحياتيّة، فأرى بعد فترة آثار التوفيق واستجابة الدعاء؛ إن كان من خلال الملاحم البطوليّة التي سطّرها المجاهدون في موقع (سجد)، أو بالتوفيق الذي واجهته في مسألة ارتباطي، وبعض المسائل العائليّة الأخرى. ظننتُ في البداية أنّني أبالغ بعض الشيء في بركة هذا المكان، إلى أن سمعت قصصاً مشابهةً من عددٍ من الإخوان، فأدركت عندها أنّني على صواب".

• مقام النبيّ "ساري" عليه السلام يضيء ليل الجنوب
على مرتفع يخطف الأنظار، بين مدينتي صيدا وصور، وتحديداً في بلدة عدلون العامليّة الجنوبيّة، يقع مقام النبيّ ساري عليه السلام. يقول خادم المقام حسين وهبي: "لقد أحيا المقام بلدة عدلون والمنطقة، وجعل الناس يقصدونه وهم في طريقهم إلى قرى الجنوب ذهاباً وإياباً".

وبالفعل، فإنّ من إحدى المحطّات الأساسيّة الّتي يقف عندها كثيرون ممّن يسكنون بيروت، هي مقام النّبيّ ساري عليه السلام؛ فالمقام لا يخلو من ساجد وعابد، حتّى في ساعات الليل المتأخّرة. فضلاً عن أنّ هدوء الليل، وعطر الأزهار الفوّاح، وعليل النسمات التي تلفّه، كلّها عوامل تُشعر الزائر بالخشوع والاطمئنان والسلام.

• مقام السيّدة خولة عليها السلام : كربلاء البقاع
عند التوجّه بقاعاً، تبدو المسيرة أشبه بالذهاب إلى كربلاء، وتحديداً عند مرقد السيّدة خولة عليها السلام، التي يحظى مقامها الشريف في بعلبكّ، بمكانة عظيمة عند أبناء تلك المنطقة؛ إذ تفيد القرائن والشواهد الحاليّة، أنّ السيّدة خولة عليها السلام كانت في عِداد قافلة سبيِ مَن تبقّى من آل البيت عليهم السلام، والتي سارت بهم من كربلاء إلى مقرّ حكم يزيد في دمشق، سالكةً طريق شمال العراق بمحاذاة نهر الفرات؛ لتدخل سوريا عن طريق "معرّة النعمان"، ومنها إلى حلب وحماة، فحمص، ومن ثمّ إلى مدينة بعلبكّ في لبنان. ونتيجةً لذلك؛ يعيش البقاعيّون "النعيم"، بحسب تعبيرهم، إثر وجود ابنة سيّد الشهداء عليه السلام في منطقتهم. تقول هاجر، ذات الـ19 ربيعاً، إنّها عندما تزور السيّدة خولة عليها السلام، تشعر كأنّها تزور الإمام الحسين عليه السلام. لم تزر هذا المقام، إلّا وشعرت بنفحات الخير. تضيف هاجر: "لا أقوى على هجر هذا الضريح، إنّني آتي إلى زيارة السيّدة خولة عليها السلام كلّما شعرت أنّني أبتعد عنها، فأبكي قرب ضريحها متوسّلةً بأبيها عليه السلام أن تصلح حالي. لا أبالغ إن قلت إنّها ساعدتني في أقسى أيّام حياتي؛ إذ مررت بإرهاقٍ نفسيّ شديد نتيجة ظروف شخصيّة، فصرت أقصدها بشكل يوميّ، وقد ساعدني أنّ منزلي لا يبعد كثيراً عنها. وكلّما رجعت من عندها، أشعر بطاقة كبيرة على الاستمرار. ولذلك، أسأل نفسي دائماً: ما حال الذين يعيشون بعيداً عن هذه المراقد؟ كيف يداوون جروح قلوبهم؟".

لم يقتصر الأمر عند هاجر على المداواة الروحيّة، وتسكين الألم والمواساة، تشرح تجربتها: "كلّما ذهبت إليها، كنت أدعو الله تعالى بأن يوفّقني لـ الهداية، وقد أعجبني مشهد الأخوات اللواتي يرتدين العباءة عندها، فأحببت أن أكون مثلهنّ، وقد حصل ذلك بالفعل، وحجابي الآن أفضل وأكمل، مع العلم أنّ البيئة التي أعيش وسطها ليست ملتزمة كثيراً".

•مقام النبيّ "شيث" عليه السلام: الرزق على أنواعه
ينعم أهالي بلدة "النبي شيث"، الواقعة في قلب سهل البقاع، بمجاورة مقام النبيّ شيث عليه السلام، ابن نبيّ الله آدم عليه السلام؛ صاحب لقب: هبة الله. تقول الروايات، بعد أن قتل قابيل أخاه هابيل، حزن نبيّ الله آدم عليه السلام كثيراً، وناجى ربّه أن يهبه ولداً صالحاً؛ فوهبه الله "شيث" كي تقرّ عينه وينجلي حزنه، وحظي أن تأتي سلاسة البشريّة منه بعد آدم عليه السلام.

يؤكّد أهل بلدة النبيّ شيث أنّ وجود هذا المقام انعكس خيراً ماديّاً وروحيّاً ومعنويّاً وفيراً على هذه المنطقة وعليهم؛ فعلى الصعيد الماديّ، إنّهم يؤمنون أنّ كثيراً من الازدهار والخيرات والبركات التي تنعم بها البلدة، هي من آثار وجود مقام هذا النبيّ المبارك عليه السلام.

أمّا على الصعيد الروحيّ والمعنويّ، فيروي عليّ، أحد جيران المقام: "تربّينا منذ طفولتنا في جوار مقام هذا النبيّ العظيم عليه السلام، فكانت أصوات الداعين والمتوسّلين، في المناسبات المختلفة، تصل إلى منازلنا، فنشعر بالأمن والطمأنينة، وكأنّنا نشاركهم دعواتهم وتوسّلاتهم. 

مذ كنّا صغاراً، كنّا نعلم أنّ لدخولنا إلى مقامه آداباً؛ فتعلّمنا باكّراً قراءة القرآن، فضلاً عن التوسّل إلى الله بكرامته في كلّ حوائجنا، وتعلّمنا أيضاً الأدب في محضر الأولياء، وكيف ننشئ علاقة قويّة بالله أوّلاً وآخراً".

إنّ مثل هذه المقامات، تعمل على تربية الإنسان وتغيير سلوكه نحو الأفضل؛ وعن ذلك، يستذكر عليّ قصّة حصلت معه أيّام الطفولة، فيقول: "في يومٍ من الأيّام، كنت وإخوتي وصديق لي نلعب كرة القدم في باحةٍ في جوار المقام، وهذا الصديق كان لا يواظب على أداء الصلاة. وعند رفع الأذان، تركت وإخوتي اللعب حتّى نصلّي أوّل الوقت، وإذ بصديقي يغضب، ويقرّر عدم اللعب معنا مرّة أخرى! فقلت له: (كيف يعقل أن لا نلبّي نداء الصلاة من مقام نبيّ يسكن في جوارنا، وقد ربّانا هو على الصلاة؟!). عندها، قرّر مرافقتنا إلى المقام، فاكتشف أنّ الأطفال أيضاً يحقّ لهم الدخول إليه، بعدما كان يعتقد أنّ هذا الأمر يقتصر على كبار السنّ فقط؛ فشعر بطمأنينة لم يشعر بها سابقاً، وراح يصلّي معنا. وصار منذ ذلك الوقت يواظب على الصلاة، ويرافقنا أحياناً لتنظيف المقام".

كما يتحدّث أهالي البلدة عن بركة وجود هذا المقام بينهم، فيتوافد إليه الزائرون في حاجات مختلفة، منها قصّة شخص كان يعاني من مشاكل عقمٍ، الأمر الذي دفعه إلى زيارة هذا المقام مراراً وتكراراً توسّلاً بصاحبه، وسائلاً المولى عزّ وجلّ أن يرزقه ذريّةً صالحة. وعلى الرغم من أنّ التشخيص العلميّ كان يقضي باستحالة تحقّق الأمر، إلّا أنّ إرادة الله وقدرته فوق كلّ شيء، مضافاً إلى ألطاف الدّعاء والزيارة تحت قبّة هذا المقام وبركاتهما؛ فرُزق هذا الحاجّ بفتاتين اثنتين، أصبحتا اليوم من الأمّهات!

•نعمة إلهيّة
في الختام، إنّها لنعمة إلهيّة كبيرة أن تحيط بنا هذه المقامات الشريفة، والتي تستقطب إلى رحابها أهل القرى والمدن، فتحفّهم بلطفها السماويّ، وتغمرهم ببركاتها الغيبيّة.


1. أخذت بلدة محيبيب اسمها من اسم صاحب المقام الواقع فيها، وهو النبيّ محيبيب عليه السلام الذي يعني اسمه: العاشق والمحبّ والمعانق. و(محيبيب) تصغير لـ(محبوب).
2. هذا المقام كان موقعاً للعدوّ الصهيونيّ بين العام 1985م و2000م، وقد تمّ اقتحامه في عمليّة نوعيّة عام 1997م، ألحق خلالها مجاهدو المقاومة الإسلاميّة الهزيمة في صفوف العدوّ، وقد زرعوا راية حزب الله في أعلى قمّة الموقع.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

حارة حريك

سارة بدران

2022-09-06 21:35:56

مقال رائع و مفيد جداً بارك اللّٰه بكم✨