منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

الآداب المعنوية للصلاة: في حقيقة النية


السيد عباس نور الدين‏


عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات"، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لكل امرئ‏ ما نوى".
من الواضح عند أهل الإسلام أن قيمة الإنسان ومنزلته الحقيقية إ نما تتحقق من خلال سعيه وعمله في الحياة الدنيا. ولكن العمل له حقيقة غير ما يظهر لنا في هذا العالم وهي النية. وإذا كان التقويم للإنسان بالنسبة لنا على أساس العمل، فإنه عند الله تعالى على أساس النية، وفي الحقيقة يعد العمل ظهوراً للنفس التي هي حقيقة الإنسان.

إن حقيقة الحساب يوم القيامة هي ظهور الأنفس والسرائر (البواطن). وحيث أن الأعمال قد تتشابه في الظاهر، فإن النوايا تحسم الأمور. وإذا كان الإنسان حريصاً على مصيره. وكفى بكلمة المصير عبرة للعاقل. فإن عليه الاهتمام الشديد بالحقيقة وعدم الاكتفاء بالظاهر. وكثيراً ما يعمى الأمر على الإنسان فيحسب أنه من الناجين بالنظر إلى الظاهر، حتى إذا جاء يوم ظهور الحقائق، يوم تبلى السرائر، اكتشف أنه كان من الأخسرين أعمالاً.

ويمكن القول إن عمدة السفر المعنوي إلى الله يمكن التعبير عنه بكلمتين: التقوى الإخلاص، حيث يجب على السالك في المقام الأول مراقبة أعماله لتكون موافقة للشريعة الإلهية الحقة، وفي المقام الثاني عليه أن يخلص ف نيته لينال القبول من الله عز وجل. "لا أقبل إلا ما كان لي خالصاً".
وإذا كان الإنسان قادراً على خداع الناس بجعل عمله موافقاً للشريعة وادعاء الإيمان، فإنه لا يقدر بتاتاً على خداع ربه بما يبطنه في نيته. وجوهر الإنسانية يكون في النفس التي هي الهوية الحقيقية للبشر، ولها الكمال المطلوب، كما أنها هي التي تقع مورد العذاب في الواقع: "نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة".

وهكذا يتخذ البحث حول النية في السير والسلوك موقعاً أساسياً. وعلى كل سالك إلى الله أن يعتني به أشد الاعتناء. مع ملاحظة أن هذا الأمر من مختصات كل فرد مع نفسه وذاته، ولا ينبغي الخوض فيه فيما يتعلق بالآخرين، لأنه غير ممكن وبعيد المنال. وأن ما ينبغي استخدامه كوسيلة للتعرف إلى الغير وتقويمه هو عمله في مقام الظاهر. والمعيار فيه هو الشريعة الكاملة. فبحث النية مفيد في مجال مراقبة النفس وتهذيبها، كطريق لإيصالها إلى كمالها النهائي.

إن قيمة كل إنسان في إيمانه بالله سبحانه. هذا الإيمان الذي يقوم على أساس التوحيد. أو لنقل إن الإيمان هو التوحيد. وعليه يكون الإنسان عظيماً بمقدار ما يكون موحداً ومؤمناً بوحدانية الرب عز ولج. وعندما يكون كذلك فإن نواياه التي تصدر عنها الأعمال تكون خالصة لله، فالنية هي المعبر عما في الباطن (الذي هو ساحة الإيمان والاعتقاد).

وعندما تنزل النية إلى العمل فقد تختلط بالصور الكثيرة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الرجلين من أمتي ليقومان في صلاتيهما، وركوعهما وسجودهما واحد والفرق ما بين صلاتيهما كالفرق ما بين السماء والأرض".
ولا شك في أن من صلحت نيته يتبع إيمانه ستصدر الأعمال الصالحة منه لأنه سيسعى لإرضاء ربّه ويرى العمل وسيلته إليه في الدنيا. ولكن من الممكن لمن خبثت نيته بفساد باطنه أن يؤدي بعض الأعمال الصالحة لإرضاء نفسه.
ولهذا، ينبغي لكل واحد منا أن يجعل نظره بشكل دائم إلى هذه المنطقة البرزخية التي إذا صلحت صلح الأصل ونضمن صلاح الظاهر أيضاً. وإذا فهمنا المقصود من الكلام نعلم لماذا يختصر السير والسلوك بالإخلاص.

والآن جاء دور البحث في حقيقة النية وعملها وآثارها وإصلاحها على ضوء كلمات إمامنا الراحل الخميني المقدس (حشرنا الله معه). وهنا يطرح الإمام في البداية ماهية النية، وبعدها يشير إلى إحدى مكائد إبليس اللعين في التصرف في نوايا البشر والسيطرة عليهم. فيقول أولاً:
"إعلم أن النية عبارة عن التصميم والعزم على إتيان شي‏ء وإجماع النفس على إتيانه بعد تصوره والتصديق بفائدته والحكم بلزوم إتيانه، وهو حالة نفسانية ووجدانية تكون بعد هذه الأمور. ونعبر عنها بالهمة والعزم والإرادة والقصد. وهي موجودة في جميع الأمور الاختيارية. ولا يمكن تخلف فعل إرادي عنها، وهذا الأمر موجود في العمل بأسره، من أوله إلى آخره حقيقة دون شائبة مجاز...".

إن صدور أي عمل من أي إنسان بالاختيار إنما يحصل بعد عبوره المراحل التالية:
أولاً: تصور العمل في الذهن (كأن يتصور دذهابه إلى المسجد).
ثانياً: تحليله على أساس الفائدة وعدمها فيصدق بفائدته لنفسه.
ثالثاً: يصدر الحكم بضرورة أو لزوم إتيانه.
رابعاً: يعزم ويهمّ به.
خامساً: يأتي به (وهنا صدور العمل من خلال الأعضاء والجوارح).

والمرحلة الرابعة هي التي يعبر عنها بالنية. فلا عمل دون نية، إلا إذا كان قهرياً. كأن تمسك بيد شخص ونحركها للكتابة بما نشاء، فالأفعال الاختيارية يستحيل أن تصدر عن صاحبها بدون نية.
وربما يؤدي الإنسان عملاً ما دون أن يكون ملتفتاً إلى مقدماته نتيجة العادة والتكرار، بحيث لا يحتاج إلى استحضار صورته في الذهن قبل إتيانه. ولكن محال أن يصدر العمل بدون نية يقول الإمام: "... ولا يلزم أن تكون (النية) حاصلة في الذهن أثناء العمل أو في بدايته تفصيلاً بحيث يتصور الفاعل هذا القصد والتصميم فعلاً، بل ربما يحصل أن يأتي الإنسان بالعمل بذلك التصميم والعزم وهو ذاهل وغافل تماماً عن الصورة التفصيلية للعمل والتصميم. ولكن تلك الحقيقة موجودة".
ويوجد العمل في الخارج بفضل تحريكها كما هو واضح وجداناً في الأعمال الاختيارية.

وإذا جئنا إلى الأعمال العبادية الواردة في الشريعة، والتي كلّف الإنسان بأدائها. نجد أن النية شرط فيها، كما أن صحة النية بمعنى الإخلاص المعبر عنه بقصد القربى شرط آخر أيضاً.
أما الشرط الأول فهو أمر سهل وواضح للغاية، وقد لا يتحقق في حالات نادرة جداً، كأن يقوم المرء بالعمل العبادي وهو ذاهل كلياً لسبب نفسي أو مرضي. فإذا سألته ماذا تفعل احتاج إلى التأمل والنظر إلى نفسه، فيقال حينها إنه عمل بلا نية.
ولكن عمدة الحديث في الشرط الثاني وهو المتعلّق بالقصد من وراء العمل العبادي. فإذا كان العابد يريد من عبادته لربه غير القربى منه فقد أشرك وحبط عمله، وعليه أن يخلص نيته لله تعالى.
ورغم بداهة وسهولة تحقيق الشرط الأول، نجد بعض المتدينين يقعون في مكيدة نصبها لهم إبليس، لأجل منعهم عن تحقيقه بحجة عدم تحققه. وهم الذين يقال لهم الوسواسيون.

يقول الإمام:
"إن الشيطان حبائل ومكائد كثيرة، فهو يلزم البعض بترك أصل العمل، والبعض الآخر إذا يئس من إيصالهم إلى ترك العمل، يلزمهم بلا رياء والعجب وسائر المفسدات، وإذا لم يوفق لهذا الأمر يبطل عملهم من خلال التظاهر بالقداسة حيث يوهن عبادات جميع الناس بنظرهم ويظهر الناس عندهم بمظهر اللامبالاة، ثم يلزمهم أن يصرفوا كل عمرهم في النية التي هي أمر ملازم للعمل...".
مثل هؤلاء الذين سيطر الشيطان على عقولهم، يتصورون أن تحصيل النية يحتاج إلى وقت وتأمل ودقة. عملاً بأنها - كما بيّنا - من أسهل الأمور، بل هي حتمية في الفعل الاختياري.
وعندما تسيطر عليهم هذه الحالة فإنهم يقضون وقتاً طويلاً في أداء أعمال عادية ويكررون الصلاة - مثلاً - عشرات المرات، وذلك يؤدي إلى نفور النفس من العبادة، بل وكراهة العبادة التي كانت طريق الكرامة والسعادة.

يقول الإمام:

"إن للوسواس شؤوناً كثيرة وطرقاً عديدة لا نستطيع أن نبحث الآن فيها جميعاً، ولكن الوسوسة في النية لعلها أكثر أضحوكة وأعجبها من بين أنواع الوساوس، لأنه إذا أراد أحد أن يقوم بكل قواه وفي جميع عمره أن يأتي بأمر واحد اختياري بدون نية لا يمكن له ذلك...".
إن منشأ هذا المرض هو ضعف العقل الممتزج بعدم التفقه في الدين، وهذا ما يمكن إبليس اللعين من السيطرة على هذا المريض والعبث به حتى يجعل جميع عباداته فاقدة للصورة الصحيحة. كما يقول الإمام:
"فمن الممكن أن تكون عبادات هذا الإنسان طوال أربعين سنة غير صحيحة حتى بحسب الصور، وتكون فاقدة لأجزائها الصورية الفقهية فضلاً عن الآداب الباطنية والشرعية.. فمثلاً في باب الضوء، فإن الأخبار المبينة لوضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متواترة على الظاهر بأنه يصب غرفة من الماء على وجهه وغرفة إلى يمينه وأخرى إلى شماله، وقد قام إجماع فقهاء الإمامية على التحقيق بأن هذا الموضوع صحيح وظاهر كتاب الله أيضاً هو كذلك، وفي الغسل الثاني ب الغرفة الثانية استشكل البعض ولكن الغرفة الثانية بل الغسل الثاني أيضاً لا بأس به وإن كان في استحبابه كلام، للوضوء بلا إشكال.. فالآن انظر إلى عمل الوسواسي المسكين فهو لا يكتفي بعشرين غرفة تسبغ كل غرفة منها تمام اليد وتحسب غسلة تامة فوضوؤه باطل بلا إشكال..." (الآداب: 291).

ونحن قد ذكرنا هذا الكلام الشريف للإمام الخميني على طوله حتى يعلم الوسواسي أنه نتيجة سيطرة الشيطان على وأهميته يؤدي به إلى الخسران المبين. بالإضافة إلى أمراض أخرى تأتي نتيجة هذا الضياع، كأن يرى نفسه أفضل وأتقى من الآخرين - بل يرى عبادته باطلة - لأنه يعمل بمقتضى الاحتياط!
فانظروا كم هي الآثار السيئة لمثل هذا الانحراف الناشي‏ء من عدم معرفة حقيقة النية التي هي شرط لأكثر العبادات.

أما العلاج فيقول الإمام:
"... وليس لهذه المعصية والداء العضال علاج سوى التفكر في الأمور التي ذكرناها ومقارنة العمل بعمل المتدينين والعلماء والفقهاء (رضوان الله عليهم). فإن رأى نفسه مخالفاً لهم، يرغم أنف الشيطان ولا يعتني بهذا اللعين، فإن وسوس له الشيطان في وساوسه بأن عملك باطل يجيبه؛ إذا كان عمل جميع فقهاء الأمة باطلاً فلكن عملي كذلك. فمن المرجو أنه إذا خالف الشيطان مرة واستعاذ أثناء ذلك بالحق تعالى عاجزاً محتاجاً من شر الشيطان، أن يزول هذا المرض وتنقطع عين طمع الشيطان عنه...
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: "إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنه يوشك أن يدعك، إنما هو من الشيطان".

وأيضاً:
"لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه. فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرن نقض الصلاة فإنه إذا فعل ذلك مرَّات لم يعد إليه لاشك.. ثم قال عليه السلام: إنما يريد الخبيث أن يطاع، وفإذا عصي لم يعد إلى أحدكم".

وخلاصة الكلام حول النية هي، أن النية شرط في العبادات، كما أن صحتها بمعنى خلوصها من المقاصد السيئة وشوائبها شرط آخر، وإتيان النية أمر في غاية اليسر في كل عمل اختياري، ويكفي أن يحصل فيها توجه أولي. ولكن الذي يحدث للبعض أنهم يقعون في هذا المجال تحت سيطرة إبليس اللعين الذي يوسوس لهم بأنهم لم يأتوا بالنية. ويؤدي ذلك إلى تكرار العمل مرات كثيرة إلى أن يصابوا بأمراض نفسانية خطيرة جداً، بالإضافة إلى بطلان أعمالهم في معظم الحالات. لهذا عليهم أن يخالفوا الشيطان ولا يعتنوا بوسوسته، مع التفقه الصحيح في الدين ومعرفة الأحكام وموقعها في الحياة.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع