مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

اخـرج مــــن خلــــف الهــــاتف، ثـــم تكلّم


حسين عمّار


كان الأمر مكلفاً وصعباً فيما مضى. كنتَ إذا نويتَ التفوّه بأمرٍ جدليّ، من صنف الأشياء التي لا تعجب الجميع، عليك أن تقوله في وجه الناس مباشرةً. ولا فرق هنا إن كنتَ تعتلي منبراً أو تمشي في الأسواق، فالناس في كلا الحالتين قادرون على الوصول إليك، والتعبير عن احتجاجهم أو اعتراضهم على كلامك بطرقهم الخاصّة، والتي قد تكون عنيفةً في بعض الأحيان.

أمّا اليوم، فأنت تختبئ غالباً خلف هاتفك، وقد تختبئ خلف هويّةٍ مزيّفةٍ أيضاً. ومتى أطفأتَ ذلك الهاتف الذكيّ، فقد أغلقتَ باب الاحتجاج على نفسك، وتركتَ العالم ينوء بثقل كلماتك بعيداً عن رأسك. 


•هل فكّرتَ في العواقب؟
الأمر سهلٌ إلى هذه الدرجة، ولعلّ سهولته تلك هي ما يدفعك لترك التفكير في العواقب. يمكن الحديث عن الآثار الناجمة عن الغباء، لكنّها آثارٌ غير مباشرة، لن تمسّ الفرد إلا بتراكم الهفوات و"التخبيص". معذرة، ما أقصده هنا بـ"الغباء" ليس سوى شرح وظيفيّ للكلام الذي يصدر دون تدبّر، وقد يكون هذا التعبير هو ألطف ما يمكن أن نصف به سلوكاً يُؤْثِر راحة الفرد على صلاح الأمّة. 

حين يكون الدافع الأساس، والوحيد أحياناً، خلف التكلّم أو الكتابة على مواقع التواصل هو "فشّ خلق"، وإن ألبسناه لبوساً ثوريّاً أو قيميّاً، يصبح التأثير الإيجابيّ جائزة ترضيةٍ، ليس لها قيمةٌ أمام حجم الانفعال والجنون اللّذين يسيطران.

•تبرير الخطأ
كثيرةٌ هي الخطوط الحمر التي يضعها أولو الأمر، أو تلك التي تفرض نفسها بعد ما يسبّبه تجاوزها من كوارث. لكنّها لا تقنع الجميع، إذ إنّ بعضنا أكبر من أن يلجمه حدٌّ أو سقفٌ أخلاقيّ. نرى هؤلاء قد امتلكوا فجأةً مهارة التأويل: "لا، لم يكن القائد يقصد كذا، والفتوى الفلانيّة هي من باب المداراة أمام العامّة"، أو أنّ "سماحة السيّد مثلاً كان مضطرّاً لقول هذا الأمر أو ذاك بحكم دوره وموقعيّته، أمّا نحن فلا تكليف كهذا علينا"! هذا نفسه اعترافٌ ضمنيٌّ من صاحبه أنّه لا يمتلك النضج اللازم، وأنّ على الناضجين سواه أن يحملوا عنه ثقل مراهقته. هذه إحدى خصائص البشر في لحظة الانصياع للهوى، بلاءٌ قلّما نجا منه أحدٌ سوى الأولياء، وأعني به: القدرة على تبرير الخطأ. من منّا لم يفعلها عشرات المرّات في حياته؟

•"فشّة الخلق" فرصة للعدوّ
إنّ كلّ ما ذُكر إلى الآن يعالج الموضوع هنا، على هذه الجهة من الخندق، لكن هناك، على الطرف الآخر، أو على التلّ بعيداً حتّى، يوجد من قد أدرك ثغراتنا ونقاطنا الحسّاسة، يعرفها ويعرف كيف ينكشف في رمادها، وفي لحظةٍ غير واعية، ندخل جدالاً لم نخلقه ولا نريده، لا بل صرفنا عمرنا نتحاشاه. في هذه اللّحظة بالذات، تلعن الغيرة والحميّة التي تخرج من لجامها. هنا، في هذه اللّحظة بالذات، تكون الشجاعة بالصمت، كشجاعة عليٍّ عليه السلام بعد الوصيّة، لا ينطق إلا قليلاً، ويظهر الحقّ كأنّه جرّاحٌ ينزع رصاصةً من الشريان الأبهر.

•الحكمة أم السكوت؟
ثمّة من يخلط بين الدعوة إلى الحكمة، والسكوت عن الحقّ. لا، ثمّة فرقٌ شاسع بينهما، لكنّه بالكاد يُرى، كالمسافة بين بيروت وكاليفورنيا وأنت تنظر إليهما من عطارد! تعالَوا معي إلى الأرض، إنّ صمت الحكيم ليس صمت العاجز، بل هو صبرٌ لاختيار اللّحظة والميدان، هو صمت من لا يُساق بانفعالاته لردّ الفعل، بل يحمل الكون داخل صدره ثمّ يختار متى وكيف وأين يتكلّم. مضافاً إلى الجانب الأخلاقيّ والدينيّ، تقنيّاً، إن أردت التأثير، عليك امتلاك الفعل، لا ردّ الفعل. ومن هذا الفعل:

1- الحكمة: بعض القضايا يصلح للتناول من زاويةٍ محدّدة، كقضيّة العلاقة بين أمير المؤمنين عليه السلام وبعض الصحابة مثلاً، بحيث إنّ تناولها يجب أن يكون من زاوية مظلوميّة الإمام عليّ عليه السلام. إنّها قضيّة متعلّقة بحقّ المعصوم بالولاية. وعليه، فإنّ طرح هذه المسألة من زاويةٍ أخرى قد يكون تضليلاً وتمييعاً لما هو أهمّ وأولى، وهي لا شكّ نقطةٌ حسّاسةٌ في العلاقة بين المسلمين، لكنّ الخوض والانسياق في تضخيم الموضوع، إذا ما طُرح بشكلٍ خاطئٍ أو ناقص هو الفتنة بعينها. لاحظ أنّني هنا لم أدعُكَ لتصمت، بل دعوتك لاختيار زاوية طرح الموضوع، إن عزمت على طرحه.

2- السكوت: هذا مثالٌ يمكن القياس عليه، وفي مواضيع أخرى يُرَجّح السكوت تماماً، ليس حرجاً، إنّما لتفادي تعظيم ما ليس له قيمة. وهذه بالمناسبة إحدى أعظم مشاكل وسائل التواصل الاجتماعيّ. كيف نحدّد ونشخّص كلّ هذه الأمور؟ لا أعتقد أنّ ثمّة "كاتالوغاً" واحداً ومحدّداً، إنّما الأساس هو امتلاك الهمّ والحرص على فعل ما هو صائب، مع بعض البديهيّات، كقراءة خطابات القادة والعلماء وتحليلها ومحاولة ردم الهوّة بيننا وبينهم، وهذا وحده هدفٌ يستطيع أن يملأ برنامجك المعرفيّ.

•ضرورة البصيرة
قيل الكثير عن البصيرة، وقد استفاض الإمام القائد دام ظله في الحديث عنها. وممّا استوعبته من ذلك الرجل العظيم، أنّ البصيرة بأحد أركانها الأساسيّة، أي فهم الزمان والمكان، تعني إدراك ما تحتاجه الأمّة، كلّ الأمة الإسلاميّة، في اللّحظة الراهنة، لا استجرار معارك وجدالاتٍ كانت لربّما سليمةً في يومٍ من الأيّام، لكنّها صارت باطلةً الآن.

•تجربة نافعة
لاحظتُ مؤخّراً أنّني أصرف وقتاً على الحديث أكثر ممّا أصرف على التعلّم، كما لاحظتُ أنّ احتمال الخطأ فيما أقول صار مرتفعاً؛ بحكم تغيّر طبيعة التحدّيات والمواضيع المتداولة، كالاقتصاد مثلاً، وأنا لم أكن لأفرّق بين المدين والدائن، فقمتُ بتجميد حساباتي على مواقع التواصل لفترة، ووضعتُ برنامجاً معرفيّاً له وقتٌ محدّد، وقد انتهيت منه الشهر الفائت، وعدت لنشاطي "المجازيّ" بهدوءٍ أكثر، ومعرفةٍ أكثر ملاءمةً للزمان والمكان، والعدوّ. أنقل لكم تجربتي لعلّها تضيء أمامكم فكرةً أخرى مناسبةً لكم، وألتمس من ذلك أجراً في الآخرة. فامتلاك المعرفة المناسبة تقلّل فرص انزلاقك مع شرارة هنا أو هناك أوقدها خبير فتن؛ ليسحب فتيلها حاضر ومستقبل كثيرين.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع