منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

ثورة الإمام الحسين عليه السلام: أسباب ونتائج‏



فضيلة الشيخ محمد يزبك‏


للوقوف على الحدث الذي هزّ الوجدان البشري بحيث لم ترَ الإنسانية عبر تاريخها الطويل مثيلاً مشابهاً له في جميع أبعاده وجوانبه، ينبغي معرفة القائد الإمام الحسين عليه السلام والركب الذي صحبه.

الإمام الحسين هو سبط الرسول وابن ابنته السيدة فاطمة الزهراء وابن علي أمير المؤمنين عليهم أفضل الصلاة والسلام. وقد أجمع المفسرون على أن أهل الكساء الذين نزل بحقهم قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهرهم تطهيرا). هم: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وأن الإمام الحسين مع أخيه الإمام الحسن هما المقصودان بالأبناء في قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين). هذا فضلاً عن الروايات التي تواترت في بيان فضل الإمام الحسين عليه السلام والتي نقلها المسلمون جميعاً، ومنها قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"، وقوله: "اللهم إني أحبهما فأحب من أحبهما" وقوله: "الحسين سفينة النجاة ومصباح الهدى"، إلى عشرات الأحاديث

غيرها بالإضافة إلى إجماع المسلمين على احترامه وتقديره ومحبته مع أهل بيت الرسول (عليهم السلام) وفاءً بالحق الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . وأي قربى أقرب من أصحاب الكساء.

لم يكن ممكناً لهذه الشخصية أن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يجري من تغيير معالم الإسلام والجمود والقهر والكبت ومصادرة الحريات وقلب الحقائق والحجر على العقول والقلوب لتصبح كالأنعام بل أضل سبيلاً، وبعدما غرقت امة في بحر من الذل والهوان وغدت تائهة في ظلمات واقع الخضوع والاستسلام المفروض وكأٌّه قدر بحيث لم يعد الإسلام الذي أحياها بامس قادراً على أن يقودها وينقذها بعدما طالته يد التحريف وسيف البغي وغدت مشيئة الحاكم من مشيئة الله التي ينبغي للأمة معها الطاعة والتسليم فهي مسؤولة عما تفعل ولا مسؤولية للحاكم، وهل من خطر أكبر على شرع الله تعالى ودينه وما قيمة الإنسان من دون حرية وإرادة واختيار. هذا هو الذي جعل الإمام الحسين عليه السلام يقوم بواجبه الموافق لقول الإمام علي عليه السلام: "وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا شغب مظلوم". ولقول جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من قبل: "إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله". وقد ردد الإمام الحسين عليه السلام قائلاً:

إن كان دين محمد لم يستقم‏

إلا بقتلي يا سيوف خذيني‏


هذه هي الشخصية التي هي امتداد لشخصية الرسول الأكرم(ص( الذي علق الآمال الكبيرة عليها بقوله: "حسين مني وأنا من حسين"، فالإمام الحسين من جده المصطفى لأنه ابن ابنته، والرسول الجد من حفيده لأن الإمام الحسين سرّ استمرارية الدعوة والرسالة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا كان الإسلام محمدي الوجود والنهضة التي قام بها الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة الظلم والباطل والانحراف لحفظ الإسلام المحمدي الأصيل من كل شبهة وتأويل وتحريف.

* أسباب الثورة:
التحوّلات التي حدثت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتناقضات والانتهازيات التي شهدها المجتمع الإسلامي أدّت إلى ذلك الخلل الكبير الذي حاول أمير المؤمنين عليه السلام أن يصلحه معيداً الحق إلى نصابه بعد قيام الحجة وحضور الحاضر والبيعة الشاملة. وقد بيّن أنه سيحملهم على المحجة البيضاء التي نبههم بأنهم إذا لم يكن باستطاعتهم تحملها فليختاروا غيره على أن يكون هو لهم ناصحاً، فأبى القوم إلا البيعة التي رضيها عليه السلام وفق ما شرطه، ولكنهم سرعان ما نقضوا المواثيق وحليت الدنيا في عيونهم وطمع الكثيرون بالمواقع، فلما لم يستجب الإمام علي عليه السلام لرغباتهم وقفوا في وجهه دون أن نسمع أصواتاً تعلو وترفض أمثال هذا التمرد والخروج عن الطاعة الذي لا مبرر له إلا الرغبة في استغلال الإسلام لمصالح ومآرب خاصة.

خاض أمير المؤمنين صراعاً مريراً ليقوم ذلك الاعوجاج في مواجهة الناكثين الذي استغلوا فرصة تقاطع المصالح والتضرّر من علي عليه السلام لأنه لا ينفذ لهم ما يريدون وأوهموا البسطاء من الناس وحملوهم على ما يرغبون تعصباً لأم المؤمنين وبعض الصحابة، ولما نبحت كلاب حوئب تحرّك الضمير وتحركت المشاعر، وسألت زوجة الرسول عن اسم المكان قيل: الحوئب، قالت: ردّوني لا أستمر معكم ينفرط العقد ويتفتت الشمل.
أم المؤمنين تريد العودة بعدما تذكرت حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الواقعة يبيّن الحقيقة والمظلومية علي عليه السلام، لكن أهل الضلال أحضروا أربعين شاهداً أقسموا أن المنطقة ليست الحوئب وأن المجيب الأول اشتبه حيث أقنعوها بذلك وعاد كل شي‏ء إلى ما كان عليه. ويتكرر المشهد بصورة أخرى عندما تحدث الإمام عليه السلام مع الزبير مذكراً إياه بقصة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تراجع الزبير وعاد إلى القوم يذكرهم بما حدث بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشأن علي عليه السلام، ولكنهم صاحوا بوجهه: جبُنت لما رأيت سيوف بني عبد المطلب، فهاجه ذلك وعاد إلى الميدان حيث أدرك الإمام عليه السلام أن القوم لم يتعظوا وأن العصبية هي التي دفعت الزبير.

انتهت حرب الجمل بآثار غير عادية على نفسية المجتمع الإسلامي بالرغم مما بذله الإمام عليه السلام. ونصحوه بترك معاوية حتى يستتب أمره وبعدها يعزله فقال عليه السلام: "ما كنت أطلب النصر بالجور". فجاء دور القميص الذي حُمل ملطخاً بالدم إشارة إلى قميص عثمان ودمائه، ومن أحق من معاوية بطلب الثأر لأنه من بني أمية!!.

اجتمع الناس إليه وأوهمهم أن علياً هو القاتل أو حامي القتلة وأن عليه أن يسلّم قتلة عثمان وتناسوا أن ولي الدن هو أبناء عثمان وإلا فخليفة المسلمين الذي بايعه المسلمون باختيارهم وإرادتهم وهذه المسألة لا تعني بني أمية بعدما قضى الإسلام على كل العصبيات. كان القميص حجة لرفض الأمر والتمرد على الخليفة فكانت "صفين" وما حملته من آلام ومآسي بتحكيم الأمر الواقع عندما لم يطع الإمام وبعد أن أثقلت الحرب الناس وخدعوا بالمصاحف والحيل.

وأفرزت "صفين" خوارج مرقوا من الدين كالسهم وتمزّق الإسلام إلى جماعات جماعات واستشهد الإمام علي عليه السلام وانتقلت المآسي إلى ولده الإمام الحسن الذي حاول أن يظهر نفسية معاوية على حقيقتها وأن الصراع لم يكن صراعاً قبلياً (هاشم وأمية) من خلال الدخول بصلح يحقن الدماء مع إدراكه عليه السلام أن الأمر ليس كما يدّعيه معاوية ولكن لا رأي لمن لا يطاع. وقد ندم الناس بعد ذلك وأدركوا أن سيف الانتقام سيلاحقهم كحال جميع من يُشكّل في المستقبل خطراً على الملك الأموي الوراثي.

استشهد الإمام الحسن واتجهت الأنظار إلى الإمام الحسين الفقيه في المشروع الأموي والذي كان التأكيد والتركيز من معاوية في وصيته لولده عليه. ولقد تجرّع الناس خصوصاً في العراق الغصص تلو الغصص والآهات والمحن، وما أن مات معاوية حتى أحسّ الناس ببصيص أمل وانفراج. ولما كانت البيعة لولده يزيد كتبوا إلى الإمام الحسين يستصرخونه ويستنصرونه، مئات الرسائل وعشرات الوفود التي تحوّل معها بيته إلى محجّة فلم يكن أمامه إلا أن يستجيب ويرفض ولاية يزيد غير المؤهل حيث قال بصراحة تامّة: (إنّا أهل بيت النبوّة بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد شارب الخمور وراكب الفجور وقاتل النفس المحترمة مثلي لا يبايع مثله).

وكفى بكل هذا التاريخ المظلم الأسود المملوء بالمآسي والجرائم والقتل والإعدامات وكبت الحريات وتحريف الدين وإطلاق يد الحاكم ليمارس سلطة الله تعالى على الأرض، لا يُسأل عمّا يفعل وهم يسألون، أن يتحرك لأجله الإمام الحسين عليه السلام بثورة في وجه هذا الانحراف بعدما تأكد عدم جدوى النصائح والمواعظ والكلمات والشعارات وأنه لا بد من تضحية ومن دم شريف يراق ليحدث الانقلاب والتغيير، خصوصاً وقد سمع من جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى وهو يقول لأم سلمة بعد أ أعطاها تربة في قارورة: (إذا أصبح هذا التراب دماٍ أحمر فاعلمي أن ابني الحسين قد مات". لفت انتباهه هذا الحديث وتذكره وعلم أنه مقاتلو في كربلاء حيث يحدُّث الرواة أنه لما وصل إلى كربلاء سأل عنها القوم، قالوا: إنها أرض كربلاء. قال عليه السلام هذا كرب وبلاء.

مسلم بن عقيل رسول الإمام الحسين عليه السلام:
الأحداث أخذت تتسارع والنداءات تتواصل أن أقدم إلينا يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد علم عليه السلام أنه لا يمكنه البقاء في المدينة لأنه مع رفض البيعة ليزيد لن يُترك فقرّر التوجه إلى العراق حيث تتوافر عناصر الثورة بالإضافة إلى علمه المسبق أنه مقتول في كربلاء.

إذاً لا بد من التواصل مع العراق دون الاكتفاء بالرسائل والمبعوثين لأن ذلك غير كاف ولا مطمئن، ولذلك اختار عليه السلام الشخصية القيادة التي توسّم بها الخير والقدرة على قيادة الكوفة فاختار مسلم بن عقيل عليه السلام لهذه المهمة الصعبة التي لا يقوى عليها غيره. ولما تحدّث معه بهذا الشأن أجابه سمعاً وطاعة، فأوصاه بوصاياه وبعث معه إلى أهل الكوفة رسالة يبين فيها فضله وقدرته: "لقد بعثت إليكم أخي مسلم بن عقيل قوله قولي ليرعى أمركم ويهي‏ء الساحة حتى أقدم عليكم إن شاء الله تعالى".

وجاء مسلم يحمل روح الإمام الحسين واستطاع بأدبه وحكمته أن يستوعب الساحة وأن يجمع الشمل، ولكنها الكوفة التي عاشت تناقضات الانتماءات وقد عمل فيها الحاكم ما يريد وشتتها فرقاً وأحزاباً وعشائر ليسهل عليه الانقضاض عليها، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر. ولذلك بعد كل مظاهر التحوّل وبعد الكتاب الذي وجهه مسلم إلى الإمام الحسين يتحدث فيه عن واقع الأمر وأن الناس بالانتظار، إذ به يُفاجأ بتركه وحيداً ليواجه عتاة القوم عبر الانقلاب الذي حصل بين عشية وضحاها، وإذ به لا يجد من يدله على الطريق ليخرج من أزقة الكوفة.
هذه السرعة في التحول أعطت للأسباب التي دفعت الإمام الحسين عليه السلام إلى الثورة بعداً آخر لتشجيع الناس على اتخاذ المواقف الصعبة ومواجهة الظلم والباطل والقهر بالقوة والدم لأن الحرية الحمراء لا تصنع إلا بالدماء. علم الإمام الحسين باستشهاد مسلم وصحبه وهو في طريقه إلى الكوفة ما شكل عاملاً مؤثراً جداً على نضوج تلك الأسباب لجهة حاجة الساحة إلى دم يرقى إلى مستوى دماء الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه لإرواء شجرة الإسلام التي طال ظمؤها وكادت تذوي لتحيا بها، وهذا ما عبّر عنه الإمام الحسين عليه السلام بقوله:

إن كان دين محمد لم يستقم‏

إلا بقتلي يا سيوف خذيني


* التوجه إلى العراق:
هيأ الإمام الحسين عليه السلام موكبه على الرغم مما نُصح به من التنحي عن العراق وتذكيره بما فهل أهله مع أبيه وأخيه عليه السلام من قبل، حيث اعتبر ذلك مقدراً له رافضاً ترك النساء والأطفال الذين شاء الله تعالى لهم شرف المشاركة ليكونوا القدوة والحجة على أهل الدنيا يواصلون الجهاد بالأسر والسبي لكي لا يظنّن أحد أنه عليه السلام طامع حيث جاء بأحب الخلق على قلبه، وله بجده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل نجران قدوة هي الحجة والدليل لعلّ القوم يعقلون.

حطّ الإمام الحسين عليه السلام رحاله في مكة ثمّ حوّل حجه إلى عمرة مفردة بعدما علم أن يزيد أرسل عيونه وجواسيسه آمراً أن يقتلوه ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة حيث أبى عليه السلام أن يكون سبباً لهتك الكعبة ومكة وأن تكون دماؤه أول دماء تسفك في الحرم. لذلك خرج مع رحله ومن أحب بعدما بيّن أهداف ثورته عارضاً نفسه على الحجيج قائلاً: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين".

خرج الإمام عليه السلام باتجاه العراق فالتحق به ركب كثير وتنادى الناس وكل من سمع أخد يلتحق بالركب، ولكنه وقف في الناس موضحاً ما سيؤول إليه الأمر بقوله: "الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله خُطّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواميس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحاً إن شاء الله.

* الإمام الحسين عليه السلام في العراق:
الجماهير التي كان مأمولاً أن تكون في استقبال الإمام الحسين لمبايعته والالتزام بطاعته كإمام معصوم مسدّد يرفع عن كاهلها الظلم ويحقق لها العدالة ويمشي فيها بسيرة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وإذ بها تشهر سيفها عليه ولسان حالها قلوبنا معك وسيوفنا عليك. حاول الإمام عليه السلام أن ينصح ولكن أسمعت لو ناديت حياً، فإنها لا تعمى الأبصار وإنما تعمى القلوب التي في الصدور، لهم آذان لا يسمعون بها، ولإقامة الحجة طرح عليه السلام خيارات عدة مع علمه بأنه ليستا متروكاً حيث قال في جوابه لابنته التي طلبت أن يرجعهن إلى المدينة: "لو ترك القطا لغفا ونام". فقد عرض الرجوع أو التوجه إلى بلاد الله الواسعة، ولما رضوا طلب لقاء يزيد، فأصروا أن ينزل على حكم ابن زياد، فقال موبخاً القوم الذين استحوذ عليهم الشياطين فلا يعقلون حديثاً: أنزل على حكم ابن الزانية؟ فلا والله لا أفعل أموت دون ذلك أخلى، وردّد قائلاً:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى‏
إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما

جمعوا جيوشهم وأخذوا يضيّقون على الإمام ورحله وشدّدوا الحصار ومنعوا الماء طمعاً بأن يضعف ولا يجد بُداً من النزول على حكم ابن زياد، ولكنه أبى الذلة ورحب بالشهادة والفداء دون الحق ودين الله وما جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وقال عليه السلام لأصحابه: "إن القوم ليسوا يقصدون غيري وقد قضيتم ما عليكم فانصرفوا فأنتم في حل. فقالوا بصوت واحد، ولا والله يا بن رسول الله حتى تكون أنفسنا قبل نفسك. وما ترك للقوم باباً إلا طرقه ولا حجة إلا أقامها ومن ذلك ما قاله ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيّه وابن عمه وأول المؤمنين بالها والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عمُّ أبي؟ أوليس جعفر الطيّار عمي؟ ألو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت الكذب مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضر من اختلقه وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبرونكم عن سفك دمي؟ فلم ينفع ثم أردف قائلاً: فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم... ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص أو غرامة؟. وبعد إلقاء الحجة الوافية الشافية أطلق مقولته الخالدة التي ترسم آفاق المستقبل لأمة تريد الحياة حيث قال:
الموت أولى من ركوب العار
والعار أولى من دخول النار

وترك الناس تموج في باطنها تحصد الندامة وسوء العاقبة وخسران الصفقة وظلمة المنقلب والمآل...

* نتائج الثورة:
إن ثورة الحسين عليه السلام الفريدة في حقيقتها وجوهرها وشكلها وأفرادها بداءً بقائدها الإمام المعصوم إلى رجالها الذين ناهزوا الثمانين ونسورتها اللواتي أبين أن يتركن المعركة وحتى رضيعها الذي تفجر من نجره نهر من دماء المظلومية يجرف كل الباطل وادعاءاته، هذه الثورة ترتب عيها العديد من النتائج التي نذكر بعضها:
أولاً: إن الصورة التي حاول معاوية إلصاقها بالصراع مع أمير المؤمنين وولده الحسن عليهما السلام من أنه صراع بين البيتين الهاشمي والأموي، سقطت وتأكد للجميع أن الثورة هي ثورة على الباطل والانحراف والاستبداد والتأويل والبدع، ثورة المدافعين عن الحق وعن الإسلام المحمدي الأصيل.

ثانياً: ظهر للملأ أن الإمام الحسين كما كان عليه أبوه وأخوه، لم يطلب الملك لذات الملك وإنما ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم الحق ويدفع الباطل وينصر المظلوم ويقتص من الظالم وينشر العدل في الأرض ويبلغ رسالة جده صلى الله عليه وآله وسلم.

ثالثاً: تأكد أن المعركة كانت معركة الفصل بين أهل الإيمان والطاعة وبين أهل الفسق والفجور والطغيان، بين الذين استمعوا القول فاتبعوا أحسنه وبين الذين صموا آذانهم عن سماع الحق وأعموا قلوبهم عن هدى الله تعالى، بين من بلغ درجات الكمال حتى غبطته الملائكة على المقام الذي ناله وبين الذين سقطوا من عالم الإنسانية فكانوا كالأنعام بل أضلّ سبيلاً.

رابعاً: أظهرت الثورة علماء السلطان على حقيقتهم وأنهم يحرفون الأحكام والفتاوى والكلم عن مواضعه إرضاءً لرغبات الحاكم فكانوا علماء السوء الذين باعوا آخرتهم ومن تبعهم بدنيا غيرهم.

خامساً: كشفت قصور التولّي بالقول إن لم يقترن بالفعل من خلال إظهار تناقضات المجتمع الكوفي الذي يملك شخصية مزدوجة: قلوبنا معك يا أبا عبد الله وسيوفنا عليك... يقتلون الإمام وأهل بيته وأصحابه ثم يبكونه.

سادساً: أظهرت هذه الثورة الدور الفاعل والقيادي للمرأة في المجتمع من خلال السيدة زينب (عليها السلام) التي أكملت ما ابتدأه الإمام الحسين عليه السلام عبر مواقفها وخطبها التي تُفصح عن لسان أبيها وأمها (عليهما السلام) وتفنّد للناس الباطل الذي هم عليه وتواجه قوة وعنفوان وجبروت الطاغية وتهزّ عرشه.

سابعاً: أعطت الثورة دروساً خالدة في الإيثار الذي تجلى بأروع صورة على يدي الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، فقد آثر الإمام دينه على الحياة ورفض الظلم والاستبداد.

ثامناً: انتصار الدم على السيف - دماء الحق والمظلومية على سيوف البغي والظلم - كان من أبرز نتائج الثورة التي بيّنت أن الانتصار ليس بالغلبة والتفوّق الظاهرين وإنما للمبادئ التي تحفظ وتستمر. وقد ترتب على ذلك الانتصار ثورات عدة: ثورة التوّابين بقيادة سليمان بن صرد

الخزاعي وثورة المختار الثقفي وثورة زيد بن علي، إلى غير ذلك من الثورات التي تواصلت عبر التاريخ ولكنها في النهاية تعود إلى بركات ثورة الإمام الحسين عليه السلام.

تاسعاً: بقاء صوت الحق حياً يدوّي في كل زمان ومكان، وما الثورة الإسلامية المباركة التي فجرها الإمام الخميني (قده) إلا امتداد لثورة الإمام الحسين عليه السلام، ولهذا قال الإمام الخميني قدس سره: كل ما لدينا من كربلاء وعاشوراء ومن الإمام الحسين عليه السلام. هذه الثورة التي هي معجزة القرن العشرين وحلم الأنبياء ما كانت لتنتصر لولا القيادة الحكيمة والشعب المطيع الوفي المحب المجاهد المتمسك نهج الولاية، والمنطلق من روح الشهادة في كربلاء وعاشوراء، والتي لولاها لما قامت المقاومة الإسلامية في لبنان تواجه المحتل الغازي بكل أنفة وإباء وعزة وكرامة تزلزل الأرض بالغاصبين وتحيي ثورة الإمام الحسين عليه السلام وخط أهل البيت عليه السلام، والكل اليوم أصبح يتحدث عن أنه لا خلاص إلا بهذه الروح وهذا العطاء حتى يتحرر العباد وتطهر البلاد من كل الغزاة والمستكبرين والظالمين... ببركات هذا النهج كانت قيادة الإمام الخامنئي (دام ظله) والحضور الكامل والفاعل لأبطال المقاومة الإسلامية الذين يمهدون لإشراقات دولة الحق والنور الإلهي الذي سيتحقق به حلم المستضعفين ووعد الله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).

هذا بعض من تلك النتائج المباركة للثورة الكربلائية على شهيدها وأهل بيته وأصحابه آلاف التحايا والثناء، وكل يوم يتجدد العهد والبيعة وكل عام تأتي الذكرى ويتحرك المحبون صوب الإمام الحسين عليه السلام وفاءً يحقق الطاعة لكل الذين أمرنا بطاعتهم وولايتهم، ولتكون الطاعة وكل الوجود في النهاية لله الأحد وحده، ولا يكون ذلك إلا بالفهم المعمق لهذه الثورة والدور الذي حققته في تجذير الإسلام المحمدي الأصيل.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع