مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

البعد الإيماني في المقاومة الإسلامية

السيد هاشم صفي الدين‏


إن المقاومة الإسلامية في لبنان من خلال ما قدمته أصبحت المثل الصالح الذي يسعى الكثيرون لفهم جذورها وأبعادها وما تحمله من مضامين تمكنت بفضلها أن تشكل القدوة والشعلة والهيكل في هدا الصراع المرير والطويل الذي تخوضه أمتنا، وكي لا نذهب بعيداً في التفسيرات والتأويلات سنحاول أٌّ نضع أيدينا وبشكل مباشر على سبب طالما اعتقد المجاهدون وقادة هذه المقاومة أنه الأصل الثابت في كل المراحل ومختلف المواجهات وهو أصل الإيمان بمعناه العقائدي وامتداداته التربوية والعلمية وآثاره في تشكيل الضمانة وتوليد الحافز والقدرة على بعث الروح والاستمرار مهما كانت الظروف إنه الأصل والبعد المبدئي الذي يتغلغل في أعماق النفس ولا يتبدل مع تبدل الأوضاع وتقلبها وهو القادر على إنتاج الموقف على أي حال.. هذا بشكل عام، فماذا في التفاصيل؟

1- الإيمان يدعو إلى المقاومة:
حينما يواجه أي شعب احتلالاً لأرضه واعتداءاً على كراماته وحقوقه من قبل عدو طامع بمقدراته فإن المنطق الطبيعي ورد الفعل الأولي والغريزي يكون بمقاومة هذا العدو ورفضه وهذا أمرٌ يشترك فيه جميع الناس بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو السياسية وهذا ما يقر به العقلاء كحق مشروع على المستوى الإنساني وهو يسوّغ القيام بفعل المقاومة ولو بالقوة وفي حال عدم التصدي لهذا الواجب إن أكثر ما يواجهه المتخلفون هو توجيه اللوم إليهم من قبل الناس والمجتمع المحيط وفي بعض الأحيان ونتيجة ظروف معينة قد يبرر لهم الناس عدم مقاومتهم فيما لو كان هناك ضرر كبير يمكن أن يحصل نتيجة هذه المقاومة أو فيما إذا كان هناك طريق آخر ولو احتمالاً للوصول إلى بعض الحقوق.. أما المجتمع الإسلامي الذي تربى الناس فيه على الاعتقاد بالله واليوم الآخر والالتزام بأحكام الله تعالى كما وردت في القرآن الكريم وعلى لسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام فإن موضوع مواجهة العدو المحتل يرتبط بشكل مباشر ووثيق بمبدأ الإيمان بالله تعالى والتسليم له بالأحكام المفترضة في مثل هذه الحالة ولا تكون المقاومة ردَّ الفعل إنسانياً وطبيعياً وكفى بل هي موقف مبدئي إيماني يفرضه المعتقد وبالتالي فإن التخلي عن هذا الواجب يعرض الإيمان للخلل والضعف.

ومما لا شك فيه أن المقاومة هنا سترقى إلى درجة كونها تكليفاً إلهياً وخطباً سماوياً ويصبح فعلها طاعة وامتثالاً لأوامر الله تعالى وتركها معصية ينهى عنه فلا يجد الإنسان نفسه أمام خيارات تخضع كثيراً لمنطق الحسابات والظروف حكماً صادراً من الله تعالى يجب على المؤمن السعي لتحقيق وتهيئة كل المقدمات الضرورية للقيام بهذا التكليف. وليس خافياً أهمية هذه النظرة في تشكل الفعل المقاوم وانطلاقته وحينئذٍ يحقق هذا الاندفاع مفهوماً مقدساً في الإسلام ويثير في النفوس المؤمنة الحماسة والإقدام، وهو مفهوم الجهاد في سبيل الله تعالى، وتدخل المقاومة في سلم أولويات المتدينين ووجدانهم وتحضر مباشرة مصطلحات الإيثار والغزو والإعداد والشهادة وإلى ما هنالك من مفاهيم جهادية يزخر بها تاريخنا الإسلامي العريق... من خلال ما ذكر نعرف كم هو عزيز على المؤمنين بالله تعالى مفهوم المقاومة وواقعها ونتعرف أيضاً إلى بعد اعتقادي كان له الأثر الأكبر في وجود المقاومة الإسلامية في لبنان طبعاً من دون إغفال العوامل والجوانب الأخرى لكنها في الواقع تبقى ثانوية أمام هذا العامل الإيماني الأساسي الذي حرَّك في المجاهدين القدرة على التحرك في أصعب الظروف ليؤسسوا لمقاومة ترعرعت في أحضان الإيمان ونمت في هذا الاتجاه وتجاوزت مع الأيام كل المراحل والظروف السياسية التي تبدلت كثيراً من سنة 1982 إلى اليوم على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي وبقيت المقاومة الإسلامية ثابتة متأصلة في أهدافها وشعاراتها تزداد نوراً وثباتاً كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

2- الإيمان وأثره المباشر في المعركة:
حينما يكون الداعي للقتال في المعركة هو الإيمان لا يعني أن دور هذا الإيمان ينتهي هنا وبعدئذٍ فالإنسان متروك للواقع في مواجهة المصير والوصول إلى النتيجة نصراً أو هزيمة، إن منطق حضور الإيمان في المعركة يولّد عناصر إضافية يفترض أن تؤخذ بعين الاعتبار وبكل جدية عند الذين يجاهدون ويجب أن لا يستسلموا للواقع المادي مهما كان شأنه، وهذه العناصر ليست كما يتخيل البعض أنها مقتصرة فقط على تقوية الروح والجانب المعنوي في نفس الإنسان المقاتل مع ما لهذا العنصر من أهمية كبيرة في ميادين القتال بل إن هذه العناصر لها دخالة في كل تفاصيل المعركة وفي تأمين الظروف المناسبة للنصر وهذا ما نلحظه بوضوح في المعارك التي خاضها رسول الله(ص) في صدر الإسلام والتي تحدث القرآن الكريم عنها صراحة ليركز مفهوماً عاماً وشاملاً وهو أن أي معركة تكون في سبيل الله لأجل قضية محقة يمكنها أن تحظى بهذه العناصر والتي أذكر منها:

أ- التوكل على الله:
مع بداية عمل المقاومة الإسلامية سنة 1982 كان واضحاً لدى المجاهدين أن العدو الذي يواجه هو الترسانة الأمريكية في الشرق الأوسط التي تحوي أكثر الأسلحة تطوراً وتقدماً في العالم وهي القوة التي جهزها الاستكبار العالمي لإذلال أمتنا وإرغامها وهي القوة التي ألحقت الهزائم بالجيوش العربية طوال عقود من الزمن، وهذا الوضوح عند المجاهدين جعلهم أكثر إيماناً بقضيتهم وإحساساً بمظلوميتهم وأكثر عزماً على المضي في سبيل إيجاد مقاومة من طراز تؤسس لمعادلة جديدة لم يألفها العدو من قبل وهذه المعادلة لا تعتمد على توازنات دولية أو تكديس أسلحة أو نفوذ سياسي أو ما شاكل هذه المعادلة تعتمد على نصوص القرآن الكريم (إن تنصروا الله ينصركم) وعلى قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه...) وشرط تحقق هذه المعادلة هو الصدق واليقين التام والكامل بالوعد الإلهي والقيام بالواجب الشرعي مع ما في ذلك من عدم تردد أو خوف أو سوء ظن بالله تعالى، وإخلاص النية والإصرار على التضحية هي شروط كافية لجعل المقاومة الإسلامية مقاومة الإيمان وبالتالي (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى..) وكان من الطبيعي جداً أن يتفاجأ البعض في البداية بل قل الأغلب على قاعدة أن هذا غير مألوف والاستمرار فيه انتحار وتهور وربما وصل الأمر بالبعض إلى التوقف تسرعاً إذ لعله رمي للنفس في التهلكة إلى ما هنالك من وساوس وأقاويل يفرضها واقع الانهزام وهواجس الاعتماد الناس على عيشها نتيجة خوف أو تجربة فاشلة، إلا أن الأيام والتجربة أثبتت أن هذا التوكل على الله فرض معادلة جديدة وغيَّر واقعاً وهو رهان حقيقي وأكثر واقعية من العلوم والمعارف التجريبية وأن سنن الله في الخلق جارية مجرى الحياة وأن ضعف إيمان البعض لا يلغي هذه السنن عن الفعل والتأثير.

ب- روحية الإيثار:
إن طبيعة العمل العسكري فيها مصاعب كبيرة لا يقوى على تحملها أي إنسان فكيف الحال إذا كانت الظروف غير مساعدة من جهات كثيرة خاصة لجهة عدم التكافؤ من حيث الإمكانيات المادية مع العدو فإنه يضيف مصاعب جديدة وضغوطات عملية تجد المجاهد نفسه أمامها مكلفاً بتحملها والصبر عليها ومجاهدة نفسه لتحصيل القدرة على ممارسة مهامه، إلا أن مفهوم الإيمان بالله تعالى وبالآخرة، وأن ما يقوم به المجاهد هو تكليف إلهي يسعى فيه لإرضاء الله تعالى فقط يجعله غير آبه بكل تلك الصعاب بل تراه يفتش عن أصعب الأعمال للقيام بها على قاعدة زيادة الأجر والثواب وأن أفضل الأعمال أكثرها مشقة كما ورد في الحديث الشريف، وترى المجاهدين في هذه الحالة يتسابقون لتنفيذ العمليات الجهادية ويتنافسون في سبيل الأخطر منها ليعرجوا من خلالها إلى ساحة الملكوت الإلهي وتهون أمامهم الصعاب ويرضون بضنك الحياة وهجران الأهل والأحبة ويسارعون في تخلية حياتهم من الزخرف والمتاع ولا تمتد أعينهم إلى تحصيل أي مكسب دنيوي أو ربح مادي يتلهف إليه الناس عادة، مثلهم في ذلك أصحاب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء وهم يتراكضون للجهاد في سبيل الله وتحصيل درجة الشهادة، فالقيم عندهم مختلفة واللذة في قاموسهم مغايرة.. ومن هذا القبيل ترتسم الشهادة هدفاً أمام أعين المجاهدين ليمني كل واحد منهم نفسه بها ويزداد تعلقاً بدرجتها إذ يعتقد أنها غاية القرب ومنتهى الوصال وهو يردد الحديث القدسي... إذا عشقت عبداً قتلته.. وفوق كل ذي بر بر حتى يقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بر.. إلى ما هنالك من ثقافة تجعل من مفهوم الموت الذي يخوف العدو به الناس مطلباً يسعى لنيله المجاهد (قل تمنوا الموت إن كنتم صادقين)، ويزداد التألق حينما يرى المجاهدون أن قائدهم في المعركة هو كأحدهم يعشق الشهادة فينالها منه زوجه وابنه وإن أبناء قادتهم هم في مقدمة الجبهة يجاهدون ويستشهدون، كلها مفاهيم إيمانية رائعة دخلت اليوم إلى حياة المقاومين الشرفاء في المقاومة الإسلامية وأصبحت نبراساً وينبوعاً صافياً يستقون منه عشق الجهاد وحب الاستشهاد ويصلون مجتمعهم وأمتهم بالسلف الصالح من الأبرار من الخلَّص من أصحاب بدر وأبطال كربلاء ليشيدوا في هذا الحاضر صرحاً جهادياً مقدساً ترتفع فيه صدقية الإسلام وأحقية الانتماء إلى أعظم دين وأشرف أمة، وليحافظوا على هذا الإنجاز المتداوم وعلى هذه الفرادة في هذا العالم الذي يتوق اليوم إلى أمثال هؤلاء للوصول إلى ساعة الخلاص والتحرر من براثن الظلم والقهر، وتمكنوا بفضل هذا الإيثار وهذه الشجاعة التي لا نظير لها أن يقهروا العدو الصهيوني المتغطرس وأن يبطلوا كل إجراءاته الميدانية وأن يجعلوه في موقع اليائس على الرغم من كل إمكانياته التسليحية وخبراته القتالية وهذا بحد ذاته دليل ساطع على انتصار هذه القيم الإلهية وقدرتها على صياغة وصناعة شخصية الأمة الإسلامية فيما لو تمسك أبناء أمتنا الإسلامية بهذه العروة الوثقى وأخذوا بواجب الجهاد المقدس الذي جعله الله تعالى باباً من أبواب الجنة وفتحه لخاصة أوليائه عليه السلام، وهذا ما كان يرمي إله الإمام الخميني قدس سره حينما كان يردد: إن جهاد شباب حزب الله هو حجة على العلماء.

ج- الطمأنينة:
من المعلوم في تاريخ الجبابرة والطواغيت أنهم في قبال دعوات الأنبياء والأولياء يستخدمون أسلحة الترهيب والتشكيك والدعايات وتهديد المصالح الحياتية والاجتماعية وتأليب الرأي العام من خلال الوسائل والإمكانيات المادية التي يمتلكونها في سبيل زعزعة أهل الحق ومن حولهم، ومن المعلوم أيضاً أن سلاح الأنبياء والأولياء وأهل الحق هو اليقين الذي يولد طمأنينة وسكوناً وثباتاً يجعلهم في موقع الواثق بالله تعالى وبوعده (.. ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت...) ويعطيهم القدرة على مواجهة كل هذه المحاولات وإحباطها من خلال معرفتهم بالحق الذي ينتمون إليه، والقضية الصادقة التي يحملونها، فطغيان العدو تسلطه وظلمه ليست أموراً تبدل في واقع الأمر شيئاً واجتماع أهل الباطل على قضية لا يصيرها حقاً فإن الحقيقة في أعين هؤلاء هي ما أرشد إليه الأمر الإلهي ولا شي‏ء غيره.. ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

من خلال هذا المفهوم الذي نجده اليوم حاضراً في سلوك المجاهدين تمكنت المقاومة الإسلامية أن تحافظ على هذه الحقيقة وأن تصبر عليها لتجعل الناس- ومع الأيام- بمختلف الانتماءات تقر بها وتراها جلية وواضحة، ولتتقدم في خطى ثابتة غير منفعلة بكل التقلبات التي حصلت خلال السنوات الماضية من سنوات المواجهة، وتمكنت بحمد الله تعالى أن تواجه كل محاولات التشكيك والادعاءات الزائفة وأن تتعاطى مع الأحداث على الرغم من قساوتها بهدوء ووقار وسكينة وأن تقلب السحر على الساحر... وما زال العدو إلى اليوم عبر وسائل متعددة يجهد نفسه في سبيل محاولة بث القلق وزرع التردد حول حاضر أو مستقبل هذه المقاومة لكنه فشل في كل محاولاته بل ارتدت عليه واتسعت دائرة الطمأنينة والقناعة لتشمل أكبر عدد ممكن من الناس المحيطين بهذه المقاومة، والسؤال الأساسي هن، كيف حصل هذا الأمر؟ بكل بساطة السبب هو هذا الإيمان المتجذر في نفوس المقاومين المجاهدين لأن الواحد منهم يعرف جيداً ماذا يريد ويمتلك وضوحاً في الرؤية وآفاقاً ممتدة إلى عالم الآخرة متجاوزة كل حدود الدنيا حيث لا معنى لأطباق الدنيا عندهم فضلاً عن ما هو أدون من ذلك.

نعم هذه حقيقة نراها حيث أمعنا النظر في عيون وقلوب أبناء هذه المقاومة وهم يحدثون عن المستقبل المشرق لأمتنا العزيزة وعن الفجر الآتي المنبعث من أيام الصبر وبريق السيف وراية الجهاد وخيار المقاومة وهذا كله بفضل الإيمان الصادق والعزم الراسخ الذي جسده المقاومون الأبطال والشهداء الأبرار (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع