مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت كتابٌ... قد يغيّر حياتك أول الكلام: كيف نتصرّف في مجلس المعصية؟ مجالسنا كيف نراها؟ لا تألفوا مجالس البطّالين مجالس تحفّها الملائكة من آداب المجالس في الإسلام مع الإمام الخامنئي: بشارة الشهادة (*)

مجالسنا كيف نراها؟



تحقيق: نانسي عمر


"الجلوس معهنّ يطيل العمر"، هكذا كانت تخبرني إحداهنّ. "جلساتهنّ عامرة بالفرح والسعادة، ولا تفارقنا الضحكات إلى حين مغادرتهنّ". 

كنت أنتظر أن أجالسهنّ يوماً بفارغ الصبر حتّى أتعرّف إلى صديقاتها "المسلّيات"، ولكن بعد أن جلست في إحدى المرات معهنّ، اكتشفت أنّ هذا الضحك لا يأتي إلّا بعد أن تقوم إحداهنّ بالسخرية من فلان، أو تقليد فلانة، أو تبادل النكات غير اللائقة، أو التلفّظ بألفاظ بذيئة، وأرى الحاضرات في أعلى درجات السعادة، وأصوات القهقهة تملأ المكان!

إذاً، تلك هي الجلسات التي تطيل العمر وتجلب السعادة!

نتعرّف، في هذا التحقيق، على طبيعة مجالسنا وكيف نراها.

•بعض الإشكالات
تقول جنان (27 عاماً): "نجتمع مع أولاد وبنات عمومتي بشكل دوريّ، خصوصاً في المناسبات والأعياد، ولكنّنا نحرص دوماً على تجنّب الغيبة والسخرية. ولكن لا يخلو الأمر من بعض المزاح والفكاهة ضمن الحدود. أمّا عندما تكون الجلسة مع صديقاتي، فنقع أحياناً في بعض الإشكالات دون قصد".

جرّبت زهراء (29 عاماً) في حال حدوث أمر سلبيّ في أيّ جلسة كانت تحضرها أن تتّخذ خطوات عدّة: 

"أولاً، ألفت نظر المتكلم لأخذ الآخرين على المحمل الحسن، وضرورة التأكد من الموضوع قبل الحكم على الآخر. ثانياً، إذا ظلّ الطرف الآخر مصرّاً على الغيبة مثلاً، أذكّره بأنّ الغيبة حرام شرعاً، وهي ممّا لا يغفره الله حتّى يغفر له صاحبه، والتسامح من الناس ليس بالأمر السهل أبداً".

أما الخطوة الثالثة -بحسب زهراء- فهي تغيير الموضوع والانتقال للحديث عن مسألة أخرى، وبذلك ينسى الحاضرون الموضوع الأوّل الذي هو محطّ إشكال شرعيّ.

•حضور شخص إيجابيّ
تتابع زهراء (29 عاماً): "أحد أقاربي إنسان مؤمن ومثقّف وكثير المطالعة، ولديه القدرة على التأثير في الآخرين. وقد أصبح منذ فترة يشاركنا مجالسنا، وفي كلّ جلسة يكون حاضراً فيها، يتحوّل الحديث من الأمور الدنيويّة الفارغة إلى مواضيع أخرويّة أو ثقافيّة أو اجتماعيّة أو دينيّة"، وتتابع: "وبدل أن نقع في إشكالات شرعيّة بسبب الغيبة أو النميمة والكذب أو غير ذلك، صرنا نكتسب منه المعارف والمعلومات القيّمة في مختلف المجالات". 

•جلسات عائليّة من نوعٍ آخر
برأي حسن (31 عاماً)، من الأفضل تخصيص وقت من الجلسات العائليّة أو جلسات الأصدقاء لأداء أعمال عباديّة تُقام بشكل جماعيّ (قراءة قرآن، دعاء، صلاة جماعة...)، لما لها من آثار نفسيّة وتربويّة في النهي عن الفحشاء والمنكر، وتوجّه القلب نحو التقوى والمحبّة والألفة بيـــن الـنـاس. كما يمكن استضافـــة شخصيّة مؤثّرة ومحبّبة لدى الأطراف المشاركة في الجلسة لطرح مواضيع تعنيهم وتهمّهم. 

يُفضّل حسن فصل الرجال عن النساء حتّى في السهرات العائليّة، بهدف الحدّ من الاختلاط والمزاح بين الطرفين، لما فيه من مصلحة شرعيّة وتربويّة واجتماعيّة للجميع. 

•أساليب ذكيّة
تقول مناهل (29 عاماً- طالبة حوزويّة): "يفترض أن يجتمع أفراد العائلة بهدف تحقيق صلة الرحم، واستطلاع أحوال بعضهم بعضاً، لكن، إذا تحوّلت إلى جلسات غيبة ونميمة وكذب ورياء وغير ذلك، فهنا يجب التنبّه منها".

تتابع: "عندما أقع في مثل هذه الابتلاءات، أجد أنّه من الأفضل تحويل الحديث بطريقة ذكيّة لحديث آخر، أو التكلّم عن محاسن وفضائل الشخص المتناول بالحديث، والإضاءة على الجوانب الإيجابيّة فيه. أمّا في حال لم ينجح الأمر، فأبرز موقفي بوضوح، وأنسحب من المجلس، موضّحة الأسباب بطريقة لطيفة ولائقة لا تنفّر الآخرين منّي، أو يسرّون أكثر".

برأي مناهل، فإنّ أحد الأساليب لتتحوّل السهرات إلى جلسات روحانيّة وإيمانيّة، التحدّث عن الشهداء أو أحد الأشخاص المحبوبين من كلّ الأطراف الحاضرة، أو شخصيّة محبّبة في العائلة وذكر محاسنها وسرد قصصها، وتبيان خطورة الجلسات التي يُعصى فيها الله تعالى، لعلّ الحاضرين يتأثّرون بذلك، ببركة هذا الشهيد أو هذه الشخصيّة المحبوبة والمؤثّرة. 

•مجموعات قد توقع في الحرام
أمّا علي (26 عاماً)، فيعتبر أن هذه الإشكالات تشمل المحادثات الجماعيّة في مجموعات وسائل التواصل، وخصوصاً مجموعات "الواتساب" العائليّة، أو التي تضمّ الأصدقاء، وما يحدث خلالها من سخرية وتنمّر، ونبش للخلافات القديمة، واغتياب بعض المؤمنين لمجرّد الضحك أو التعبير عن موقف ما. 

يقول علي: "عندما بدأت أشعر أنّ المحادثات تجرّني للغيبة والإشكالات الشرعيّة والفتن، لم أجد أمامي سوى أن أغادر هذه المجموعات بصمت؛ لأنّني أعرف أنّ الأعضاء لن ينتهوا عن المنكر وإن حاولت معهم، بل سيهزؤون بي كما يفعلون مع غيري". ويضيف: "هذه المجموعات التي يجب أن تكون في خدمة العلم والدين، تصبح محطّ إشكال عندما لا يكون هناك من يديرها بالشكل الصحيح، فتتجاوز الحدود الشرعيّة والأخلاقيّة".

•إمّا عالم أو متعلّم
يؤكّد فضيلة الشيخ محمّد سبيتي ضرورة أن يحدّد الشاب هويّته وكيانه وتكليفه، قبل أن ينضمّ إلى مجموعة معيّنة ويصبح مصهوراً فيها؛ فيختار المجلس والصحبة وأسلوب العيش الذي سيهدر وقته من أجلهم، وهل سيصبّ في رضى الله سبحانه وتعالى. والجلسة التي لا يكون فيها الإنسان لا عالماً ينفع الناس، ولا متعلّماً ينتفع بهم، هي جلسة لا فائدة منها، ولا تؤدّي إلى رضى الله عزّ وجلّ. 

ويقول سماحته: "لا فائدة لعيش الإنسان ولا للحظة واحدة إلّا عابداً، والعبادة لا تعني الصلاة والصوم فقط، بل أفضل أشكالها هي النفع. وهذه المجالس التي تجمع الناس هي أفضل أرضيّة للنفع والانتفاع".

•حقّ الطريق
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لأصحابه: "إيّاكم والجلوس في الطرقات"، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدّ؛ نتحدّث فيها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أبيتم إلّا المجلس فأعطوا الطريق حقّها"، قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السّلام، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر..."(1). يفنّد فضيلة الشيخ سبيتي هذا الحديث لشباب اليوم: 

1- غضّ البصر: من المهمّ جدّاً اختيار المكان الذي تستطيع فيه أن تغض بصرك، فلا يمكنك أن تختار مكاناً حافلاً بالاختلاط بين الجنسين، وارتكاب المعاصي والإشكالات الشرعيّة والحرام، ثمّ تقول: غلبني بصري أو سمعي إلى الحرام. 

2- كفّ الأذى: يجب أن يكون هو العنوان الأبرز في الجلسات، من خلال تجنّب الغيبة والنميمة والتملّق والسخرية والإحراج والاستعلاء وكلّ ما يؤذي الآخر.

3- ردّ السلام: إنّ جلوسك في الطريق أو المقهى يستدعي أن ترى العديد من الناس الذين سيُلقون عليك التحيّة، فمن واجبك أن تكون مستعدّاً لأن تردّ هذه التحيّة للجميع بأحسن منها، وأن تتعامل مع الناس بلطافة وبشاشة ولباقة، وقد يستدعي ذلك أن تقف لبعضهم ممّن لا يكتفون بمجرّد ردّ السلام، بل أن تتحدّث إليهم وتسأل عن أحوالهم وأهلهم أيضاً. 

4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فإذا كنت تعلم أنّ في مجلسٍ ما غيبة وتبادل صور أو نكاتاً غير لائقة أو سخرية وتنمّراً، ولم تكن لديك القدرة على نهيهم عن القيام بذلك، فلا تجلس معهم.

•دور تأسيسيّ وقائيّ
1- اختيار الصديق: الخطوة الأهمّ تكمن في اختيار الصديق، بأن يكون مؤمناً تقيّاً ورعاً. وهنا، ينبّه فضيلته إلى ضرورة صيانة المجالس من خلال القيام بدور تأسيسيّ وقائيّ، يبدأ من مرحلة تربية الطفل من سنّ السابعة، حيث يجب أن يفهم الطفل المعنى الحقيقيّ للصديق، وكيف يميّز الصديق الجيّد من صديق السوء، ويختار الأفضل لمصادقته. وهذا من مسؤوليّات الأهل.

2- المساجد: أمّا الخطوة الثانية برأي الشيخ سبيتي، فهي اللجوء إلى المساجد، التي عبّر عنها الإمام الخمينيّ قدس سره بقوله: "مساجدكم متاريسكم، فاملؤوا متاريسكم". فالمساجد متاريس تحمي الإنسان من الشيطان ووسوساته وإغوائه. وهذه المساجد هي التي خرّجت الشهداء والمجاهدين والعلماء والأتقياء الذين اعتادوا ارتيادها منذ الصغر، وأسّسوا فيها صحبة مؤمنة؛ فإذا خرجوا ليجلسوا في مجالس أو سهرات خارج المسجد، كانوا محصّنين من الحرام، ومجهّزين ضدّ عدو أنفسهم وعدو الله الذي هو الشيطان. وحتّى لو تخلّل مجلسهم بعض الغيبة أو المزاح مثلاً، إلّا أنّه لا يكون مجلساً قائماً على الحرام، ومعدّاً لارتكاب المعصية. 

وختاماً، يتوجّه فضيلته للشباب بالقول: خلق الله تعالى الإنسان عزيزاً، وجعل حرمة المؤمن أفضل وأكثر حرمةً من الكعبة المشرّفة. لذا، وقّر نفسك وقدّرها، وأوجد نفسك في مكان لا يُذِلُّك فيه الشيطان ويُسقطك في المعاصي والحرام. 


1. كنز العمّال، المتّقي الهنديّ، ج 9، ص 146.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع