مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت كتابٌ... قد يغيّر حياتك أول الكلام: كيف نتصرّف في مجلس المعصية؟ مجالسنا كيف نراها؟ لا تألفوا مجالس البطّالين مجالس تحفّها الملائكة من آداب المجالس في الإسلام مع الإمام الخامنئي: بشارة الشهادة (*)

منبر القادة: العلم والتزكية(1)


الشهيد السيّد عبّاس الموسوي (رضوان الله عليه)


إنّ ما تحتاج إليه البشريّة، سواء في الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل، ليس هو العلم وحده؛ فالعلم عندما ينفرد وحده وينعزل عن بقيّة المسائل الأساسيّة، يكون طامّةً كبرى على البشريّة. 

لقد تراكمت المعارف والعلوم البشريّة عند الإنسان الغربيّ والشرقيّ على حدّ سواء، فكانت حضارةً ماديّةً هائلة، لكنّها حضارة لا تملك ذرّةً من إنسانيّة، حضارة سخّرها المستكبرون في الأرض لمصالحهم، لضرب القيم الإنسانيّة ولنسف معانيها. ولذلك، إنّ الواقع كلّه الذي نعيشه، شاهد على ذلك. 

•إشكاليّة العلم وحده
عندما يكون العلم وحده بيد الإنسان، ويصل من خلال علومه ومعارفه إلى حدّ الغرور والابتعاد الكامل عن الله تبارك وتعالى، مثل هذا الإنسان يشكّل خطراً حقيقيّاً على البشريّة. لاحظوا كيف أصبح العلم، في الساحات المستضعفة في العالم، الحربة التي يقاتل بها المستكبرون جميع المظلومين والمستضعفين في الأرض.

يكفي أن نذكّر بمرحلة، ولعلّها كانت في بدايات هذا القرن، عندما خرج بعض العلماء بعناوين كتبهم، وأحد تلك العناوين كان: "العلم يقوم وحده"، وكان المقصود أنّ العلم يقوم وحده بمعزل عن الله عزّ وجلّ، وأنّ الإنسان إذا اتّكأ على العلم وحده، يستطيع أن يصل إلى أهدافه وغاياته كلّها! هكذا وصل العلم بالإنسان إلى أعلى مستويات الغرور؛ أن يشعر بالاستغناء حتّى عن الله عزّ وجلّ. 

لكن نقول بوضوح: إنّ المصائب، والنكبات، والامتحانات الصعبة كلّها التي يمرّ بها المستضعفون، سببها أنّ العلم تحوّل إلى خدمة المستكبرين والظالمين في عصرنا الحاضر. 

•اهتمام الأنبياء بالعلم
كان للأنبياء عليهم السلام اهتمامهم الخاصّ بالمسألة العلميّة، ولكنّنا نجد أكثر الأنبياء والرسل اهتماماً بالعلم رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي نقرأ في قوله تعالى دعاءه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ربِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114)، وهذا كان دعاؤه الدائم.

كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منذ البداية مهتمّاً بتخريج العلماء. اقرؤوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تعليم الناس، تعرفوا ماذا كان يعلّمهم. فالذين كان يعلّمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة المكرّمة، وكان عددهم لا يتجاوز الـأربعين رجلاً، كان تارةً يجتمع بهم في بيت الأرقم بن أبي الأرقم، وتارةً أخرى في شعب أبي طالب [عبد مناف بن عبد المطلب]. 

•العلم يخرّج مربّين
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلّم تلامذته كيف يصبحون مربّين في المجتمع روحيّاً وعقليّاً، وليس متعلّمين فحسب. وفعلاً، تخرّج عشرات المربّين في مكّة المكرّمة على يدَي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء نشرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مختلف البقاع. ومن تلك الشخصيّات التي تربّت على يدَي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت مربّية للأمّة:

1- الإمام عليّ عليه السلام
إذا نظرت إلى حياة التلميذ الأوّل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لرأيتَ أرقى النماذج في التاريخ البشريّ بعد
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولاكتشفت رجلاً في قمّة الصلاح، رجلاً لا يُعلّم الناس إلّا الأخلاق، والقيم الإنسانيّة، ويؤدّبهم بالدعاء، وبتلاوته لكتاب الله، ويربّيهم التربية الكاملة بين يديّ الله.

2- مصعب بن عمير 
هو الرجل الأوّل الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنوّرة. كان نموذجاً رساليّاً تربّى على قيم الإسلام، ونما من خلال التربية الإسلاميّة، واستطاع أن يصبح مربّياً للأمّة الإسلاميّة وللشعب المسلم آنذاك.

مصعب بن عمير هو ابن عائلةٍ مترفة من عوائل مكّة المترفة، وكان والداه من المشركين. هذا الشابّ الذي تخرّج من هذه العائلة المترفة الغنيّة، فجأةً يتخلّى عن الدنيا بمباهجها كلّها، ويصبح زاهداً في هذه الحياة الدنيا، ثمّ يستعدّ لكلّ أشكال التضحية؛ يهاجر إلى الحبشة مع الفقراء المؤمنين، ثمّ عندما يرجع إلى مكّة يزداد إصراره على الإيمان على الرغم من العذابات الكبرى التي تعرّض لها، ثمّ يكون أوّل من يهاجر كرسول إلى المدينة المنوّرة. كانت تكفي الجلسة الواحدة مع مصعب بن عمير حتّى يتحوّل الإنسان من خلالها إلى رجلٍ صالح. 

يُقال إنّ مصعب بن عمير كان يعطي درساً في حلقة في المدينة المنوّرة، فدخل عليهم فجأةً أُسيْد بن خضيْر، وكان زعيم عشيرته، عشيرة بني عبد الأشهل، والسيف بيده، فقال له: "إنّك تُضلّل قومي، سأقتلك بهذا السيف"! تكلّم معه مصعب بن عمير بأخلاقه، وقال له: "اجلس قليلاً كي أحدّثك، فإن حدّثتك بما يقنعك كان به، وإلّا ارحل". أسره هذا الخُلق العظيم، وهو الذي كان يودّ قتله! جلس أُسيد بن خضير بين يدَي مصعب بن عمير. لم يمضِ إلّا لحظات حتّى خرج رئيس هذه العشيرة يبشّر بالإسلام! هذه النوعيّة هي التي كان يربّيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت تتخرّج على يدَيه، وتتميّز بأخلاقه، وبرساليّته، وبتضحياته. ابن العائلة المترفة يصبح هذا موقعه؛ موقع المربّي والمرشد والرساليّ. وهكذا كل واحدٍ من الذين تخرَّجوا على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تلمح في كلّ حركةٍ من حركاتهم، وفي كلّ عملٍ من أعمالهم، الرجل الرساليّ المربّي الحقيقيّ. 

3- أبو ذر الغفاري
هو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، كانت تكفي النظرة إلى وجهه ليتعلّم الإنسان؛ ليزكّي نفسه، فضلاً عن النظر إلى ممارساته، وأعماله، وجهاده، وتضحياته في تاريخ الإسلام.

إذاً كانت مهمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرّج مربِّين لا متعلّمين، فما هي فائدة العلم إذا لم يكن في خدمة الناس؟ إذا لم يكن نافعاً في تهذيب النفس وتزكيتها؟

هذا النموذج نجده أيضاً خطّاً واضحاً في شخصيّة إمامنا الخمينيّ الراحل قدس سره، الذي عُرف عنه قوله: "إنّ كلّ قدم لك في العلم، يجب أن تحرّك في مقابلها قدمين في تزكية نفسك". الأصل تربية النفس وتزكيتها. فبعد أن تزكو نفسك، تستطيع أن تعكس هذه المعاني الجليلة والعظيمة في نفوس الآخرين.

(*) الشهيد السيّد عبّاس الموسوي (رضوان الله عليه) – من خطبة له في تاريخ 16/11/1991م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع