عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام أخلاقنا: الطلاق حلّ أم مشكلة؟ إضاءات فكرية: فلسطين للفلسطينيين اعرف عدوك: "إسرائيل" وقضيّة أطفال اليمن أسرتي: مهر المرأة: مفاهيم خاطئة أول الكلام: لا يوم كيومك يا أبا عبد الله مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*)

نور روح اللّه: التخلّق بآيات الكتاب (*)

 

من الآداب المهمّة لقراءة القرآن، التي تمنح الإنسان نتائج كثيرة واستفادات غير معدودة، هو التطبيق العمليّ للآيات الكريمة. وكيفيّته أنّه حينما يتفكّر في كلّ آية من الآيات الشريفة، يطبّق مفادها في حاله، ويرفع نقصانه بواسطة هذا التطبيق، ويشفي أمراضه به.

•المطروديّة عن جناب القدس
في قصّة آدم عليه السلام الشريفة مثلاً، يتفكّر الإنسان في مطروديّة الشيطان عن جناب القدس مع تلك السجدات والعبادات الطويلة، فيطهّر نفسه ممّا وقع فيه إبليس؛ لأنّ مقام القرب الإلهيّ مقام المطهّرين؛ فمع الأوصاف والأخلاق الشيطانيّة، لا يمكن القدوم إلى ذلك الجناب الرفيع.

•رؤية النفس والعجب
يستفاد من الآيات الشريفة أنّ مبدأ عدم سجود إبليس هو رؤية النفس والعجب: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12)؛ فهذا العجب صار سبباً لحبّ النفس والاستكبار، وللاستقلال وعصيان الأمر، فصار مطروداً عن الجناب المقدّس. ونحن خطَبْنا الشيطان من أوّل عمرنا ملعوناً ومطروداً، واتّصفنا بأوصافه الخبيثة، ولم نتفكّر في أنّ سبب طرده عن جناب القدس إذا كان موجوداً في أيّ شخص، فهو مطرودٌ أيضاً، وليس للشيطان أيّ خصوصيّة في ذلك. وأنا أخاف من أن نكون شركاء إبليس في اللعن الذي نلعنه.

•تعليم الأسماء
نتفكّر أيضاً من جهة ثانية، لنرى ما هو السبب لمزيّة آدم وأفضليّته على الملائكة، فنتّصف نحن أيضاً بما نطيق بذاك السبب، فنرى أنّ سبب التفضيل هو تعليم الأسماء، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ (البقرة:31). والمرتبة العالية من تعليم الأسماء هي التحقّق بمقام أسماء الله. كما أنّ المرتبة العالية من الإحصاء الذي ورد في الرواية الشريفة: "إنّ لله تسعاً وتسعين اسماً مَن أحصاها دخل الجنّة"(1)، هي التحقّق بحقيقتها التي تنيل الإنسان جنّةَ الأسماء.

يستطيع الإنسان أن يكون مظهراً لأسماء الله، والآيةَ الكبرى الإلهيّة بالارتياضات القلبيّة، ويكون وجوده وجوداً ربّانيّاً، ويكون المتصرّف في مملكته يدا الجمال والجلال الإلهيّين. وقد ورد في الحديث ما يقرب من هذا المعنى من أنّ روح المؤمن أشدّ اتّصالاً بروح بالله من اتّصال شعاع الشمس بها(2).

•الاستفادة الكاملة
وبالجملة، مَن أراد أن يأخذ من القرآن الشريف الحظّ الوافر والنصيب الكافي، لا بدّ له من أن يطبّق كلّ آية شريفة من الآيات على حالات نفسه؛ حتّى يستفيد استفادةً كاملةً، مثلاً: يقول الله تعالى في سورة الأنفال في الآية الشريفة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2). فلا بدّ للسالك من أن يلاحظ: هل هذه الأوصاف الثلاثة منطبقة عليه؟ وهل قلبه يجِلُ إذا ذُكر الله ويخاف؟ وهل يزداد نور الإيمان في قلبه إذا تليت عليه الآيات الشريفة الإلهيّة؟ وهل اعتماده وتوكّله على الحقّ تعالى؟ أو أنّه في كلّ من هذه المراحل راجلٌ، ومن كلّ هذه الخواص محروم؟ فإن أراد أن يفهم أنّه من الحقّ تعالى خائف، وقلبه من خوفه وجل، فلينظر إلى أعماله.

•السالك إلى الله
الإنسان الخائف لا يتجاسر في محضر الكبرياء على مقامه المقدّس، ولا يهتك الحرمات الإلهيّة في حضور الحقّ. وإذا قوي الإيمان بتلاوة الآيات الإلهيّة، يسري نور الإيمان إلى المملكة الظاهريّة أيضاً، فمن غير الممكن أن يكون القلب نورانيّاً، ولا يكون كلّ من اللسان والكلام والعين والنظر والسمع والاستماع نورانيّاً. فالإنسان النورانيّ هو الذي تكون جميع قواه الملكيّة والملكوتيّة منيرة. فمضافاً إلى هداية نفسه إلى السعادة والطريق المستقيم، يكون مضيئاً لسائر الخلق أيضاً، ويهديهم إلى طريق الإنسانيّة. كما أنّه إذا توكّل أحد على الله تعالى واعتمد عليه، فيقطع طمعه عمّا في أيدي سائر الخلق، ويحطّ رحل حاجته وفقره إلى باب الغنى المطلق، ولا يرى سائر الذين هم مثله فقراء ومساكين حلّالين لمشاكله.

فوظيفة السالك إلى الله هي أن يعرض نفسه على القرآن الشريف؛ فكما أنّ الميزان في صحّة الحديث وعدم صحّته، واعتباره وعدم اعتباره، أن يعرض على كتاب الله، فما خالف كتاب الله فهو باطل وزخرف، كذلك الميزان في الاستقامة والاعوجاج والشقاوة والسعادة، هو أن يكون مستقيماً وصحيحاً في ميزان كتاب الله. وكما أنّ خُلق رسول الله هو القرآن، فاللازم للسالك أن يجعل خلقه موافقاً للقرآن؛ حتّى يكون مطابقاً لخلق الوليّ الكامل أيضاً.

وكذلك جميع المعارف وأحوال قلبه وأعمال الباطن والظاهر له، لا بدّ أن يطبّقها على كتاب الله ويعرضها عليه؛ حتّى يتحقّق بحقيقة القرآن، ويكون القرآن صورة باطنيّة.

قال الإمام أبو عبد الله عليه السلام: "إذا جمع الله عزّ وجلّ الأوّلين والآخرين إذا هم بشخص قد أقبل لم يُر قطّ أحسن صورةً منه، فإذا نظر إليه المؤمنون، وهو القرآن، قالوا: هذا منّا، هذا أحسن شيء رأينا، فإذا انتهى إليهم جازهم"(3) إلى آخر الحديث.


(*) من كتاب الآداب المعنويّة للصلاة، الإمام الخميني قدس سره، الباب الرابع- في آداب قراءة القرآن الشريف المطلقة- الفصل الخامس- بتصرّف.
1.التوحيد، الصدوق، ص 195.
2.الكافي، الكليني، ج 2، ص 166.
3.(م. ن.)، ص 602.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع