منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر خيرٌ من ألف شهــر وإليــــك يـــا ربِّ مدَدْتُ يــدي التربية الإيمانيّة فــي الصحيفـــة السجّاديّــة هل الدعاء يردُّ القضاء؟ ادعوني أستجب لكم الدعاء في كلمات الإمام الخامنئـيّ دام ظله  مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*)

خيرٌ من ألف شهــر

حوار مع الشيخ د. أكرم بركات


مرّةً في العام، تمرّ هذه الفرصة النادرة وتقرع أبواب القلب، 18 ليلة قبل أن تأتي، والمهمّة: اغسل قلبك من أدران الذنوب، وارفع ناصيتك تجاه السماء، اعزم وتب واستغفر، وخطّط لرضى الله في باقي عمرك، اخشع واخلع نعال الدنيا، إنّك في الوادي المقدّس "ليلة تنزّل الروح والملائكة"... عن أسرارها، عن تغيير مصيرك، كان لمجلّة بقيّة الله هذا الحديث الرمضانيّ مع سماحة الشيخ د. أكرم بركات.


•ليلة القدر، اسمٌ يوحي بالكثير وبالقدر والمصير، ما سرّ الاسم؟
إنّ ليلة القدر تمتاز بخصائص، منها:

1- أنّها ليلة تاريخيّة، ففيها أنزل الله القرآن الكريم على قلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولهذا فهي ليلة ذات "قَدْر"، وشأن عظيمَين، وتستحقّ لأجل ما حصل فيها أن تُحيا إحياءً لذكرى هذا الحدث العظيم الذي حصل فيها.

2- أنّها ليلة لا تُحصر بالحدث التاريخيّ، بل هي جارية بحدث يجري كلّ عام، يتمثّل بنزول الروح والملائكة فيها كلّ سنة.

3- أنّها ليلة يتكرّر فيها كلّ سنة الخير الكثير والثواب العظيم الذي يتضاعف فيها.

4- أنّها ليلة تقدير الأمور والآجال وأرزاق الناس وغير ذلك.

بناءً على ما سبق، فإنّ تسمية هذه الليلة بليلة القدر تتواءم مع:

1- كونها صاحبة قدر وشأن، ففيها نزل القرآن وهو ذو قدر، بتوسّط ملك صاحب قدر على رسول ذي قدر، لأجل أمّة ذات قدر، فيكون القدر بمعنى الشأن العظيم.

2- تقدير الأمور من آجال وأرزاق وغيرهما فيها، فيكون معنى القدر من التقدير.

3- كثرة الملائكة الذين ينزلون فيها حتّى تكاد الأرض تضيق بهم (معنى مجازيّ)، فيكون القدر بمعنى الضيق(1).

•عن أيّ روح تُنزّل في ليلة القدر تحدّثت الآية المباركة؟
الروح هو كائن عظيم، ذكر الإمام الخمينيّ قدس سره في كتاب الآداب المعنويّة للصلاة أنّه "خَلْقٌ أعظم من ملائكة الله، بمعنى أنّه واقع في الرتبة الأولى من ملائكة الله، وأشرف وأعظم من الكلّ"(2).

واتّجه بعض المفسّرين إلى أنّ المراد من الروح هو جبرائيل عليه السلام(3)، مع الالتفات إلى أنّ نزوله ليس نزول وحي تشريعيّ؛ باعتبار أنّ الشريعة تمَّت والدين أكمل برسول الله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

•ما معنى "تنزّل الملائكة والروح في ليلة القدر؟"
لمعرفة معنى التنزّل هنا، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الملائكة، وكذلك الروح، هي موجودات مجرّدة عن المادّة، فتنزّلها غير ماديّ، بل تجرّديّ، وهذا الأمر يدخلنا إلى المهمّة والموقع اللذين لا بدّ من كونهما مجرّدين أيضاً:

1- المهمّة: يبدو من الروايات أنّها تجريديّة؛ لأنّها تتعلّق بالعلم وهو مجرّد، فعن الإمام الباقر عليه السلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: 4)، قال: "تنزل فيها الملائكة والكَتَبة إلى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون في السنة من أمره، وما يصيب العباد، والأمر عنده موقوف له في المشيئة، فيقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويثبت وعنده أمّ الكتاب"(4).

2- الموقع: أمّا الموقع الذي يتنزّل إليه، فهو الإنسان المعصوم عليه السلام، وحجّة الله في أرضه، فعن الإمام أبي جعفر عليه السلام: "إنّما يأتي بالأمر من الله في ليالي القدر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى الأوصياء: افعل كذا وكذا"(5). وعنه عليه السلام أيضاً: "ينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الأمور سنة سنة، يُؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا"(6). وفي تفسير القمّي: "تنزل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما كتبوه"(7).

والمراد من الإنسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام عليه السلام هو نفسه المجرَّدة؛ لأنّ الملك المجرَّد لا بدّ من أن يكون تنزّله إلى مجرّد. ويفسّر الإمام الخمينيّ قدس سره هذا الأمر من خلال قدرة الكمَّل من الأولياء على "الدخول في الملكوت والجبروت على طور التروّح، والرجوع من الظاهر إلى الباطن"(8).

وعليه، فالملك يتنزَّل والوليّ يتروّح؛ أي يجرِّد روحه من جسده ليحصل التلاقي مع الملك المجرَّد، وبهذا تنكشف له جميع الأمور الملكيّة، وتظهر له الملائكة الموكّلة بكلّ أمر من الأمور في نشأة الغيب، وتنكشف لهم جميع الأمور التي قدّرت(9).

بناءً عليه، فإنّ ليلة القدر ترتبط في عصرنا هذا بالإمام الحجّة صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، فهو من تتنزَّل عليه الملائكة والروح. وهذا ما يرشدنا إلى أهميّة الدعاء له عجل الله تعالى فرجه الشريف في هذه الليلة. ولعلّه سرّ الحديث الموجَّه إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "... اقرأ: إنّا أنزلناه، فإنّها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة"(10).

•ما هو سرُّ عدم تحديد ليلة القدر، والدعوة إلى إحيائها في ثلاث ليال؟
يظهر من الروايات أنّ الدعوة إلى إحياء ثلاث ليال بعنوان ليالي القدر لم ينطلق من الاحتياط بسبب عدم العلم بتحديدها، بل إنّ أهل البيت عليهم السلام دعوا إلى إحياء هذه الليالي الثلاث مع تبريرٍ يدلّ على أنّ لكلّ ليلة شأناً مرتبطاً بالحدث الذي يقع فيها.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "اطلبها في تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين"(11)، وفي حديث آخر له عليه السلام: "التقدير في تسع عشرة، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين"(12).

مع الإشارة إلى أنّ الروايات أرشدت إلى تفاوت في قيمة هذه الليالي، مؤكّدة أنّ القيمة الأكبر للأخيرة، تليها الوسطى(13)، تليها الأولى.

•من أعمال ليالي القدر قراءة دعاء الجوشن الكبير، الذي يحتوي على ألف اسم من أسماء الله، يعقب كلّ عشرة أسماء ذكر نكرّره هو: "سبحانك يا لا إله إلّا أنت، الغوث الغوث، خلّصنا من النار يا ربّ". فما هو سرّ هذه الأسماء؟ وسرّ الذكر بعدها؟
أمّا سرّ الصفات، فإنّ سلوك الإنسان نابع لمعرفته، فهو يتحرّك في ضوء ما يدركه، فقد يكون الإنسان في خطر لا يعرفه، فنراه يخاف ولا يحذر، وقد تتراكم ثروة الإنسان بسبب إرث كبير، لكنّه لا يفرح بذلك؛ لأنّه لا يعلم به، فإذا علم تغيَّرت حاله. وهكذا، فإنّ تفاعل الإنسان مع أيّ شيء ينطلق من معرفته به.

هنا تأتي أهميّة أن نتعرّف على الله تعالى من خلال صفاته، فإنّه كلّما زادت معرفتنا بكمالاته كلّما زاد تفاعلنا وتأثّرنا وسلوكنا، ولا سيّما أنّ معرفة الصفات الكماليّة على النحو التفصيليّ تساهم في التفاعل الروحيّ والسلوكيّ، لنستمدّ تلك الكمالات من فيض عطائه بقدر ما نستطيع تحمّله. هذا في بعض السرّ في الصفات الألف.

أمّا سرّ الذكر وتكراره، فيمكن مقاربته من خلال مقارنته بالذكر اليونسيّ الذي نتلوه في صلاة الغفيلة: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء: 87 - 88).

إنّ الله تعالى يحكي لنا قصّة النبيّ يونس صاحب الحوت (ذي النون)، فإنّه بعد ما التقمه الحوت وأصبح في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، لم ييأس، بل اعتقد جازماً أنّ الله عزّ وجلّ كان يقدر ويضيّق عليه رزقه وهو في باطن الحوت، بل سيرزقه وهو في تلك الحال، ولن يتركه وحيداً؛ فالله تعالى هو الواحد في الفعل والتأثير، القادر على كلّ شيء. فما دام الأثر له وحده وهو يقدر على ما يشاء؛ لذا دعا الله تعالى "لا إله إلّا أنت"؛ أي لا مؤثّر في الوجود إلّا أنت، ولا من يتوجّه إليه في الوجود إلّا أنت، (سبحانك)؛ أي أنزّهك تنزيهاً من كلّ عيب وحاجة ونقص، وأنا أعترف أنّ العيب هو من قِبلي أنا. وعلى الرغم من أنّي لم أقترف إثماً، لكنّني ظلمت نفسي لعدم صبري صبراً أطول على قومي العاصين؛ لذا أقرّ أنّي كنت من الظالمين.

ويعقّب الله تعالى بقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾، وذلك يؤكّد أنّ هذا الأمر لا يخصّ نبيّ الله يونس عليه السلام فقط، بل كلّ إنسان مهما كان مأزقه، ولو كان في ظلمات ثلاث، وكان يعتقد اعتقاد يونس عليه السلام، ويقرّ إقراره، وينادي بندائه، فإنّ الله عزّ وجلّ ينجيه من مأزقه.

أما سرّ الذكر بعد الصفات، فإنّ قصّة يونس عليه السلام تعرّفنا سرّ القول بعد الصفات الإلهيّة: "سبحانك يا لا إله إلّا أنت الغوث الغوث، خلّصنا من النار يا ربّ".

فـ(خلّصنا) من خَلَص الشيء؛ أي نجا وسَلِم بعد أن كان مخالطاً لأمر سلبيّ، ويقال: خلاصة السمن؛ أي ما خلص منه؛ لأنّهم إذا طبخوا الزبد ليتّخذوه سمناً طرحوا فيه شيئاً من تمر ونحوه، فإذا خلص من ذلك الثقل، فذلك السمن هو الخلاصة.

و(أغثنا) من الغوث؛ وهو الإعانة والنصرة عند الشدّة.

وعليه، فنحن ننطلق في دعائنا من كوننا قد علقنا في ذنوبنا بحيث أصبحت هذه الذنوب تمثّل ثقلاً كبيراً، وظلمات بعضها فوق بعض، لذا ننادي الله عزّ وجلّ: (سبحانك) إنّنا ننزهك من كلّ عيب ونقص، فأنت الحكيم الذي تضع الأمور في محالها المناسبة، (يا لا إله إلّا أنت)؛ أنّك الواحد في كلّ فعل وتأثير، (الغوث الغوث)؛ أنّنا في شدّة فأغثنا على الخروج منها.

(خلّصنا من النار يا ربّ)؛ فإنّ النار أصبحت في داخلنا وأصبحت ثقلاً فينا، ونحن نطلب منك أن تخلّصنا من هذه النار فـ(خلّصنا من النار يا ربّ).


1.انظر: مجمع البيان، الطبرسيّ، ج10، ص405.
2.الآداب المعنويّة للصلاة، الإمام الخمينيّ قدس سره، ص510.
3.انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة الطباطبائيّ قدس سره، ج12، ص208.
4.الكافي، الكليني، ج4، ص157.
5.(م.ن)، ج1، ص252.
6.(م.ن)، ص248.
7.تفسير القمّي، ج2، ص431.
8.الآداب المعنويّة للصلاة، (م.س)، ص510- 512.
9.انظر: المرجع السابق.
10.الكافي، (م.س)، ج3، ص486.
11.مجمع البيان، (م.س)، ج10، ص407.
12.الكافي، (م.س)، ج4، ص159.
13.انظر: (م.ن)، ص156- 160.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع