مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*)

 

للقرآن أثر فنيّ لا نظير له؛ بمعنى أنّ جانباً من عظمته وأهميّته يعود إلى الجماليّات الفنّيّة فيه، بل إنّ الشيء الذي، وللوهلة الأولى، جذب القلوب كالمغناطيس نحو الإسلام هو هذا الجانب الفنيّ في القرآن.


•ظاهرة استثنائيّة
لقد كان العرب يدركون موسيقى الألفاظ، وكانوا -أيضاً- على معرفة بلغة الأدب. وفجأةً، شاهدوا ظاهرة بينهم لا تشبه ما كانوا قد سمعوه في السابق، فلا هي شعر، ولا نثر، ظاهرة استثنائيّة. وهذا ما يقول عنه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "ظاهِرُهُ أنيقٌ وَباطِنُهُ عَميق"(1). الأنيق بمعنى الجمال المذهل، الجمال الذي يحار المرء ويُدهش عندما يراه ويواجهه. ليس لدينا هذا التوفيق لإدراك هذا الجمال، لكن يمكن ذلك من خلال الأنس الكثير بالقرآن ومصاحبته الطويلة، حينها سندرك كم هي بليغة وجميلة هذه العبارات. 

•فنّ التلاوة
تارةً نقرأ القرآن في بيوتنا، ولا مانع من أن نقرأه بأيّ طريقة أردنا؛ مع إظهار الصوت، أو دونه. ويبدو أنّ ثمّة توصية بخروج صوت قراءة القرآن من البيوت، لترويجه ونشره في المجتمع، ولشياع الأجواء القرآنيّة. لكن عندما يكون ثمّة مستمعون، كأن تقرؤوا في مجلس ما، فإنّكم تريدون التأثير في المستمع، فهنا يجب استخدام الفنّ، الذي ينبغي أن يلعب دوره، ويؤثّر في المستمع، شريطة أن يجري هذا الجانب من التلاوة الفنيّة بشكل صحيح وبدقّة. على سبيل المثال، أنا أوصي الأعزّاء دوماً أن يتلوا القرآن وكأنّهم يريدون تفهيم معانيه للمستمع. 

•ارتباط الباطن بالأسلوب
بالتأكيد، إنّ الجانب الثاني "وَباطِنُهُ عَميق" مرتبط بهذا العمل الفنّي؛ بمعنى أنّ أسلوب القراءة هذا يمكنه إلى حدّ كبير إرشادنا إلى ذلك الباطن، لكن ينبغي التوجّه والتنبّه إلى باطن القرآن. المقصود بذلك ليس تلك البطون التي لا يعلمها إلّا أهل الذكر وأئمّة الهدى عليهم السلام، فتلك ليست من مهمّتنا -ويجب أن نعمل لكسبها وتعلّمها من الروايات ومن كلمات الأئمّة عليهم السلام ونفهمها- بل المراد هو ظاهر العبارة. مثلاً، يقول تعالى في القرآن: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128). ما معنى العاقبة ونهاية الأمر؟ نهاية الأمر للمتّقين؛ أي نهاية الأمر في الدنيا وفي الآخرة لمصلحة المتّقين. والكفاح إذا أريد الانتصار فيه، فستكون العاقبة للمتّقين، وفي ساحة الحرب أيضاً، إن أردتم الانتصار على العدوّ، فيجب أن تكونوا متّقين، أو يقول مثلاً: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155). ما هو هذا الخوف؟ وما هو هذا الجوع؟ يجب على الإنسان أن يتأمّل في هذه الكلمات والمفاهيم، وهذا هو التدبّر في القرآن، وهكذا يكون. 

•أسرار العالم
يمكن لكلّ شخص أن يدرك هذا العمق حسب قدراته واستعداداته، ومستوى وعيه واطّلاعه وفهمه وذكائه، فلا يتقدّم الكلّ بمقدار ومستوى واحد. نحن أيضاً نستطيع كذلك أن نحظى بشيء، فلنبذل هذا الجهد، ولندقّق كي نفهم المعارف من القرآن. حين يقال: "لنتعلم من القرآن دروس الحياة"، فلا يعني هذا أن نجد في القرآن حتّى قوانين السير والمرور؛ لا، القرآن يزيّن أذهاننا بالمعارف السامية. وحينما يسمو ذهن الإنسان بالمعارف السامية، سيمكنه فهم أسرار العالم كلّها. عندما تدركون أنّ هذه هي معارف القرآن، وأنّها راسخة في ذهن المجتمع، وفي ذهن الناس الذين يعيشون في هذا البلد، أو في ذهن مجموعتنا القرآنيّة في الحدّ الأدنى، عندها تتفتّح أبواب المعارف البشريّة المتنوّعة أمام الإنسان. 

•التفسير ومستوى المعارف 
أمّا مسألة جلسات التفسير، فليجرِ الذين يستطيعون ذلك، وبالأخصّ رجال الدين والفضلاء المحترمين، والذين يأنسون بالقرآن، الدراسات والأبحاث، وليفكّروا ويطرحوا البحوث التفسيريّة ويرفعوا من مستوى المعارف الدينيّة في المجتمع. حين قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9)؛ هذا القرآن يبيّن لكم "الأقوم"، والأقوم بمعنى الأرسخ والأفضل والأقوى والأكثر قواماًـ "الأقوم" في أيّ شيء؟ "الأقوم" في حياتكم الدنيويّة، وفي تحقيق عزّتكم، وفي إقامة حكومتكم، وفي حياتكم الدنيا وحياتكم الأخرويّة التي هي الحياة الحقيقيّة. ينبغي أن يأنس مجتمعنا ورجالنا ونساؤنا وشبابنا بالمعارف القرآنيّة، لتكون هي الحاكمة على الأذهان والعقول. عندها، فسوف تتوافر القدرة على الاستدلال والبرهان، ويكتمل الإيمان، وتؤتي الأعمال ثمارها. 

•قوّة نبرة القرآن 
أعزّائي، نحن بحاجة إلى القرآن، وهو حاجتنا في الوقت الحاضر؛ فهو الذي يعارض الاستكبار والظلم، ويواجه الكفر بالله، ويحارب الطغيان والطاغوت بقوّة: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ﴾ (النساء: 74). كم هي قويّة نبرة القرآن هذه! هذه هي مشكلات البشريّة اليوم. هؤلاء الذين ترونهم يعربدون من موقع رئيس جمهوريّة البلد الفلانيّ، أو ملك البلد الفلاني، ضدّ الشعوب، والناس، والسلام، واستقرار الحكومات والبلدان، هؤلاء هم أنفسهم الذين صرخ القرآن في وجوههم، وهذا ما ينبغي للناس أن يدركوه. يقول القرآن لنا: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113)؛ أي لا تثقوا بالظالمين.

اللّهم اجعلنا من أهل القرآن. اللّهم أحينا بالقرآن، وأمتنا على القرآن، واحشرنا مع القرآن. 


(*) من كلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله في الجلسة القرآنيّة عشيّة حلول شهر رمضان المبارك 06/05/2019م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع