مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

مع إمام زماننا: آثار الانتظار(1)(*)

آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ 


لانتظار ظهور صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف آثارٌ وثمارٌ مختلفةٌ في المجالَين الفرديّ والاجتماعيّ، نورد بعضها في هذا المقال.

•الأمل بالمستقبل
إنّ الأمل بمستقبلٍ مشرقٍ يساهم بوضوح في السعي نحو بذل الجهود الفرديّة والاجتماعيّة. ومن تلك الآثار التي كانت مورد تأكيد على لسان العترة الطاهرة عليهم السلام تحت عنوان الانتظار، ما ورد على لسان أمير المؤمنين عليه السلام حين قال: "انتظروا الفرج، لا تيأسوا من روح الله؛ فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ انتظار الفرج"(1)، وما ورد على لسان سيّد الساجدين عليه السلام حين قال: "انتظار الفرج من أعظم الفرج"(2).

•إصلاح الفرد والمجتمع
مَن يرى أنّ السعي لإصلاح الأمور في زمن غيبة وليّ الله لا فائدة ولا قيمة له، لن يجد الرغبة في مجابهة الطاغوت ومقاومته وتحمّل المشاقّ. وأمّا أهل الانتظار الحقيقيّ، فهم ذوو القلوب المفعمة بأمل ظهور إمامهم، والمؤمنون أنّ الصالحين -طال الزمان أو قصر- سيحكمون الأرض، فيعود الحقّ إلى أهله، ويقضي الله تعالى على جميع ألوان الظلم والجَور الحاكم على المجتمع البشريّ، ويصلح أمورهم، ما يدفعهم إلى إصلاح أنفسهم، والسعي إلى إصلاح أمور المجتمع؛ بقصد الوصول به إلى مستوى المجتمع الذي يناهض الظلم، ويمهّد لأرضيّة خصبة لإيجاد تلك الدولة الكريمة وتشكيلها.

•السعي والنشاط الدائمان
مَن كان من المنتظرين الحقيقيّين لحجّة الله، كان في حال سعي دائمٍ وبحثٍ دؤوبٍ لغرض الوصول إلى الفكر المهدويّ الصافي، والانتقال من الخبر إلى العيان، ومن السعي إلى التحقّق. ومن هذا المنطلق، يكون كلّ مَن له تخصّص ما في مدرسة الانتظار خالياً من أيّ قصور فيما يرتبط بعمله واختصاصه.

•التحلّي بالفضائل النفسانيّة
إنّ مَن عرف حقّاً أنّ إمامه موجودٌ، وأنّه مظهرٌ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 29)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سبأ: 47)، أدرك أنّه في محضر خليفة الله وإمامه المعصوم، كما يدرك حضور الله تعالى على مستوى أعلى ومرتبة عليا؛ وعند ذلك -كما ورد في تعاليم القرآن الكريم- يكون في محضر الله سبحانه ومحضر خليفته. وهذا الحضور يجعله يشعر بحياءٍ وخشيةٍ دائمتَين، فيسعى إلى أن يكون قلباً وقالباً في مشهد الحقّ وإمامه، فيبتعد عن المعاصي والرذائل. ولا يخفى، أنّ هذا النحو من الانتظار يوجب تنزيه روحه واستنارة قلبه أيضاً.

•الاستعداد للظهور
للانتظار الحقيقيّ جملةٌ من الآثار المطلوبة الباعثة على الشعور بالأمل والرغبة في الإصلاح، ما تدفع المنتظر الصادق في هذا الاتجاه؛ باعتبار أنّ وقت الظهور مجهولٌ، ومعه ينبغي أن يكون دوماً واجداً لشروط ظهور المهديّ الموجود الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف ولوازمه. وهذا الاستعداد المزدان بالابتعاد عن التسويف والتأخير تُجاه إصلاح الفرد أو المجتمع، يساهم في تعزيز الفكر الفرديّ والعقل الجمعيّ.

•استحقاق نظرة أهل البيت عليهم السلام
مَن كان من المنتظرين الحقيقيّين لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف -لمكان تأدّبه بالأخلاق الإلهيّة- لا تشوب أعماله شوب الحرام، ولا يقع في مخمصة المعصية، بل يسعى إلى أداء الواجبات والابتعاد عن المحرّمات، فيكون متأسّياً بتعاليم الإسلام الخالية عن أيّ قصورٍ أو تقصيرٍ. فهو يقوم بالواجبات، ويتجنّب المحرّمات، ويسعى إلى فعل المستحبّات وترك المكروهات، فيحقّق مطلوب مولاه، ما يستحقّ عناية إمامه الخاصّة وفيض العترة الطاهرة عليهم السلام.

•تفتّق القدرات الفكريّة
من أسمى أهداف الوجود المبارك لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف إثارة دفائن العقول وكشف كنوز الفكر الإنسانيّ، كما أشارت إليه الروايات الواردة في ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف من بلوغ العلم والوعي إبان الظهور أعلى درجاته(3).

ثمّ إنّ السير الطبيعيّ للعلوم من جهة، والسعي الدؤوب للعلماء وأرباب العقول والفكر من جهة أخرى، من الأسباب المؤدّية إلى تطوّر البحوث والمعارف العلميّة إلى جانب اتّساع دائرة التطوّر الفكريّ، وتفتّق الذهن البشريّ. 

•الوصول إلى مقام الثقة
إنّ المنتظر الموقن بحضور الذات الإلهيّة المقدّسة، المدرك لمحضر إمام عصره، المبادر إلى القيام في ميدان الجهاد الأوسط والأكبر لمحاربة الشيطان الداخليّ والخارجيّ، يمكنه أن يواصل هذا السير ليصل إلى درجة يذكره الإمام المعصوم عليه السلام في أثناء الكلام؛ بقصد الثناء عليه وتشجيع سائر الأصحاب على اتّباع سيره وسلوكه، كما أشار الإمام الباقر عليه السلام بحضور أصحابه إلى كلام أبي ذرّ (رضوان الله عليه). فعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: "كان في خطبة أبي ذرّ..."(4). وأبو ذرّ وإن لم يكن -مع جلالة قدره- معصوماً ليكون كلامه ككلام المعصوم عليه السلام، إلّا أنّ المعصوم عليه السلام نقل كلامه، ما يكشف عن أنّ كلامه حقّ ومحلّ ثقة.

•نيل وسام "منّا أهل البيت"(5)
إنّ المقام الشامخ للعترة الطاهرة -الذي هو مقام محمود عند الله(6)- يمثّل أعلى مراتب القرب الإلهيّ، وهو أمل كلّ مؤمن ذي معرفة. والاستقرار في هذا المقام؛ أي في مقام العترة الطاهرة عليهم السلام ورتبتها، وإن كان غير ميسور ومقدور للأفراد العاديّين، باعتبار أنّ لحقيقة كلّ موجود مراتب، إلّا أنّ الورود إلى ذلك المقام متيسّرٌ بحسب المرتبة الوجوديّة لكلّ سالك صادق.

والمنتظرون الصالحون الصادقون لظهور الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، هذّبوا أنفسهم في طريق الجهاد الأوسط والأكبر، فنالوا رضى أهل البيت عليهم السلام، فشملتهم نظرتهم الرحيمة، وأحالت كيمياء العترة الطاهرة معادنهم إلى معدنٍ نفيسٍ، ما جعلهم ينالون شرف المرتبة الوجوديّة لمقام أهل البيت المحمود، ويوشّحون صدورهم بوسام الفخر "منّا أهل البيت".

(*) مقتبس من كتاب: الإمام المهديّ الموجود الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآمليّ، الباب الثاني- الفصل الرابع: الانتظار: أبعاده وتكاليفه- بتصرّف.
1. الخصال، الصدوق، ص 616.
2.كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ج 1، ص 437.
3.عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: "إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم"؛ الكافي، الكليني، ج1، ص25. وقال أبو عبد الله عليه السلام: "العلم سبعة وعشرون جزءاً، فجميع ما جاء به الرسل جزءان، لم يعرف الناس حتّى اليوم غير الحرفين. فإذا قام القائم أخرج الخمس والعشرين حرفاً، فبثّها في الناس وضمّ إليها الحرفين حتّى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً"؛ انظر: بحار الأنوار، المجلسي، ج52، ص336.
4.بحار الأنوار، (م.س)، ج2، ص51-52.
5.الكافي، (م.س)، ج1، ص181، كتاب الحجّة.
6.كامل الزيارات، ص177.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع