مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

سكن في القلب(2)

فقيد الجهاد القائــد أبــو علــي فرحات
محمّد لمع


الشعر الأبيض، رسول الرحيل، بدأ ينذِره منذ أعوام. ومع تزايده كلّ يومٍ، خرجَ الرجل عن صمته، وقرّر البوح بمكنوناته بعد صومٍ طويلٍ. لكنّ صحوته وإن كانت خيراً من أن لا تأتي أبداً، جاءت متأخّرةً، فلم يرتوِ جيش الطالبين بالكشفِ عمّا تختزنه ذاكرة الرجل من مآثرَ وملاحمَ وبطولاتٍ، ولا ما احتواه قلبُه من مشاعرَ وأحاسيسَ وعواطفَ خلال مسيرته في صفوف المقاومة.

وكما أينعت سنابل حزيران باكراً، رحلَ أبو علي قبل أوان الحصاد.

•وجع الرحيل
موجعاً كان الرحيلُ، مؤلماً حدّ الصراخ، ومفاجئاً حدّ الذهول، مثل مطرِ أيلولَ يأتي دون إنذارٍ.

وبقدرِ ما كانت وفاته صادمةً، كان موته هادئاً، فقد وجدوه ينام في حضنِ صافي فوق التراب الذي عشقَ، والأرض التي أحبّ.

هكذا رحل والد المحاور والمجاهدين دونَ صخبٍ ولا ضجيج، فارساً مارداً كبيراً، في لحظةٍ خياليّةٍ، أوقف جواده، نزل عنه، ثمّ غفا.

لم يعد للكلام معنىً، فقط الحسرة على ما فرّطتُ بلقاءاتٍ كنتُ أؤجّلها وكأنّي لم أحسب للموت حساباً. كان الكنز أمامي، فقط كان عليّ أن أفتحَ يديّ وأغترفَ منه.. لكنّي تأخّرت.

•"سأصحبك إلى القصر"
وبقدر الحسرةِ والندم، قادني الشوق إليه. ثمّ جاء يومٌ وقفتُ فيه عند الضريح. جثوتُ على ركبتيّ، ناجيتُه: "ها قد جئت يا أبتِ، تأخرت لكنّي جئت. أكمل ليَ الحكاية. قم وخذني إلى المغارة يا أبا عليّ".

لكنّي كنت قد تأخّرت، فنظرتُ في عينيه وبكيت لأوّل مرّةٍ منذ رحيله. وبعدَ ساعةٍ، سمعتُه يقول من خلف حجاب: "يا صبي، وعدتك بالزيارة، وأنا عند وعدي. انتظر منّي ما تحبّ. وعُد، لا تتأخّر هذه المرّةَ أيضاً. سأصحبك إلى القصر".

•رحلة بصحبته
بعد أيّامٍ من زيارتي الضريح، يرنّ هاتفي:

- "قد استُجيبَ طلبُك، سنذهب إلى القصر يومَ الثلاثاء الساعة الثالثة عصراً".

- "ممتاز يا حاج طه، ومَن دليلُنا؟".

- "الحاجّ أبو أحمد، وهو يطلب أن تأتيَ وحدك، هي زيارةٌ خاصّة جدّاً".

- "الحاجّ أبو أحمد بذاته؟ يا الله سأكون عندكَ قبل الوقت!".

أبو أحمد! أخوكَ يا حاجّ أبو علي ورفيق درب الجهاد الطويل! ما أسرعَ ما وفيتَ بالعهد! سأزور القصر، وبرفقةِ مَن يحمل بين جنبَيه قلبَك، ويسري في عروقه دمُك، ويعرفُ أخباركَ كلّها، وشارككَ كثيراً من مهامك! ستكون رحلةً بصحبتك، ستكون كذلك.

- "سيكون معيَ السيّد علي وقاسم، أخوايَ وحبيبا قلبي، وهما التقيا بالحاجّ مرّات عدّة في مليتا، ويحبّان زيارة المكان".

•صنع الله الجميل
تَبعنا الشاحنة التي قادها أبو أحمد، وعند أطراف اللويزة لجهة مليخ توقّف وركنها، ففعلنا فعله. دقيقةٌ وكنّا نحن الأربعة نتجهّز للمسير.

مشى أبو أحمد أمامنا، فبدا من الخلف مثل أخيه تماماً. جسدٌ ممتلئٌ لكنّه مشدودٌ، وقامةٌ طويلةٌ مُهابة، وفي يده عصاً زادت في هيبته، وعلى رأسه قبّعةٌ خضراءُ، فظننتُني من مظهره أمشي خلف الحاجّ أبي عليّ.

- "من هنا، اتّبعوني".

- "القصر يا أبا أحمد؟ نراك انحرفت عن الطريق!".

نتبعه، وننحني لندخل بين دهاليزَ صنعها اللهُ، وبعناءٍ نصلُ فناءً ارتفعت الحواجز الصخريّة من حوله، فيه بقايا أخشابٍ وخِرقٌ تلعب بها الرياح، وبعض علبِ طعامٍ. نسأل عنها، "هذه من أقدم النقاط التي تمركز فيها المجاهدون، على أثر الانسحاب عام 85". أخذتُ أثراً من بطّانيةٍ، شممتُها فعانقَ جبيني السماء. كيف لا وقد سجدت جباههم عليها، وشربت بعضاً من نجيعهم.

وفي الطريق أيضاً، كوّةٌ بين سنديانتَين تظلّلان مَن جلس إليهما، تنظر من الفتحة فينفتح المدى على تلال بئر كلّاب وكسارة العروش، وينبسط سهل عقماتا ومروجها أخضر كمروج القمح وصولاً إلى سجد. 

•"المغارة هنا"
يمشي أبو أحمد، ويومئ بيده: "انتظروني".

يغيب في الغابة، ثمّ يظهر: "ليس في هذا الاتّجاه بل من هنا، إنّ كثافةَ الشجر وتشابهَ الصخر يجعلك تضلُّ الطريق".

سرنا والعجب يتملّكنا، كيف كان أبو عليّ يصل قصرَه ليلاً وفي الضباب؟! ترى هل قذف الله في قلبه نوراً يهديه، أم سخّر له في الطبيعةِ قوّة جذبٍ تجعله منشَدّاً إلى الصراط المستقيم؟!

وعند شفا جرفٍ وقفنا، وأشارَ أبو أحمد بيده: "من هنا خذوا حِذركم، سنهبط الوادي، المكان شديدُ الوعورة".

لم يبقَ غصنُ سنديانة إلّا صفعنا، ولا نبتة قندولٍ إلّا جرَحنا شوكُها. ترى كيف كانت تصنع مع أبي عليّ؟! كيف كانت تتفتّحُ أمامه رياحينَ وأقحواناً؟ لعلّ هذه الغابة لا تعرف غيره فتقف سدّاً في وجه الغرباء. لعلّها منذ انقطعَ عن زيارتها أقفلت بابها وأعلنت الحزن الطويل. لم تعرف الأرض دعساتنا ولم تألفها، فزلّت أقدامنا مرّاتٍ كثيرةً، وانزلقتُ ورفاقي حتّى كدتُ أتدحرج لولا معاونة العصا وأبي أحمد الذي كان ينتصب كالطود أمامنا.

وبعد ساعةٍ، وقف قائدنا أمام جذع شجرةٍ كبيرةٍ تظلّل شيّار صخرة عظيمة، فوقف موكبُنا خلفَه، ثمّ أشارَ وقال: "ها هي، المغارة هنا"!

- "أين يا أبا أحمد، مستحيلٌ ما تقول، لا نرى مغاراتٍ ولا أبواباً!".

- "اتبعوني، وافعلوا مثلي".

•أسرار المغارة
انقلب أبو أحمد على ظهره، وجعل يُدخِل قدمَيه في فتحةٍ لا يزيد قطرها على نصف المتر. تدحرج قليلاً، ثمّ غاب في التجويف وصاحَ بنا أن اتبعوني.

على خطى أبي أحمد، سرتُ ورفيقيّ، ولمّا صرتُ أزحف على ظهري، بدأت أسرار المغارة تتفكّك أمامي. "ينحني ويزحف من يدخلُها، هذه المغارة لا يدخلها الجبّار العنيد، سيكون عليه كسرَ كلّ ما شمخ في نفسه وتحطيمَ ما تجمّعَ من حبّ الدنيا في قلبه".

هوَت قدماي مقدار درجتين، فشعرتُ بيدِ أبي أحمد ترشدني إلى جواره.

- "قف الآن، أنت داخل المغارة، بعد قليلٍ يعتادُ بصرُكَ على الظلمة فترى، أهلاً بك في القصر".

ومن مكاني رأيتُ ضوءاً يتسلّل من أعلى المكان، نظرت باتّجاهه، فأفرجت الظلمة عن طاقتَين تشبهان أبراج المراقبة، تلعبان دور المصابيح.

- "هل هاتان الفتحتان من صنع الحاجّ؟".

- "لا، بل من صنع الله".

- "سبحان الله، لم يخلق ربّي هذا عبثاً".

بعد قليلٍ، صار باستطاعتنا الرؤية بوضوح، فوجدتني في بهوٍ كبيرٍ ذي سقفٍ عالٍ يشبه القبّة ويتوسّطه صخرةٌ ضخمةٌ. 

- "من هنا"، خرق أبو أحمد صمتَ الذهول الذي أصابنا، "سأريكم الغرفةَ الثانية".

أمسكتُ بيده وصعدتُ درجاتٍ عدّة، ثمّ استعنّا بضوء آلة التصوير لنرى. في زوايا الغرفة الثانية بقايا مسامير وأوتاد في الجدران، كان المجاهدون يعلّقون عليها ثيابهم. شممت رائحة بعضها، ففاح في أنفي عطر العرقِ المخثّر المجبول برطوبةِ المكان وعبق الأزمنة، وقلت في نفسي: "كيف على مَن شمّ ريحكم ألّا يسموَ ويعلوَ ويقبّل الأرض التي وطئتم؟". 

•بَوح القصر
على ضوء آلة التصوير أيضاً، رأينا صواعدَ ونوازلَ كتلك التي في جعيتا، تُرى كم عمر هذه المغارة؟! هل خلقها الله وصوّرها منذ ملايين السنين ليسكنها أبو عليّ وصحبه؟ ترى مَن يكون أبو عليّ؟ لقد ساقني اللهُ لأتعرّف إليه قبل رحيله، كشفَ لي بعضاً من أسراره، لكنّه لم يحدّثني مَن يكون، واليومَ يبوحُ القصر بما أخفاه عنّي.

ما زال صوت الدعاء يتردّد بين الصخور والنوافذ، وما زالت مواضع السجود تحمل نقش الجباه المعفّرة بالتراب، وما زال طيف أبي عليّ يملأ المكان. رأيته هناك في كلّ حبّة ترابٍ، وفي كلّ ذرّة ضوءٍ، وسمعت صوته في كلّ زقزقةِ عصفورٍ عند الباب. هذا كان قصرَ المقاومة، وأبو عليّ كان سيّد القصر!

مع الغروب كنّا نعودُ أدراجنا، وخيوط الشمسِ الأخيرة تترك حمرتها على وجهِ أبي أحمد الأسمر فتزيده ألقاً ومهابةً. ودّعناه ورجعنا من حيث أتينا، وطيف أبي عليّ يجتاح تفكيري كلّه.. هذا المارد أمضى عمرَه في هذا الكهف وقد أسماه القصرَ، فيه جمع السلاح، ومنه رمى الطلقةَ الأولى معلناً الدخول في زمان المقاومة، وفيه دعا الله أن يبنيَ له بيتاً في الجنّة، ولا أراه سبحانه إلّا وقد بنى له قصراً بين الشهداء، ليصيرَ بحقٍّ سيّد القصرَين.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع