مع الإمام الخامنئي: الرسول مظهر الوحدة الإسلاميّة(*)  نور روح اللّه: آداب القراءة في الصلاة مع إمام زماننا: وظائف المنتظرين(4)(*) قرآنيات: تفسير سورة الماعون (1)(*)  أخلاقنا: الأسرة والحاجة المعنويّة(*) تعزية عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام

حكايا الشهداء: سكن في القلب (1)

الشهيد القائد أبو علي فرحات

محمّد لمع


"بدأ الصهاينة اجتياح منطقة الإقليم. سلكوا طريق عربصاليم، فجرجوع وعين بوسوار، ثمّ جباع. تأخّروا قليلاً عن دخول خطّ اللويزة صعوداً صوب بلدات جبل الريحان، ليلتقوا بالقوّة المتقدّمة من صوب العيشيّة. كانت فرصةً لنا لتهريب بعض السلاح ودفنه في أحراج البلدة. بنادق كلاشينكوف، وبعض القنابل اليدويّة، وطلقاتٌ قليلة، وبعض الجعب العسكريّة، من أيّام المعارك الفائتة، جمعتُها وصعدت بها الجبل، وخبّأتها".

"كلامك في قلبي"
استوى أبو علي في كرسيّه قرب الموقد، وأغلق عباءته الشتويّة على جسده الممتلئ، ثمّ نظر إليّ وقال: "عَمْ تسجّل الكلام أو قاعد تتسلّى بحكياتي؟".

نظرتُ في وجههِ وكانت النار تضيء نصفه من ناحية الموقد، بينما يستولي الظلام على النصف الثاني، فرأيتُ عينَينِ تلمعانِ كحجرِ درٍّ نجفيٍّ مصقول، تتوسّطان قسماتٍ محفورةً مثل قساوة صخر اللويزة، أخاديدَ لم تكن ابنةَ اليوم ولا الأمس، وكأنّه رجلٌ دهريٌّ من كتب التاريخ، هرب من إحدى صفحاته المجيدة ليستقرّ في الزمن الحاضر.

لم أعرف بمَا أجيبه، هل هو يمازحني، أم يقسو عليّ بكلماته؟ لم أكن قد أدركتُ كنهَهُ بعد، لكنّي أحببته، وحاولت أن أكونَ كيّساً قليلاً، فاحتفظتُ بجرأتيَ المعهودة، واخترت طريقاً وسطاً: "مش عم سجّل عالورق، بقلبي عم ينحفر. كمّل كمّل".

سيّد القصر
"أسميتها القصر تهكّماً. لأمراء الحرب والأغنياء قصورهم، وللمجاهدين كهفٌ صغيرٌ وصخورٌ وسنديانٌ، ذلك كان قصرُنا الذي منه كانت الطلقة الأولى بعد الاجتياح.

أبو محمّد الإقليم، وفلان وفلان (ما زالوا أحياء) وأنا، عملنا على تشكيل المجموعات الأولى، كانت عمليّاتنا بسيطةً وابنة ساعتها، بلا تدريبٍ ولا عتادٍ ولا دعمٍ ولا مال. هكذا اشتعل الإقليم في وجه الغاصبين، وهكذا بدأنا".

- "والقصر؟ ما هو يا أبا علي؟ أريد رؤيتَه!".

- "هيك؟ ببساطة؟ القصر لا يزوره إلّا الملوك. تأدّب يا صبيّ". هذه المرّة، لم أنتظر تفسير الكلمات منه، فأبو علي قد سكن القلب وأسرَ صاحبَه، وكلامه هذا لا يبوح به إلّا لمن أحبّهم ووثق بهم.

السفر الطويل
دخلَ في صمتٍ طويلٍ، وكأنّه يسافر بوجدانِه كلّما أتى على ذكر البدايات، فلا يقدر على الكلام قبل أن يعود من سفره. علمتُ أنّني في حضرةِ رجلٍ تاهت روحُه بين زمانَين، قلبُه ما زال هناكَ في شخروب الصخرة المتراس، وجسدُه هنا يستوي داخل كرسيّه المخمليّ، متى أتاه خبر الماضي ارتعدَ وتغيّر لونُه، وكأنّه وحيٌ ينطق، أو على وشك البوح بسرّ الأسرار أو بكلامٍ قدسيٍّ.

شريط الذكريات
لم يكن أبو علي الجالس أمامي حاضراً كلّه هنا في الغرفة. لقد تعلّق قلب الرّجل بغابات السنديان، وسكنت روحُه الخنادقَ والمغارات، ولم ينتمِ إلى غير ذاك العالم، المسمّى: محاورَ الجهاد.

عن بداية البدايات تحدّث، عن دخول أوّل دبابةٍ تحمل ساتراً برتقاليّاً على مقدّمتها، إلى اللويزة. دخلتِ الدبّابة الأولى فدنّست الطريقَ، ولوّثت الهواءَ، وسمّمت الماء، وقتلت الصعتر، وارتعد لمرورها ورقُ السنديان، فألقى حمله من البلّوط الذي ما كان قد أينعَ بعدُ ذلك الحزيران اللاهب.

لا ينظرُ أبو علي في عينيْ محدّثه إلّا ما ندَر. يتوه وجهه بين أمواج بحر الذكريات، وعيناه ثابتتان على مشهدٍ يراه أمامه. وعلى وجهه المنير بضوء الموقد كنتُ أرى الدبّابةَ والمغارةَ، وبصوته سمعتُ هدير المحرّك الغاصب، وقرقعة السلاح الذي يحمله إلى قصره.

كان يحكي ويحكي ويصمت، حتّى خلتُه قدّيساً ومعلّماً، وأنا التلميذ بين يديه. لم تسقط كلمةٌ ممّا قال إلى الأرض، بل وقعت جميعُها في قلبي.

الانطلاقة الأولى
"الشيخ راغب، قال لي إنّ اللويزة هبةٌ من الله، ولعلّه خلقها خصّيصاً لاحتضان الشرفاء".

صدقَ الشيخُ الشهيد يا أبا علي، لا يخلق اللّه عبثاً؛ تلك الصخور والمغارات جعلَها منذ بداية الخلقِ، ليأتيَ زمانٌ يبعث فيها عبداً له ذا بأسٍ شديدٍ يسكنها مع أصحابٍ لا يعلم عدَدَهم إلّا هو، يؤمنون بالله ورسوله، وعلى أيديهم يكون الفتح. لبثوا فيها بضع سنين، ولم يخرجوا إلّا بعد زوال الظلم والاحتلال.

يكمِل: "محور الشهيد، أسميناه كذلك بعد ارتقاء أوّل شهيد. خرج المحتلّون وتأسّس المحور، فغدا مهوى أفئدة المؤمنين، من جبشيتَ أوّل الفتيان أتَوا يسعون، ومن عربصاليمَ وحومين جاء الشباب الأوائل للدعم والمؤازرة. أبو أيّوب حفر أوّل الخنادق، فكان فينا كسلمان مع النبوّة.

توسّع المحور، وصار صافي ومليتا توأميه مع عقماتا ونبع الطاسة، لكنّ الصهيونيّ سبقنا إلى جبل الرفيع. كانت خبراتنا قليلةً، الرفيع عارضٌ أساسيّ، كلّفنا أكثر شهدائنا فيما بعد.

من عربصاليمَ كنّا نأتي إلى هنا، مع النهر الذي شربَ أرواح كثيرٍ من إخوتنا، لكنّ آلة القتل كانت تتربّص بنا في درب صعودنا إلى مليتا، فحفرنا الخندق.

هكذا واجهنا، بمحورٍ يرقد بين عاليةِ الجبال في صافي وعقماتا ومليتا، وقلبه النابض اللويزة التي غادرها أهلها لتصيرَ امتحان النفوس الأبيّة".

"احكِ لي"
"أريدك أن تكتبَ بحبر القلب لا القلم، النصر والتحرير فرحةٌ يعيشها جميع الناس، لكنّ قلّةً منهم تعلم كيفَ أتى هذا النصر، وقليلون نادرون يعلمون كم كان ثمنه غالياً".

صمتُّ احتراماً لهدأة عينيه، وتركته قليلاً يستعيد وجوهاً رافقها وكبرَ معها، وشاركها الخندق ذاته أو الحفرةَ ذاتها. وجوهاً ألِفها، وقاسمها كسرة الخبز اليابس يوم الحصار والنار، لم تكترث لقلّة العدد، ولم تفكّر في غير أداء الواجب تجاه الوطن والدين والإنسان، ولم ترَ غير واحدةٍ من سعادتين: نصرٍ أو شهادةٍ.

- "كم كلّف يا أبا عليّ؟".

قطعت عليه سكونه، فقال: "كثيراً كثيراً. أخاف أن لا تفهم مهما شرحت لك".

هنا سكتُّ، واستعرت منه صمتاً وتنهيدةً، ثمّ نظرت صوب جبل الريحان وقلت: "أتخشى أن لا يفهمك من له عند منعطف الريحان مصطفى الذي اختلط دمه بزهر القندول، وقرب سجد عبّاس الذي عادوا به برائحة الصعتر، وفي جبل الرفيع ترك سالماً ينام ثلاث ليالٍ تحت المطر؟! أتخاف أن لا يفهمك من وجدوا قلبَه (مصطفى نذر) يطفو على وجه ماء النهر في ليلةٍ من ليالي كانون؟!

وأبو عيسى، هل تعلم من وماذا كان لي؟ إنّ روحيَ ما زالت عند أسفل الشجرة قبالة جبل الشيخ. هناك حيث عرج.

حدّثني يا أبا علي، إنّ الذي أمامك هو ما تبقّى من إنسانٍ راح يموت على مراحل. كلّما دفنوا له رفيقاً، راح معه جزءٌ. احكِ يا أبا عليّ. احكِ".

"اكتب يا محمّد"
قرّبني منه وعانقني، وتلك كانت أبلغَ الحكايات.

"إنّ المقاومةَ ليست قصّةً نحكيها، ولا روايةً من روايات الحرب نسردها، هي حكايات شبابٍ انقضى بين صخور هذا الوادي، وعيونٍ ما غفت في البارد من الليالي، ورؤوسٍ توسّدت التراب وجذوع الأشجار".

صمتَ قليلاً وأردف: "هي حكاية خبزٍ عُجنَ بالمتشقّق من أيادي نسوةٍ آمنت أنّ هذه الثلّة كانت على حقّ، لم يخضنَ بكلّ ذلك الجدل الذي اندلعَ بعد الاحتلال، فقط نظرنَ كيف كان يصون آباؤهنّ كلّ حبّةِ قمحٍ وذرّة ترابٍ ليُعلنّ موقفهنّ المقاوِم.

لم يكن النصر واضحاً ولا قريباً، لكنّ هؤلاء الشباب كانوا يرونَه، قريباً تارةً، كزرعٍ صيفيٍّ يرونَ جني ثماره بأمّ العين، أو بعيداً كشجرةِ صنوبرٍ تنمو على مهلٍ ويقطف ثمارها من سيأتون، فيترحّمون على زارعها تارةً أخرى.

كانت المقاومة قضيّة صراعٍ بين حقٍّ وباطلٍ، وواجباً اضطلعوا فيه، وحملوا وزره، وتحمّلوا لأجله العناء والغربة عن الأهل والولد ورغد العيش.

اكتب يا محمّد، أنّ المقاومةَ زغردةُ أمٍّ جاؤوها بوحيدها شهيداً، فنثرت فوقَ رؤوس الناعينَ ياسمين الدارِ، وأبٌ جلسَ في زاويةِ الدارِ تحت صورةِ شابٍّ ذي لحيةٍ ما نبتَ أكثرها بعدُ، يحتضن يتيماً ويمسح على رأسه، ويشمّ ما علقَ فيه من رائحةِ أبيه.

اكتب، إنّنا كنّا نعضّ على جراحنا، وندفن أكبادنا رفاق دربنا في النهارِ، ولا نبكيهم إلّا في الليل ولا يُسمعُ لنا صوتٌ، ونكمل ما بدأوه في الصباح.

اكتب يا محمّد. اكتب، ليعلمَ أكثر الناس ما هي المقاومة"!
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع