مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

الديمقراطية المرنة "Elastic Democracy": استراتيجية المشروع الاستكباري‏

موسى حسين صفوان‏

 



هل هي القيم الديمقراطية، بما تمثله من منظومة قانونية ودستورية تتسع لتشمل كل هذا التنوع في أساليب ممارسة السلطة، أو قل "تسيح" حتى تصبح سائلة تماماً فتتخذ شكل الإناء الذي توضع فيه، أو الدولة التي تمارس على مساحتها الجغرافية والديموغرافية؟ أم هي الطريقة الأميركية المبدعة التي ما برحت تضيف إلى الأطر الديمقراطية مفاهيم وقيماً جديدة، يتم تعليبها وتوضيبها وارسالها تحت عنوان نصائح بريئة جداً ومحايدة وصديقة للغاية، يحملها موظفو وزارة الخارجية الأميركية ويوزعونها متجاوزين كل البروتوكولات والأعراف الدولية، وغير عابئين بسيادة شعوب تلك البلدان ؟!!

لم تعد هناك مشكلة تقنية، على الأقل، تؤدي إلى اصطدام قيم الديمقراطية المعمول بها في العالم، هنا أو هناك، بالمصالح القومية للولايات المتحدة الأميركية أو بعض حلفائها، فقد باتت الديمقراطية تتمتع بكثير من المرونة إلى درجة يمكن أن نطلق عليها اسم: الديمقراطية المرنة Elastic Democracy أو الديمقراطية المطاطة Rubber Democracy، أو حتى الديمقراطية السائلة Liquid Democracy، والتي تستطيع اتخاذ شكل الوعاء الذي توضع فيه!!! ولكننا هنا نحتاج إلى القليل من الدراية للتعرف على المصطلح، فهذا النوع من الديمقراطية لا يناسب شكل البلد الذي يوضع فيه تماماً، بل يناسب شكل المصالح الأميركية التي تخطط أميركا وحلفاؤها للحصول عليها من ذلك البلد...  طبعاً، لا نقصد بعبارة "الحلفاء" هنا أياً من دول العالم الثالث مهما عظم شأنها، فهي جميعاً كيانات (محظوظة) تنعم "بالعيش الهني‏ء تحت أفياء المظلة الأميركية العريضة... ولن نبذل جهداً للبحث عن حلفاء أميركا في مشروعها (الحضاري) الذين يحملون لواء الديمقراطية معها... فهم الدول الصناعية الكبرى المتشاركة معها في المشروع الاستعماري الجديد، الذي يهدف إلى تحويل منطقتنا إلى بؤرة توتر تمهيداً لبسط سيطرتهم عليها... وهم على أي حال يشاركون في المغنم والمغرم ولكنهم لا يشاركون في السلطة والسيادة واتخاذ القرار، ويبدو أنهم مقتنعون بهذا القدر من المشاركة...

*لماذا الديمقراطية المرنة؟
يقضي المشروع الأميركي باستمرار الهيمنة العسكرية والسياسية على منطقتنا بهدف الاستفادة من ثرواتها الطبيعية التي تعتبر الشريان الرئيسي للحضارة البتروكيماوية الغربية من جهة، ومنع أية تطورات سياسية محلية أو حتى خارجية تؤدي إلى تغيير موازين القوى في المنطقة لغير صالحها من جهة أخرى، ولهذا عمدت دوائر القرار إلى حياكة سيناريوهات خطط، وخطط بديلة، لضمان استمرار سيطرتها، ودفع الاحتمالات كافة التي تؤدي إلى زعزعة تلك السيطرة، ومن تلك الخطط ما ظهر على شكل: النظام العالمي الجديد، ومكافحة الإرهاب، وصدام الحضارات، ونشر قيم الديموقراطية لمحاربة الاستبداد والديكتاتورية. وما تزال تهب علينا موجات ثقافية وسياسية من ناحية الغرب ليس آخرها ما عرف بالفوضى الخلاقة، والتي تعني استمرار التوتر ولكن بطريقة مدروسة وتحت السيطرة بهدف إعادة رسم خريطة المنطقة من خلال زج العديد من الاعتبارات القومية والقبلية والمذهبية والعرقية، لخلق كيانات فدرالية أو كونفدرالية لا تستطيع أن تقوم بنفسها ما لم تستمد عنصر قوتها من ترسانات الأسلحة الأميركية، وبالتالي تنضوي في إطار خطة شاملة للمنطقة تحفظ مصالح الحلفاء الجدد، بل مطامعهم في ثروات المنطقة، والتي لم تعد تكتفي بحدود أو معايير لنهب تلك الثروات. ولكن الفوضى الخلاقة لا تستطيع بما هي سياسة انتقالية، أن تستمر إلى وقت طويل، أولاً لأن المحتلين لن يستطيعوا طويلاً إيجاد الذرائع الكافية لاستمرار وجودهم العسكري، على الأقل أمام شعوبهم، وثانياً: لارتفاع كلفة الوجود العسكري التي باتت تشكل عبئاً كبيراً على ميزانيات تلك الدول، رغم المبالغ الكبيرة التي تتدفق إليها من خزائن الدول الواقعة تحت الاحتلال... ولكن تقليص الوجود العسكري، الذي بدأت بوادره الآن، لا يعني تقليص مستوى السيطرة ولا يعني إعطاء مساحة كافية للحرية والديمقراطية لتحكم تلك الشعوب المتوهمة بقرب الفرج الأمريكي نفسها بنفسها، فالذئاب لن تتوب عن لحم النعاج، ولكن ما العمل إذا جاءت الآليات الديمقراطية المعمول بها بقوى تتمتع بمقدار من السيادة والسلطة لا يتناسب مع المشروع الإستكباري المرسوم للمنطقة؟ من هنا كانت الحاجة ماسَّة لابتكار آليات ديمقراطية جديدة قادرة على خدمة مصالح الحلفاء وعلى رأسهم أميركا... ولم تكن تلك الآليات سوى ما نحاول أن نعرِّفه بالديمقراطية المرنة...

* إستراتيجية غير معلنة
طبعاً لم يعلن أحد اعتماد مثل هذا النوع من الديمقراطية، لأن ذلك يتنافى بشكل قاطع مع روح الديمقراطية التي هي حكم الشعب وخيار الشعب، ولكن الوقائع التي يمكن قراءتها من خلال ما شهدناه من أحداث (ديمقراطية) على امتداد العام الماضي، تشير بشكل واضح إلى ذلك، وإلا فكيف نفسر الجولات المكوكية لموظفي الخارجية الأميركية في كل من لبنان وفلسطين والعراق وغيرها من دول المنطقة. وكيف نفسر الإصرار الأميركي على إجراء الانتخابات في موعدها في لبنان من ناحية، والإصرار على تأجيلها في فلسطين؟ وكيف نفهم اتهام الملايين في إيران ووصفهم بالأصولية والإرهاب، وإطلاق صفة الديمقراطية والتحرر على بضع عشرات من الشباب المتظاهرين في الحرم الجامعي؟ أو كيف نفهم التعاطي الديمقراطي في العراق؟ هذا إضافة لما شهدناه في الأعوام الماضية من التدخلات (الديمقراطية) في الجزائر وتركيا ودول الخليج، خاصة السعودية وأخيراً جمهورية مصر العربية... لم تعد الأنظمة التي رسمتها معاهدة "سايكس بيكو" قادرة على تحقيق المصالح الأميركية من خلال تركيبتها الديموغرافية والسياسية، فصارت الحاجة ماسة للتدخل المباشر من خلال خلق ظروف مؤاتية لإعادة رسم خارطة المنطقة، على أسس (ديمقراطية)! ملائمة لاستمرار النفوذ الأميركي، واستمرار تدفق ما بقي من ثروات المنطقة إلى مستودعات الغرب الأميركي وحلفاء المشروع الأميركي، ولن يكون ذلك إلا بخلق ديمقراطيات مختلفة الأحجام والأشكال وذلك في إطار أجواء مشحونة بالفوضى الخلاقة، وهذا ما استدعى اعتماد استراتيجيات غير معلنة يمكن أن نطلق عليها اسم الديمقراطيات المرنة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع