مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

صفات عباد الرحمن(9): "لم يخرُّوا عليها صُمَّـاً وعُميـاناً"

آية الله الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي

 



من جملة صفات عباد الرحمن، التعلق الكامل بالآيات الإلهية والتأمل فيها، وعدم التعاطي معها بشكل أعمى ومضطرب. ويقابل هؤلاء، المشركون الذين يقابلون الآيات الإلهية بالعمى مع أنهم يمتلكون في الظاهر آلة باصرة، فلا يرون الآيات ولا يسمعونها. هؤلاء المشركون يمتلكون أعيناً وآذاناً ظاهرية، إلا أنهم لا يتمتعون بأعين وآذان باطنية.  يضاف إلى هاتين المجموعتين مجموعة ثالثة وهي عبارة عن المؤمنين الذين يشعرون بالكسل وعدم الصبر عن سماع الآيات الإلهية، ويظهرون حباً وعلاقة باللغو.

والسبب في ذلك أنَّهم أولاً لم يربّوا أنفسهم تربية جيدة، وثانياً أنَّ قلوبهم تميل إلى ما يميل إليه هواهم. لذا لا يحصّلون حضور قلب في الصلاة واستماع الآيات وبالخلاصة لا يملكون سيطرة على تفكيرهم وإحساسهم وشعورهم. ويمكن إحياء صفات عباد الرحمن عند الشخص من خلال تربية الفكر والقلب والتعلّق بالآيات الإلهيّة والتدبّر والتأمّل فيها.


* التفكير في الآيات الإلهية
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (الفرقان: 73). تتمحور الآيات الأخيرة من سورة الفرقان حول صفات عباد الرحمن. تحدثنا سابقاً حول هذه الآيات ونبين فيما يلي خاصية أخرى من صفات عباد الرحمن وهي التفكر في الآيات الإلهية. يمتاز عباد الرحمن بأنهم إذا سمعوا الآيات الإلهية أو ذكروها لم يخروا عليها صماً وعمياناً، بل تتعلق قلوبهم بها بشكل كامل، ويفكرون ويتدبرون فيها، فتترك أثراً على سلوكهم وأوضاعهم. هذا ما ورد في الآية الشريفة، وتوضيح ذلك: أن الآية الشريفة لا تتحدث عن عباد الرحمن وردة الفعل التي تصدر عنهم عند سماعهم الآيات الإلهية، بل هي تنفي الجهة السلبية عندهم؛ فلم يخروا عليها صماً وعمياناً. ما المقصود من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا؟ 

يقول المفسرون إن "خَرّ" تعود إلى مصدر "الخرور" والمقصود منه السقوط. "وخَرّ عليهم السقف" أي أنه سقط عليهم. "وخَرّ موسى صعقاً" أي أنه وقع على الأرض. يعتبر المفسرون أن المقصود من "خَرّ" و"أكب عليه" واحد. و"أكب عليه" أي أقبل على الشيء وركز انتباهه بالكامل نحوه، والتصق به؛ لذلك يستفاد في اللغة العربية من عبارة "أكب عليه" في توضيح معنى "خَرّ". 

تريد الآيات الشريفة أن توضح أن ما يمتاز به المؤمنون مقابل المشركين أو سائر أهل الضلال، أن المؤمنين أو عباد الرحمن ملتزمون بالآيات الإلهية، ملتصقون بها، ولكن ليس على سبيل "صماً وعمياً"، بل انطلاقاً من البصيرة والرؤية، فيدققون ويفكرون ويتأملون ويقبلون على الشيء عن بصيرة. كذلك المشركون يخرون على عقائدهم، يلتزمون بها ويعملون للحفاظ عليها إلا أنهم يفعلون ذلك انطلاقاً من العصبية و"صماً وعمياناً" أما عباد الرحمن فانطلاقاً من البصيرة والفهم والشعور. لذا؛ فإن القدر المتيقن أن من جملة صفات عباد الرحمن أنهم لا يمرون على الآيات الإلهية صماً وعمياناً، بل يودعونها قلوبهم ويتوجهون إليها ليستفيدوا منها أحسن الفائدة.

* الكسل في مواجهة الآيات الإلهية
جربنا جميعاً الكثير من الحالات التي لا نرغب فيها بالاستماع إلى كلام ما مع أنه حق ومفيد؛ إلا أننا نتقبل بعض الأمور الأخرى المأنوسة أكثر في أذهاننا. في هذه الحالة هناك نوع من الكسل وفقدان للصبر. ولكن ما هو سبب هذا الكسل وما هو سبب فقدان الصبر؟ نجيب بالقول: إن ذاك الكلام جيد ومفيد وراقٍ ولكننا نفتقد الطاقة على الإصغاء له. يتحدث القرآن عن المؤمنين الذين يستمعون إلى كلام الله تعالى انطلاقاً من عشقهم له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الأنفال: 2)، وجاء في مكان آخر: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (مريم:58).

ما الذي يجعل بعض المؤمنين يعيشون هذا الشوق وهذا الحال حتى أن الله تعالى قد مدحهم لذلك؟ يجيب بأنّهم عباد الرحمن. فإذا لم نكن من عباد الرحمن فعلينا العمل شيئاً فشيئاً لنصل إليهم. وإذا أدرك الإنسان سر هذا الكسل لعمل جاداً على رفعه عن نفسه. طبعاً مسألة "التوفيق الإلهي" هي موضوع هام جداً. ينبغي أن نطلب التوفيق من الله تعالى. وأما دورنا في هذا الأمر فهو تهيئة الأسباب والابتعاد عن الأمور التي تشكل ضرراً والتي تؤدي إلى الابتعاد عن التوفيق الإلهي. فبالإضافة إلى الدعاء هناك أعمال أخرى طلبها الله تعالى منا وأراد لنا أن نأتي بها.

* الرغبة سببٌ للتوجه
يتضح من الآيات القرآنية الشريفة أن اختلاف حالاتنا عند تعاطينا مع الآيات الإلهية أو المواعظ أو الكلام الحكيم، يعود إلى أعمالنا وسلوكياتنا الماضية. وقد ثبت هذا الموضوع عند علماء النفس اللذين أجروا العديد من الاختبارات عليه. فقد ثبت أن الأمر الذي يرغب به الإنسان بشكل كبير ويحبه بشكل أساس، فإنه يراه ويستمع إليه. لذا، فإننا عندما لا نستفيد من حقائق القرآن يكون ذلك لأن قلوبنا موجودة في أماكن أخرى، ولذلك فإنها ستفرُّ من القرآن كلما رغبنا في إحضارها إليه. فإذا أردنا الإصلاح علينا أن نهيئ أنفسنا. وينبغي لنا التعرف إلى المجالس القرآنية والمشاركة فيها وأن نودعها قلوبنا لنستفيد منها.

* حضور القلب في الصلاة
ويمكن طرح القضية نفسها في الصلاة. إذا أردنا التوجه في الصلاة، فلا يحصل ذلك بمجرد قولنا "الله أكبر"، بل نحتاج إلى مقدمات وإلى استعداد لذلك قبل الشروع بالصلاة. بعض الناس مَنَّ الله عليهم والله يمنّ على الإنسان الذي يعمل ويتعب وحصل لهم نصيب من التوفيق الإلهي، فأصبحت قلوبهم طيعة في أيديهم، هؤلاء يمكنهم التوجه متى أرادوا ويمكنهم التفكير متى أرادوا ويمكنهم أن لا يفعلوا ذلك متى أرادوا أيضاً. قلوب هؤلاء بأيديهم. وإذا أردنا أن تكون قلوبنا في أيدينا، فذلك ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى بعض المشقات. فليس من السهل أن يبدأ الشخص ترويض فرس شموس، بل يحتاج ذلك إلى تعب ومشقة. والقلب يكون عادة شموساً، يفرّ باستمرار من أيدي الشخص. فإذا تعلق القلب بمكان لا سنخية بينه وبين آيات الله، ولا سنخية بينه وبين محبة الله ومحبة أولياء الله، فإنه في هذه الحالات لن يكون طيعاً أثناء الصلاة، بل يفرّ بمجرد أن نغفل للحظة واحدة. والغفلة تتعلق بالقلب الخارج من أيدينا. ولكن كيف يكون قلب الإنسان بيد الشيطان؟ قد يتبع الشخص في بعض الأوقات هوى النفس الذي هو أداة من أدوات سلطة الشيطان، فيصبح قلبه بيد الشيطان. فإذا وقف الإنسان للصلاة أخذ قلبه إلى مكان آخر. وإذا أراد المطالعة والدرس تدخل الشيطان وأخذ قلبه إلى مكان آخر. أما إذا أردنا أن نكون من جملة ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا، فيجب أن لا نتعاطى مع آيات القرآن الكريم من منطلق الصم والعمى. عندما نسمع آيات الله علينا أن نلتفت ونتوجه إليها. وإذا كان من القبيح أن نشتت حواسنا ونوجهها إلى مكان آخر عند محادثتنا صديقاً ما، فمن الأقبح أن نستمع إلى كلام الله ونكون غير مبالين وغير ملتفتين.

* تزكية الفكر والقلب
إذا أردنا أن لا نكون كذلك فعلينا الشروع من خلال برنامج وأن نودع قلوبنا صاحبها الأساس، وهذا يحتاج إلى تعب وتمرين ومشقة. علينا أن نبتعد عن الأمور التي لا يرضاها الله. وإذا كان من الصعب على بعضنا قطع كامل علائقهم الدنيوية فعلى الأقل ينبغي لهم التقليل منها. علينا أن نلتفت إلى أن ما نقوم به يجب أن يكون مرضياً من قبل الله تعالى. إذا تمكنا من الوصول إلى التقوى، عندها نتمكن شيئاً فشيئاً من الإمساك بقلوبنا. عند ذلك يمكننا إحضار القلب كيفما كان وضعنا. فالقلب يعود إلينا. وقد قدم القرآن تعبيراً هاماً حين قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (ق: 37). ومن هنا يتضح أن بعض الناس فاقد للقلب ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا (الأعراف: 179). لذلك فهؤلاء لا يستفيدون من القرآن، ويقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (الملك:10). لذلك أصبحنا من أصحاب السعير الذين فقدوا القلوب والعقول. قد يكون التفكير صعباً علينا بعض الأوقات، والتفكير مقدمة للتعقل، ولكن بعض الأوقات نحاول كثيراً فلا نتمكن من ذلك. لذلك علينا أن نعمل لنمتلك قلوبنا، لا أن نكون نحن ملكاً لها. علينا أن لا نكون عبيداً لأهوائنا النفسية:  ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (الجاثية: 23).إذا أردنا أن لا نكون كذلك علينا التركيز والتفكير في الأمور التي ترضي الله تعالى. وهذا طبعاً يحتاج إلى تعب ومشقّة وتحمل. فأن يملك الإنسان قلبه فهذا أمر عظيم لا يحصل بسهولة، إلا أنه قابل للحصول. أما الخطوة الأولى في هذا الأمر فهي رعاية الواجبات والمحرمات وهذا يؤدي شيئاً فشيئاً إلى الحركة نحو القلب ونحو حالات القلب وتوجهاته لتكون كافة هذه الأمور في اختيار الله تعالى بدل أن تكون تحت تصرف الشيطان.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع