مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

في رحاب بقية الله: الانتظار طريق الكمال (1/2)

آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

 



يطلق "الانتظار" على الحالة التي تعتري الشخص عندما يعيش حالة من الاضطراب والترقب نتيجة الوضع القائم ويسعى لتغييره نحو الأفضل. مثال ذلك لو أخذنا المريض الذي ينتظر الشفاء والأب الذي ينتظر عودة ابنه من السفر، فكلاهما يشعر بالقلق والاضطراب من حالة المرض والفراق، ويعمل للوصول إلى حالة أفضل. بناءً على ما تقدم، فإن مسألة انتظار حكومة الحق والعدالة للإمام المهدي عجل الله فرجه، مركّبة من عنصرين: عنصر "نفي" وعنصر "إثبات".

* الانتظار موجود في أعماق فطرة الإنسان
خلافاً لعقيدة الذين يقولون إن الجذور الأساس لانتظار المصلح العالمي تعود إلى الإخفاقات المتكررة التي مرّ بها الفكر الإنساني، فإن عشق الانتظار موجود في أعماق الإنسان؛ حيث قد يظهر بشكل واضح تارةً وبشكل مبهم تارةً أخرى. وبعبارة أخرى يعيش الإنسان هذه الحالة من خلال عنصرين: الفطرة والعقل. إن الإيمان بظهور المصلح العالمي جزء من تكوين الإنسان المرتبط بالأبعاد التي وجدت بوجوده وهي: عشق المعرفة، عشق الجمال، وعشق الإحسان.  لعل هذا الكلام يحتاج المزيد من التوضيح، ذلك أن عشق الكمال هو شعلة خالدة تسيطر على وجود الإنسان؛ فالإنسان يريد أن يعرف أكثر، وأن يرى المزيد من الجمال وأن يبذل المزيد من الإحسان. وهذا يعني أن العلاقة بين الإنسان والكمال والمعرفة والجمال والحسن والعدالة، علاقة أصيلة أبدية. وانتظار المصلح العالمي هو نقطة الأوج في هذه العلاقة.

كيف يمكن للإنسان أن يعيش عشق الكمال والرغبة به ولا يعيش حالة الانتظار هذه؟ وهل يمكن أن يتكامل المجتمع بدون هذه الحالة؟ لذا، فحتى أولئك الذين لم يعيشوا القلق والاضطراب في حياتهم يشعرون بحالة الانتظار، بل يمكن لنا تشبيه ذلك بأعضاء جسم الإنسان، فكما أن لكل عضو في بدن الإنسان دوره في أداء حركات هذا البدن، فكذلك أبعاد الروح وجوانبها، فإنها جميعاً لها تأثيرها على القيام بوظائفها الموصل لها إلى تحقيق أهدافها. والنتيجة أن كل عشق وكل علاقة أصيلة موجودة في وجودنا هي دليل على وجود "المعشوق" و"الهدف" في العالم، والعشق ما هو إلا الوسيلة التي تقرّبنا. فإذا كنّا نشعر بالعطش، فهذا دليل على وجود الماء... وإذا كان البشر ينتظرون المصلح العالمي ليملأ الكون صلحاً وعدالة، فهذا دليل على وجود هذا الكمال في المجتمع الإنساني وعلى إمكانه لأن هذا الكمال موجود في داخلنا. وعمومية هذا الاعتقاد ووجوده في كافة المذاهب، هو دليل آخر على أصالته وحقيقته؛ لأن الأمر الخاص والمحدود لا يمكن أن يكون عاماً، والأمور الفطرية هي وحدها التي تتمتع بهكذا عمومية، وهذا يعني أن قضية المصلح العالمي قد زرعت في روح الإنسان.

* فلسفة الانتظار
قد يتساءل بعضهم: ما هي الفائدة في التحدث عن مستقبل البشرية؟ واليوم يعيش الناس الكثير من المشاكل والصعوبات، فلماذا نتحدث عن الغد؟ لماذا لا نترك الغد لمن سيأتي فيه؟ والواقع أن أصحاب هذه الرؤية قد ابتلوا بنوع من السّطحية حيث يتصوّرون أنّ اليوم منفصل عن الأمس والغد. والصحيح أن جذور الأحداث المعاصرة تعود إلى الأمس والغد سيتأثر باليوم، لا بل إن امتلاك رؤية تشاؤمية حول الغد يجعل اليوم على شاكلته، لذلك، ولأجل اليوم ينبغي أن نبادر إلى دراسة الماضي والمستقبل بشكل دقيق حيث سنشاهد عظمة هذا الانتظار. والعجيب أن بعضهم يرفض وجود جانب إيجابي في القضية ويصرّ على الجانب السلبي. والأعجب منه من يعتقد بأن الإيمان بوجود مستقبل زاهر سيؤدي إلى امتصاص ردّة فعل الطبقات المحرومة من الناس. وهنا لا ينبغي أن ننسى من استغل مسألة الانتظار ليستفيد منها في أهدافه المشؤومة، وليدعي ضرورة التخلي عن كافة المسؤوليات الملقاة على عاتقنا.

* الآثار البنّاءة للانتظار
في الإجابة عمّا تقدم من أسئلة لا بد من البحث بشكل دقيق حول دوافع ونتائج الانتظار لنرى إن كانت سبباً في تلك الهزائم أو أنها عبارة عن وقائع فطرية وعقلية. هل الإيمان بالظهور يجعل الإنسان غير ذي دور فاعل في القيام والعمل على تبديل وضعه القائم؟ أليس مؤدّى هذه العقيدة الدعوة للنهوض والبناء على مستوى الفرد والمجتمع؟ هل هذه العقيدة تؤدي إلى وجود حالة حركة أم ركود؟ هل تجعل الشخص يلتفت إلى المسؤولية الملقاة على عاتقه أم أنها تجعله يتخلى عنها؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة من الضروري الالتفات إلى مسألة هامة وهي أن المفاهيم الراقية والمتعالية عندما تقع بأيدي الخبثاء أو الذين يسيئون الاستفادة منها، فإنها تتحول وتتبدل بالكامل، فتعطي نتيجة مخالفة للهدف الأساس، وفي هذا الإطار يندرج مفهوم "الانتظار". بناءً على ما تقدم ولرفع أي اشتباه أو خطأ في هذه الموضوعات، ينبغي العودة إلى المصدر الأساس. وهذا يعني أننا في بحث الانتظار سنعود مباشرة إلى النصوص الإسلامية الأساس لندرس الروايات التي تحدثت حول مسألة "الانتظار" فنطّلع بذلك على الهدف الأساس.

* أفضل الأعمال
سأل شخص الإمام الصادق عليه السلام: ما تقول فيمن مات على هذا الأمر منتظراً له؟ قال عليه السلام: "هو بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه، ثم سكت هنيئة ثم قال: هو كمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله(1) ". وقد نُقِل هذا المضمون في روايات متعددة حيث جاء في بعضها: "بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله" (2)، وفي بعض آخر: "كمن قارع مع رسول الله بسيفه"، وفي بعض ثالث: "بمنزلة من كان قاعداً تحت لواء القائم" وكذلك: "بمنزلة المجاهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله"، و"بمنزلة من استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله (3) ".

هذه التشبيهات التي ذكرتها الروايات حول انتظار ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه عميقة المعنى وواضحة، حيث تبين نوعاً من العلاقة بين مسألة "الانتظار" ومسألة "الجهاد". وقد تعرّضت بعض الروايات عن أن أفضل العبادات انتظار هكذا حكومة. وقد نُقِلت هذه الروايات عن الرسول صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام حيث نقرأ في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عزّ وجلّ" (4) وفي حديث آخر: "أفضل العبادة انتظار الفرج" (5). ويظهر من هذا الحديث أنّه أعمّ من انتظار الفرج بمعناه العام أو بمعناه الخاص أي انتظار ظهور المصلح العالمي، حيث تتضح أهمية الانتظار الذي نبحث عنه. وتبين هذه العبارات أن انتظار الإمام عجل الله فرجه كان يترافق دائماً مع حالة جهاد واسعة.


(1) بحار الأنوار، المجلسي، ج 52، ص 125.
(2) الكافي، الكليني، ج 8، ص 146.
(3) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج 6، ص 22.
(4) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص 644.
(5) م. ن، ص 287.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع