نور روح الله | يوم القدس: يوم الإسلام* إلى قرّاء القرآن: كيف تؤثّرون في المستمعين؟* أخلاقنا | ذكر الله: أن تراه يراك*  مفاتيح الحياة | الصدقات نظامٌ إسلاميٌّ فريد(2)* آداب وسنن| من آداب العيد  فقه الولي | من أحكام العدول في الصلاة مـن علامــات الظهــور: النفس الزكيّة واليمانيّ* تسابيح جراح | بالصلاة شفاء جراحي صحة وحياة | الرّبو والحساسيّة الصّدريّة تاريخ الشيعة| شيعة طرابلس في مواجهة الصَّليبيّين

مع الإمام الخامنئي: إن مكّناهم.. أقاموا (*)


وعد الله سبحانه، في القرآن الكريم، عباده بالنصر حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج: 39)، ثم قيّد تعالى تلك النُّصرة بشرط: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج: 41).

* بُعد فرديّ - اجتماعيّ
لقد حدّد الله تعالى - من خلال هذه الآية الشريفة - أربع صفات وعلائم للمؤمنين الذين سيمكّنهم في الأرض، ويخرجهم من تحت سلطة القوى المتكبّرة والجائرة، ووعدهم بالنّصر ﴿وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ؛ وسينصرهم حتماً.

أوّل هذه الشروط الأربعة: إقامة الصلاة، والثاني: إيتاء الزكاة، والثالث: الأمر بالمعروف، والرابع: النهي عن المنكر. وكلّ واحدة من هذه الخصوصيّات والعلائم الأربع فيها جهة فرديّة وشخصيّة. لكن إلى جانب ذلك يوجد في كلّ واحدة منها بُعد اجتماعيّ ومؤثّر في تشكيل النظام الاجتماعيّ.

- الشرط الأوّل: الصلاة
على الرغم من كلّ تلك الأسرار والرموز التي تنطوي عليها حقيقة الصلاة من كونها "معراج المؤمن"، و"قربان كلّ تقيّ"، ووسيلة للفلاح والسعادة وأفضل الأعمال وأعلاها شأناً؛ على الرغم من ذلك كلّه فإنّ للصلاة أيضاً بُعداً اجتماعيّاً، حيث ترى المسلمين حين يقفون لأدائها تكون وجهتهم جميعاً وجهة واحدة. وعندما يحين وقت الصلاة، تتعلّق قلوبهم جميعاً، وحيث كانوا في هذا العالم الواسع، بمقصد واحد وجهة واحدة.

إنّ هذا التعلّق وهذا التوجّه من قبل المسلمين جميعاً نحو جهة واحدة ومركز واحد هو أمر ذو بُعد اجتماعيّ، وهو أمرٌ يؤثّر في تشكيل النظام الاجتماعيّ، ويؤثّر في تحديد ورسم هندسة النظام الإسلامي.

- الشرط الثاني: الزكاة
الزكاة التي لها جوانب فرديّة؛ إذ تربّي الإنسان على التخلّي عن ماله وعلى بذل ما يحبّ، وهذا في نفسه امتحان بالغ الأهميّة، لكن لها أيضاً ترجمة اجتماعيّة.

الزكاة، في الاستعمال القرآنيّ، تعني مطلق الإنفاق وهو أعمّ من المعنى الاصطلاحيّ للزكاة الذي تحدّثت عنه الآية الشريفة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً (التوبة: 103). أما الجنبة الاجتماعيّة والترجمة الاجتماعيّة للزكاة، المؤثّرة في تشكيل النظام الاجتماعيّ، فهي أنّ الإنسان حينما يحصل على شيء من مال الدنيا يرى نفسه مسؤولاً عن هذا المال تجاه مجتمعه ومحيطه، ويرى أنّ هذا المال دَينٌ في رقبته. هو لا يرى نفسه دائناً للمجتمع في بذله للمال، بل مديناً له وعليه أداء هذا الدين إلى الفقراء وفي سبيل الله. فالزكاة من هذه الناحية هي حُكم، وعامل مؤثّر في تشكيل النظام الاجتماعيّ.

- الثالث والرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما القاعدة الأساسيّة التي ترتكز عليها إقامة الفرائض، فـ "بها تقام الفرائض"؛ والأمر بالمعروف يعني أنّه يجب على جميع المؤمنين في سائر أنحاء العالم المساهمة في توجيه المجتمع نحو الخير والمعروف وسائر الأعمال الحسنة، وكذلك بالنسبة للنهي عن المنكر حيث يجب على كلّ مؤمن أن ينهى الآخرين عن المساوئ والأمور الدنيئة. وعليه فإنّ كل واحد من هذه المؤشرات والمعالم الأربعة بنحوٍ أو بآخر، هو ترجمة لبنية النظام الإسلاميّ وهندسته.

*أعظم المعروف
أستطرد هنا لأقول: يجب أن لا نحصر هذا المعنى المهمّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدائرة ضيّقة؛ إذ يتصوّر بعضٌ أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قضيّة محصورة بنهي فلان أو فلانة عن المخالفة التي تُرتكب على مستوى فرع من فروع الدين. طبعاً هذا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لكنّه ليس أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إنّ أهم عنوان في ذلك هو الأمر بأعظم معروف وهو إيجاد النظام الإسلاميّ والحفاظ عليه.

والمعروف هو: نشر الثقافة وتعزيزها، سلامة المحيط على المستوى الأخلاقيّ، سلامة المحيط الأسريّ، زيادة النسل وتربية جيل الشباب ليكون قادراً على النهوض بالبلد، تثبيت العدالة القضائيّة والاقتصاديّة، الجهاد والسعي لتقدُّم الأمّة الإسلامية والعمل والسعي للوحدة الإسلامية. هذه من أهمّ أعمال المعروف، والسعي نحو تحقيق هذه القضايا تكليف يقع على عاتق الجميع.

من جهة أخرى، فإنّ الأمور التي تقابل هذه القضايا تعتبر من المنكرات. فالابتذال الأخلاقيّ منكر، مساعدة أعداء الإسلام منكر، إضعاف النظام الإسلاميّ منكر، إضعاف الثقافة الإسلاميّة منكر، إضعاف الاقتصاد منكر... إلخ، ويجب النهي عن هذه المنكرات.

*الله ورسوله أوّل الآمرين بالمعروف
إنّ أوّل آمر بالمعروف هو ربّنا تعالى حيث يقول: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ (النحل: 90). وكذلك النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو أفضل وأوّل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، جاء في الآية القرآنيّة: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ (الأعراف: 157)، والأئمّة عليهم السلام حيث نقرأ في الزيارة: "أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر"، والمؤمنون والمؤمنات في جميع أنحاء العالم الإسلامي: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (التوبة: 71).

هذه هي، إذاً، الركائز الأربعة الأساسية في تشكيل النظام الاجتماعيّ، ولكل واحدة منها فروع تتفرّع عنها.


(*) من كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في بداية العام الهجري الشمسي 1394 (عيد النوروز) في حرم الإمام الرضا عليه السلام تاريخ 21/3/2015.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع