نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

تاريخ الحضرة الكاظمية


التحرير


العتبة الكاظمية المقدّسة.. كانت ولا تزال بقعة تحفّها الملائكة المقرَّبون ويشتهي جوارها العلماء والصالحون. عتبة طأطأت لها تيجان الملوك وهامات السلاطين.. وتمرَّغ بترابها الشرف الرفيع.. باب الحوائج وباب المراد.. مَنزل الرحمات الإلهيّة والألطاف الملكوتيّة.. مهوى قلوب الأفئدة.. حقّ لها أن تكون قلب الكاظميّة، وتاج بغداد حين تستقبل الزائرين المتشوّقين المتلهّفين من بعيد، ملوّحة بقبَّتيها اللتين تضاهيان الشمس ضياءً ومنائرها الذهبية التي تناطح السماء علوّاً، وكأنها تخاطبهم: ها هنا موضع قضاء الحاجات واستجابة الدعوات.. إنها جنّة موسى والجواد.

*تاريخ البناء
استشهد الإمام موسى الكاظم عليه السلام عام 183هـ ودفن في هذه المنطقة التي تسمّى الآن الكاظميّة. وقد دفن فيها قبله جعفر ابن أبي جعفر المنصور مؤسس بغداد عام 150هـ، الموافق 767م. وفي عام 220هـ الموافق 834م توفي حفيده الإمام محمد الجواد في سامراء ونقل إلى بغداد ليدفن بجوار جدّه عليهما السلام.

كان هذا الموقع في العصر العباسي مقبرة تسمى (مقبرة قريش). وقد دفن فيها الكثير من الرموز الدينيّة، والعلميّة. لكن، في بداية القرن التاسع عشر الميلادي تمّ هدم القبور وبناء مسجد وضريحين بداخل قبّتين، وتمَّ توسيع البناء أكثر من مرة خلال القرن العشرين.

*البويهيّون أوّل من بنى
أول من بنى المرقد هو معزّ الدولة البويهيّ عام 336هـ. ثم في عام 367هـ قام عضد الدولة ببناء بيوت في المنطقة المحيطة بالمرقد الشريف لاستفاضة الوافدين والمهاجرين لمجاورة الحضرة. استمر بناء وتوسعة المرقد مرات عدّة، إلّا أنّه تعرّض لحريقين عام 443هـ وعام 622هـ فلم يبق من آثار الأبنية شيء. ثم أمر الخليفة العباسي "الظاهر بأمر الله" بصنع صندوق ووضعه فوق القبر الشريف عام 624هـ.

بعد دخول الشاه إسماعيل الصفوي بغداد عام 914هـ (1509م) زار الحضرة عام 929هـ فأمر بقلع عمارة الحضرة من الأساس وإعادة بنائها بعد توسيع الروضة وتبليط القاعات بالرخام ووضع صندوقين خشبيين فوق القبرين. كما أمر أن تكون المآذن أربعاً بدلاً من اثنتين وبنى مسجداً كان يُسمّى "المسجد الصفويّ" ثم أصبح يُسمّى "مسجد الجوادين". وفي عام 1207هـ أمر السلطان محمد بإكمال ما بدأه الصفويّون فأضاف ثلاث مآذن أخرى على طراز الأولى.

من أعمال التجديد أيضاً، تأسيس صحن واسع يحفّ بالحرم من جهاته الثلاث: الشرقيّة والجنوبيّة والغربيّة، ويتصل الجامع الكبير بالحرم من جهته الشماليّة. وتمَّ تخطيط الصحن بمساحته الموجودة اليوم. الأعمال الأُخرى تشمل: نقش باطن القبَّتين وسقف الروضتين بماء الذهب، والمينا، وقِطَع الزجاج الملوَّن، تزيين جدران الروضة كلّها، تذهيب القبّتين والمآذن الصغيرة الأربعة وتمّ هذا التذهيب في سنة 1229هـ. وفي سنة 1282هـ غُشّي الإيوان الشرقيّ بالذهب ممّا فَضَل من قبّة الإمامين العسكريّين عليهما السلام. وفي سنة 1293هـ وُسّع الصحن ونُصبت ساعتان كبيرتان. وقد أزيلت هاتان الساعتان قبل عشرات السنين.

*عمارة المسجد
للمسجد قبّتان متساويتا الأبعاد وأربع مآذن كبيرة. ارتفاع السقف يبلغ 25م تعلوه القبّتان المزيّنتان بالزخارف الإسلاميّة والآيات القرآنيّة من الداخل. ومن الخارج غلّفت القبّتان بتسعة آلاف طابوقة من الذهب الخالص وحولها المآذن الأربع المغلفة بالذهب أيضاً والتي ترتفع إلى 35م فوق السقف، وحول القبب أيضاً أربع منارات صغيرة بارتفاع 4،5م.

خلال القرن الماضي بُنِيَ سياج حديدي مشبّك خارج الحضرة ويحيط بها فيه بوابتان حديديّتان وذلك لتنظيم حركة الزوار. وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق أصبحت هاتان البوابتان الحديديتان تستخدمان للسيطرة وإجراء عمليات التفتيش للنساء وللرجال، وقد فرضت هذه الإجراءات نظراً إلى الظروف الأمنية السيّئة في العراق.

1- الصحن والأروقة

يتكوَّن الصحن من أربعة أقسام: صحن قريش وهو القسم الغربي منه، صحن باب القبلة في القسم الجنوبي، صحن باب المراد في القسم الشرقي وجامع الجوادين في القسم الشمالي. للصحن عشرة أبواب لها تسميات محليّة للدلالة عليها، منها ثلاثة رئيسية كبيرة للدخول وهي: باب المراد، باب القبلة وباب صاحب الزمان، أمّا السبعة الأخرى فهي صغيرة الحجم تشمل: باب قاضي الحاجات، باب الفرهادية، باب الجواهرية، باب قريش، باب الرجاء، باب المغفرة وباب الرحمة.

للصحن ثلاثة أروقة حوله سقوفها مزيّنة بالآيات الكريمة وتتدلّى منها الثريات. تستخدم الأروقة للصلاة حين تضيق قاعة الصلاة في الداخل عن استيعاب المصلين.

2- الجدار والغرف

يحيط بالصحن جدار سميك وضخم بارتفاع 10م مزيَّن من الخارج بالطابوق الفرشي المنقوش بالآيات القرآنيّة وبعض النقوش الإسلاميّة. خلف الجدار طابقان من الغرف والأواوين مجموعها 62 غرفة، منها 14 في الطابق العلوي وتستخدم لتدريس طلبة العلم، معظمهم من المذهب الشيعي، والغرف في الطابق السفلي، بعضها للتدريس أيضاً وبعضها دُفن فيه بعض كبار العلماء ورجال الدين.

3- القاعات

للمسجد أربع قاعات في الداخل تحيط بالروضة الشريفة من جوانبها الأربعة:

أ- القاعة الشماليّة: تقع خلف قبر الإمام محمّد الجواد عليه السلام وتتصل بالروضة عن طريق بابٍ فضيَّة. هناك أيضاً شبّاك كبير يطلّ على مسجد الجوادين من الخلف. جدرانها وأرضيّتها من الرخام ومسقوفة بالزجاج الأبيض بأشكال هندسيّة. في هذه القاعة مكتبات عدّة للقرآن وكتب الأدعية والزيارة وتستخدم للصلاة ولأداء مراسم الزيارة للرجال.

ب - القاعة الشرقيّة: تقع من جهة أرجل الإمامين وموصولة بالروضة بواسطة بابين، ذهبيّة أمام الإمام موسى عليه السلام وفضيّة أمام الإمام محمد عليه السلام، للقاعة ثلاثة أبواب تطلّ على الرواق الخارجي، واحدة ذهبيّة واثنتان فضيّتان.

ج - القاعة الجنوبيّة:
تتصل بالروضة عن طريق باب ذهبيّ من جهة الإمام موسى عليه السلام. لها ثلاثة أبواب تطلّ على الرواق الخارجي وقد دفن فيها بعض العلماء الكبار.

د- القاعة الغربيّة:
تقع من جهة رأسَي الإمامين وتتصل بالروضة بواسطة بابين فضيّين. للقاعة باب واحد إلى الخارج يطلّ على الرواق الخارجيّ. في هذه القاعة قبر العالم والفيلسوف نصير الدين الطوسي يعلوه شباك كبير.

4- الروضة الشريفة

تنقسم الروضة إلى قسمين، جنوبيّة وفيها قبر الإمام موسى الكاظم، وشماليّة وفيها قبر الإمام محمد الجواد عليه السلام، ويصل بينهما ممرّان ضيّقان. ويقع الضريحان وسط القسمين وفوق كلّ منهما قبّة. وقد قطع جانب من كلّ ضريح بحاجز حديديّ ليفصل بين الرجال والنساء أثناء الزيارة. وقد وُضع على القبرين صندوقان من الخشب مغلّفان بالزجاج السميك حماية لهما من الغبار، ومنقوش عليهما نقوش إسلاميّة جميلة. ويحيط بالقبر شُبَّاك فضيّ مطعَّم بالمينا تعلوه سورتا "الدهر" و"الفجر" نقشتا على المينا الأزرق، وكتبتا بالذهب الخالص.

جدران الروضة وأرضيّتها من الرخام وعلى الجدران نقشت آيات قرآنية ونقوش زجاجيّة إسلاميّة تصل إلى باطن القبّتين. يتدلّى من السقف عدد من الثريّات النفيسة وعلى الجدران ساعات جدارية كبيرة.

5- الصندوق

في مقال طويل للسيّد "ناصر النقشبندي" مدير المسكوكات في المتحف العراقي(1)، وصف هذا الصندوق:

صندوق ضريح الإمام موسى بن جعفر عليه السلام الذي أمر بصنعه الخليفة المنتصر بالله العباسي مصنوع من خشب التوت. سمك الواجهة خمسة ونصف سم، وهو مستطيل الشكل منبسط. يبلغ طول السطح 255 سم، أمّا عرضه فيبلغ 183 سم، وعلوّه 65 سم. يزيّن حافات غطائه كتابة نثرية غير متداخلة.

أمّا نصّ الكتابة النثريّة التي حول الغطاء فتبتدئ من عند الرأس:
أ- بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (الأحزاب: 33).
ب - الكتابة الكوفية في الجنوب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ضريح الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر بن محمد بن علي (إلى أن ينتهي إلى) الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

* روضة العلماء
وقد دُفن في المشهد الشريف عدّة من العلماء:
1- الشيخ المفيد من الفقهاء العظام ومتكلّمي الإمامية.
2- الخواجة نصير الدين الطوسي من علماء الشيعة.
3- ابن قولويه من فقهاء ومحدّثي الشيعة؛ صاحب كتاب كامل الزيارات.
4- السيّد الرضي والسيّد المرتضى.
5- "أبو سبحة" موسى بن إبراهيم (المرتضى) بن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام.
6- عون وعبد الله من أولاد الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
7- الأمير السيّد أبو الحسن علي بن المرتضى بن علي العلوي الحسني.
8- آية الله السيّد حسن الصدر.
9- السيّد هبة الدين الشهرستاني.

*اليوم
أمّا اليوم وبعد زوال النظام المباد الذي لم يُعر أهمية للمراقد المقدّسة ومنها العتبة الكاظمية التي تعرّض بعض معالمها إلى التصدّع فاحتاج إلى الصيانة والترميم، انطلقت بمشيئة الله وهمم الغيارى من المؤمنين والموالين مشاريع البناء والتطوير والإعمار على قدمٍ وساق من قبل الأمانة العامّة للعتبة الكاظميّة المقدّسة (التي قاربت المائة مشروع) نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

مشروع صيانة وإعادة تذهيب قبّة الإمام الكاظم وقبّة الإمام الجواد عليهما السلام، وتبديل شباك ضريحيهما، وتوسعة الحرم وصيانة شباكَي ضريح الشيخ المفيد قدس سره، والشيخ الطوسي قدس سره،، واستبدال أبواب الطارمات الفضيّة والخشبية بأبواب ذهبيّة، وعددها تسعة، وإنشاء صحن جديد من الجهة الشمالية بمساحة 7000 متر مربع تقريباً، وإكساء أرضيّة الصحن الشريف ومشروع الكاشي المعرّق للأواوين وصيانة حجرات الصحن الشريف والغرف العليا وتأهيلها وإعمار أبواب ومداخل الصحن واستحداث ثلاثة أبواب جديدة ومشروع صحن الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف من الجهة الغربيّة وصحن الإمام عليّ عليه السلام المحاذي لصحن التوسعة ومشروع المرافق الصحيّة والحمامات. إنّ هذه المشاريع المتوالية والمتعددة تهدف إلى إدامة هذا الصرح المقدَّس وصيانته وتطويره إذ يؤمّه المسلمون من مختلف البلدان.

رزق الله زيارتَه كلّ محبّ مشتاق.


(1) مقال بعنوان "الآثار الخشبية في دار الآثار العربية" طبع في مجلة سومر، الجزء الأوّل، المجلد الخامس، عام 1949م.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع