نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

قيادة لا تحجبها قضبان


الشيخ حسن الهادي(*)

تمثل الحياة السياسيّة للإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، وجهاده لتأدية دوره الرساليّ في قيادة الأمة الإسلامية، ومواجهة حكومات الجور والاستبداد اللاشرعيّة المعاصرة له، إحدى التجارب السياسية الزاخرة بالقيم والدلالات للأئمّة المعصومين عليهم السلام التي انطوى كل منها على خصائص مميّزة كان لطبيعة الظروف والتبدّلات السياسية والفكرية والاجتماعية التي عاصرها أو عاش خلالها كلّ إمام، إبان فترة ولايته تداخل في الثأثير فيها؛ فوسّعت بذلك أشكال قيادته وجهاده.

*دور ديني - سياسي
إنّ الحياة السياسية للإمام الكاظم عليه السلام هي جزء لا يتجزّأ من إمامته وحياته العامة (الدينيّة والسياسيّة) والتي لا يمكن فصلها، بأي حال، عن جوانبها الأخرى. فالإمامة هي استمرار للنبوّة، وللإمام ما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الولاية العامّة على الناس؛ والتي تعني حكماً أنّ الإمام المعصوم يؤدي بولايته دوراً دينيّاً - سياسيّاً في آن واحد، كما أدّاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم(1).

*الحياة السياسيّة للإمام الكاظم عليه السلام وجهاده
يرى الإمام السيّد علي الخامنئي أنّ هذا المقطع الزماني الممتدّ لـ35 سنة - من العام 148 للهجرة إلى 183 - وهو مرحلة إمامة الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ، يُعدّ أهم مقطع في مسيرة حياة الأئمّة عليهم السلام؛ ففيه حَكَمَ اثنان من أكثر سلاطين بني العبّاس اقتداراً: المنصور وهارون، واثنان من أكثرهم تجبّراً: المهدي والهادي. ولقد تمّ القضاء على الكثير من الثورات والانتفاضات في خراسان، وأفريقيا، وجزيرة الموصل، والديلم، وجرجان والشام ونصّيبين ومصر... وغيرها من الأقطار وتطويعها. وفي نواحي الشرق والغرب والشمال، من النطاق الإسلامي الوسيع، أُضيفت فتوحات جديدة وأموال وغنائم وافرة فزادت من قدرة عرش العبّاسيين واستحكامه.

وإنّ حياة الإمام موسى بن جعفر؛ أي إمامته، بدأت في أصعب المراحل والمقاطع الزمنيّة، بحيث لا يوجد عصر من بعد عصر الإمام السجّاد عليه السلام بشدّة وصعوبة عصر الإمام موسى بن جعفر عليه السلام. ففي عام 148هـ كانت أوضاع بني العبّاس قد استتبّت، بعد فراغهم من الصراعات والخلافات والحروب التي كانت دائرة فيما بينهم في بداية حكمهم(2).

*الظروف السياسيّة المحيطة
امتازت الدولة العباسية في عصرها الأوّل (132 - 233هـ) بقوّة أداء السلطة المركزية وسطوة أجهزتها، واستفحال جيشها. ومن مظاهر ذلك كَثرة الجيوش المتوجّهة لغزو الترك سنة (148ه‍)، وغزو بلاد الروم من سنة (149ه‍) وغيرهما من الغزوات والحروب...، وهذا ما غيّر أولويّات الحكّام العباسيين باتجاه القضاء على كل من يحتملون أو يشكّون أنّه يشكّل خطراً على حكمهم وسلطانهم، بعد أن رفعوا شعارات إسلاميّة كبيرة في مواجهة ظلم الأمويّين وبطشهم في بداية حراكهم، والثأر للعلويّين وغيرها من الشعارات. وفي هذا السياق، لا نستغرب تعامل العباسيّين مع أهل البيت عليهم السلام وفق معايير تقوم على أساس التصدّي لمدرسة أهل البيت عليهم السلام ومطاردة شيعتهم وقمع الطالبيّين والنكاية بهم...، واستدعاء الإمام الكاظم عليه السلام من المدينة إلى بغداد مرةً في زمان المهدي العباسي، وأخرى في زمان هارون، وذلك بسبب هاجس الخوف من نشاط الإمام عليه السلام ودوره الفاعل والمحرّك في الحياة الإسلامية وللسعي لتحديد حركته، وعزله عن أتباعه ومواليه، والحيلولة دون أداء دوره القيادي تجاه شيعته، والتآمر على حياته في نهاية المطاف. وقد واجه الإمام عليه السلام كل ممارسات الاضطهاد والقمع التي مارسها حكّام الجور ضده بعزم ثابت وتصميم راسخ وصبر منقطع النظير حتى إنّه عليه السلام سمّي الكاظم لما كظمه من الغيظ عمّا فعله الظالمون به، ومن جانب آخر استطاع أن يؤدّي ما يتوجّب عليه ضمن هامش محدود من الحرية، حتّى في مواجهة الحكّام أنفسهم، وفي هذا الاتّجاه يقول الإمام الكاظم عليه السلام لهارون: "أنا إمام القلوب، وأنت إمام الجسوم"(3).

* قيادة الإمام عليه السلام للشيعة رغم السجن
كان الإمام الكاظم عليه السلام يدرك حراجة الموقف الذي مرّ به وهو في تباشير إمامته، فاتّبَعَ أسلوب الحذر والكتمان من إبداء أيّ نشاط يدلّ على إمامته لشدّة طلب المنصور لصاحب الوصية من أهل البيت عليهم السلام بعد الإمام الصادق عليه السلام، ولكثرة التضييق على الشيعة والموالين المقرّبين من الأئمّة عليهم السلام.

ولأنّ ظروف الواقع المحيطة بالإمام الكاظم عليه السلام، وكما للأئمّة الآخرين منذ إمامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام ليست متيسّرة بالشكل المطلوب الذي يسمح له بممارسة دوره والقيام بواجباته بشكل كامل، فإنّ ذلك أثّر في توجيه الأمور باتّجاه تحديد أشكال الجهاد والعمل الحركيّ المختلف للشيعة والموالين. ومع هذا، نجد حياة الإمام الكاظم عليه السلام ذات دلالات وأبعاد عميقة على المستوى السياسيّ والاجتماعيّ، وقيادة المجتمع والأمة، نسلّط الضوء على جوانب منها:

المحافظة على منهج الإمامة الثابت من خلال:
1- تبيان الإسلام الأصيل والتفسير الصحيح للقرآن، وتقديم صورة واضحة عن المعالم الإسلاميّة.

2- تبيان قضيّة الإمامة والحاكميّة السياسيّة في المجتمع الإسلاميّ.

3- السعي من أجل تشكيل ذلك المجتمع وتحقيق هدف نبيّ الإسلام المعظّم صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء، أي إقامة القسط والعدل وعزل أنداد الله عن ساحة الحكومة، وإيداع زمام إدارة الحياة إلى خلفاء الله وعباده الصالحين(4).

4- معالجة التصدّعات الداخلية: كان عليه السلام يقوم بما يتوجّب عليه تجاه أصحابه باعتباره قائداً رساليّاً، ولا سيما أنّ بعض الشيعة قد ابتُلي بالقول بإمامة غيره، لكنّه استطاع التوفيق بين الأمرين عن طريق التصريح بالوصيّة لخاصّته وخُلّص أصحابه ريثما تتوفّر الفرصة المناسبة لذلك. ولعلّ من إفرازات تلك المرحلة أنّ الرواة من خلّص أصحابه كانوا لا يسندون الحديث إليه بصريح اسمه حفظاً له وتقيةً من الظلم المسلّط في ذلك العهد، بل يكنّون عنه بـ"العبد الصالح" و"العالم" و"السيّد" و"الرجل" و"الماضي"، تعمية على رجال السلطة.

5- تنظيم الصفوف الداخلية للمجتمع: ويتجلّى هذا الأمر في مجموعة من السياسات، من أهمّها:

أ- عدم انقطاع التواصل مع شيعته حتّى في فترة البعد القسريّ عنهم وهو في السجن، فإنّ بعض الأقاليم الإسلامية كانت تقوم بإرسال مبعوث خاص عنها إلى الإمام حينما كان في السجن فيزوّدون بالفتاوى والإجابات عن رسائلهم. كما كان يتّصل بالإمام أيضاً في سجنه بالبصرة عدد من العلماء والرواة بطرق خفية وتستّر شديد عن أعين السلطة.

ب- اختيار الأمناء والأكفاء وتقليد الولايات للثقات النصحاء، وجباية أموال الفيء والصدقات والخراج وتقدير العطاء، وكان يقوم بتكليف جماعة من تلاميذه وأصحابه للقيام بدور وكلاء له في بعض المناطق الإسلامية، وأرجع إليهم شيعته لأخذ الأحكام الدينية منهم، كما وكّلهم أيضاً في قبض الحقوق الشرعية، وأذِن لهم بصرفها على مستحقّيها.

* نظام الوكالة والوجود المعنويّ بين الناس
نتيجة البعد القسريّ للإمام الكاظم عليه السلام عن المجتمع بسب ظلم السلاطين، أنشأ الإمام عليه السلام شكلاً إدارياً مناسباً لمتابعة وإدارة شؤون الناس والمجتمع عُرف بـ "نظام الوكالة". ولُحظ اعتماده عند غيره عليه السلام من الأئمة عليهم السلام.
ويظهر من بعض القرائن التاريخيّة وجود شكل تنظيميّ سريّ لنظام الوكالة يبدأ بالوكلاء العارفين ثمّ الوكلاء الذين ينتشرون في مختلف البقاع، فضلاً عن الوكلاء المقيمين في الأطراف.

ويُفهم أيضاً أنّ أحد أهمّ العوامل الرئيسة لنشأة الوكالة حضور الأئمّة عليهم السلام المعنوي بينهم من جهة وبين شيعتهم وأنصارهم من جهة ثانية. ويمكن إيجاز أعمال الوكلاء ووظائفهم بإيجاد وتنظيم الاتصال بين الأئمّة وشيعتهم في الأقاليم المختلفة في القضايا الدينية وغيرها، فهم كانوا يمثّلون همزة الوصل بين الأئمّة عليهم السلام والمجتمع حرصاً على حياة الناس وأمنهم، وحفظاً لحقوقهم ورعايتها.

لذا، فإنّ هذا الشكل من العلاقة والاتّصال بين الإمام ووكلائه وتلاميذه وأنصاره، وما كانت تؤدّيه من وظائف وأدوار منها ممارسة الإمام لدوره القياديّ وهو في السجن؛ تمثّل ظاهرة إداريّة وتنظيميّة قيّمة تستحقّ البحث المعمّق، كونها تشكّل الوجه الآخر في طريقة حماية المجتمع وأسلوب مواجهة الظالمين من أمثال هارون الرشيد وغيره.

*خاتمة
إنّ الغنى في الحياة السياسيّة للإمام الكاظم عليه السلام، كما في حياة الأئمّة الآخرين، يتجلّى في أنّ تحديد الإمام للمواقف السياسية الدينية، ولأشكال الجهاد والعمل الحركيّ، لم يتمّ عفوياً أو نتيجة ردود فعل ضد استفزازات واضطهاد حكّام الجور اللاشرعيين، ولا بفعل عواطف إنسانيّة جياشة، وإنّما تمّ ذلك بوعي الإمام الكامل لدوره وتكليفه الشرعيّ، ومراعاة المصلحة العليا للإسلام والمسلمين.


(*)أستاذ في جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالمية، لبنان.
1- بتصرّف عن: عقائد الإمامية، الشيخ محمد رضا المظفر، ص108 و103. وانظر: أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف، السيّد محمد باقر الصدر، ص140 و141.
2- بتصرّف عن: إنسان بعمر 250 عاماً، الإمام الخامنئي، ص313.
3- ينابيع المودة، القندوزي، ج3، ص120.
4- إنسان بعمر 250 عاماً، م.س.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع