الشهيد على طريق القدس القائد علي نايف أيوب  تسابيح جراح | رأسي مشطور... وقلبي على العهد عمارة المسجد هندسة وحضارة «الحربوق... » فاسدٌ بثوب الذكيّ قصة | آمنة ... وظلّ أحمد(1) كفى بالأجل حارساً: حكــاية ثبات القيادة يدُ الله في اختيار القائد القيادة: تنوّع أدوار ووحدة مسار نحنُ أبناء التكليف الافتتاحية | الراية هي هي

البقاع يتصحّر.. فهل من مبادرات؟(2)

تحقيق: علي الأكبر البرجي


كشفنا في العدد السابق كيف يزحف التصحّر إلى البقاع، في حين تكافح جهودٌ محلّيّة لإنقاذ ما تبقّى من غطاءٍ أخضر. نستكمل هذا الموضوع من خلال الإطلالة على تجربة الصين الرائدة في مجال التشجير، مروراً بالتحذيرات العلميّة الصارخة، وصولاً إلى الواجب الأخلاقيّ الذي يدعو إليه الإسلام للحفاظ على الغطاء النباتيّ.

• «الحزام الأخضر»: نموذج في مواجهة التصحّر
تُعدّ تجربة الصين من أبرز النماذج العالميّة التي نجحت في تطويق الصحارى ووقف زحف الرمال. فمنذ العام 1978م، أطلقت بكين مشروع «السور الأخضر العظيم»، وهو أكبر برنامج لزراعة الغابات في العالم، يهدف إلى إنشاء حزام أخضر بطول 4500 كيلومتراً لمواجهة توسّع صحراء جوبي ومنع العواصف الرمليّة التي كانت تضرب شمال البلاد سنويّاً. وقد نجح المشروع في رفع نسبة الغطاء الغابي في المناطق المستهدفة من 5.05 % إلى 13.84 %، ما أسهم في استعادة ملايين الهكتارات من الأراضي المتدهورة وامتصاص مئات ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويّاً.
لم تَخرج تجربة «السور الأخضر العظيم» عن كونها حملة تشجير؛ بل كانت حرباً وطنيّة خاضتها الدولة الصينيّة بأجنحتها كلّها. فمنذ 1978م، أُدرج مشروع الحزام الأخضر ضمن الخُطط التنمويّة الخمسة، فتدفّقت الموازنات المركزيّة، وشُكّلت هيئة وطنيّة عليا لمتابعة التنفيذ يوميّاً، ووُضعت معايير أداء قابلة للقياس على مستوى المحافظات. ونتيجة لهذا الالتزام المؤسّسيّ، زُرع حتّى اليوم 32 مليون هكتار، وأُصلحت 85 مليون هكتار من المراعي المتدهورة، لتصبح الصين أوّل دولة تحقّق «صافي صفر» في تدهور الأراضي في العام 2022م.
أمام هذا التكامل بين قرار سياسيّ، وتمويل مستدام، وتقنيّات محلّيّة، تحوّلت مساحة تُقدّر بـ 4.33 ملايين هكتار من أراضٍ متصحّرة إلى حقول وغابات، وانخفضت العواصف الرمليّة في شمال الصين من 5.1 يوم في المتوسّط سنويّاً إلى 0.7 يوم، وأضافت ثمار الغابات الجديدة أكثر من 50 % من دخل المزارعين المحلّيّين.
فبعد أن عدَّت بكين التصحّر «تهديداً قوميّاً»، حشدت ميزانيّات ضخمة، وجنّدت الجامعات والجيش والقطاع الخاصّ، وأنشأت هيئة عليا تتابع المشروع يوميّاً، فتحوّلت 4.3 ملايين هكتار من الرمال إلى غابات وحقول منتجة.
انطلاقاً من هنا، ماذا لو أعلن لبنان حالة الطوارئ في البقاع وخاصة الشماليّ منه، وأنشأ مجلساً أعلى لمكافحة التصحّر يُعنى بتخطيط الحزام الأخضر اللبنانيّ، ويُدمج التشجير مع مشاريع الطاقة الشمسيّة ودعم صغار المزارعين، قبل أن تتقلّص الرقع الخضراء أكثر؟

• النتيجة العلميّة: البقاع على مفترق طرق
تجمع الدراسات العلميّة والبيئيّة على أنّ:
· البقاع قد يفقد جزءاً كبيراً من إنتاجيّته الزراعيّة خلال العقود المقبلة إذا استمرّت وتيرة التدهور الحاليّة.
· الأمن الغذائيّ اللبنانيّ مهدّد بسبب تمدّد التصحّر وتدهور الأراضي.
· المجتمعات الريفيّة ستواجه موجات هجرة داخليّة متزايدة بسبب فقدان موارد العيش.
لكنّ الخلاصة التي يجمع عليها الجميع، هي كالآتي:
تحتاج مكافحة التصحّر إلى سياسة وطنيّة، وقرار سياسيّ، وتمويل مستدام، وإدارة رشيدة للموارد الطبيعيّة للوصول إلى نتائج ملموسة على المدى القريب.

• البُعد الدينيّ للتشجير: واجب لا خيار
ما دور الدين الإسلاميّ في الدعوة إلى حماية البيئة والتشجير؟ يؤكّد فضيلة الشيخ بلال ناصر الدين أنّ قضيّة حماية البيئة بشكل عام ليست مسألة بيئيّة أو إنمائيّة فحسب، بل تنطلق من عمق الرؤية الدينيّة الإسلاميّة التي أولت اهتماماً بالغاً بكلّ ما يصلح حياة الإنسان في هذه الدنيا. فالدين الإسلاميّ الحنيف، بحسب فضيلته، لم يترك شأناً من شؤون الحياة إلّا وأرشد إليه، ومن ذلك العلاقة مع الأرض والبيئة، ولا سيّما زراعة الأشجار والعناية بها، سواء أكانت مثمرة أم غير مثمرة.
ويستند فضيلة الشيخ في هذا الإطار إلى مبدأ الاستخلاف، معتبراً أنّ الإنسان جُعل خليفة في الأرض، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، وأنّه مأمور بعمارتها لا بإفسادها، مصداقاً لقوله عزّ وجلّ: ﴿أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61). وعمارة الأرض، وفق هذا الفهم، لا تقتصر على الاستفادة منها، بل تعني إصلاحها وإحياء ما كان مهملاً أو خالياً من الشجر، والحفاظ على التوازن الطبيعيّ الذي أودعه الله فيها. ويشدّد فضيلته على أنّ مفهوم التشجير في الإسلام لا يقتصر على الأشجار المثمرة، على الرّغم من أهميّتها الاقتصاديّة والغذائيّة، بل يشمل أيضاً الأشجار الحرجيّة وكلّ ما يسهم في خدمة البيئة والإنسان، سواء من خلال تثبيت التربة، أو توفير الظلّ، أو تحسين المناخ المحلّيّ. فالشجر، كما يقول، مرتبط بدورة الحياة الطبيعيّة، وله أثر مباشر على الأرض والمياه والفصول.
وفي هذا السياق، يستحضر الشيخ ناصر الدين قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «الزارعون كنوز الأنام، يزرعون طيّباً أخرجه الله عزّ وجلّ، وهم يوم القيامة أحسنُ الناس مقاماً وأقربُهم منزلةً، يُدعَون المباركين»(1)؛ ليؤكّد أنّ من يزرع شجرة، إنّما يقوم بفعل مبارك، ويحمل بُعداً تعبديّاً وإنسانيّاً، يتجاوز كونه عملاً زراعيّاً بحتاً.

• ما المطلوب؟
انطلاقاً من هذا الفهم، يدعو فضيلة الشيخ ناصر الدين إلى تحمّل المسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة في آنٍ معاً. فكلّ من يملك قطعة أرض مدعوّ إلى زراعتها واستثمارها بالقدر الممكن، فيما تقع على عاتق البلديّات والجهات المعنيّة مسؤوليّة مضاعفة، ولا سيّما في المناطق التي تعاني شحّاً في الغطاء النباتيّ، كمنطقة بعلبك – الهرمل التي تحتاج، بحسب تعبيره، إلى ما يشبه ثورة زراعيّة، سواء على جوانب الطرقات أم في الأراضي القابلة للاستصلاح، وهو أمر ممكن، ولكنّه يتطلّب سعياً وجهداً وإرادة.
ويختم فضيلته بالتأكيد على البُعد التربويّ، عادّاً نشر ثقافة الزراعة والتشجير بين الناس ضرورة ملحّة، عبر الحثّ المستمرّ والتوعية، كي تتحوّل حماية الأرض إلى سلوك عام وثقافة مجتمعيّة، لا مبادرات فرديّة متفرّقة، وبذلك تُصان الأرض ويُحمى مستقبل الأجيال القادمة.
وهكذا، إن لم تتحرّك الدولة اللبنانيّة سريعاً، وبخاصّة في ما يتعلّق بسهل البقاع، لإطلاق استراتيجيّة بيئيّة وطنيّة شاملة، فإنّ خطر التصحّر سيتحوّل من تهديد إلى واقع. فالجهود الحاليّة، على أهميّتها، لا تزال مبادرات متفرّقة لا ترقى إلى مستوى الأزمة.


 
1. الكافي، الشيخ الكلينيّ، ج 5، ص 261.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع