الشهيد على طريق القدس القائد علي نايف أيوب  تسابيح جراح | رأسي مشطور... وقلبي على العهد عمارة المسجد هندسة وحضارة «الحربوق... » فاسدٌ بثوب الذكيّ قصة | آمنة ... وظلّ أحمد(1) كفى بالأجل حارساً: حكــاية ثبات القيادة يدُ الله في اختيار القائد القيادة: تنوّع أدوار ووحدة مسار نحنُ أبناء التكليف الافتتاحية | الراية هي هي

كفى بالأجل حارساً: حكــاية ثبات القيادة


د. علي كريم


يحتاج الإنسان في مواجهة تحدّيات الحياة ومخاطرها إلى حكمة تمنحه أماناً نفسيّاً وتشحذ عزيمته وثباته، خصوصاً في ساحة الصراع بين الحقّ والباطل، حيث يتحمّل قائد جبهة الحقّ مسؤوليّة قيادة أتباعه ببصيرة ويقين، حتّى لو كلّفه ذلك روحه. ومن أبرز مظاهر هذه الحكمة قول أمير المؤمنين عليه السلام في قلب المعركة: «كفى بالأجل حارساً»(1) الذي يذكّر بأنّ أجل الإنسان مقدّر لا يتقدّم ولا يتأخّر. لكنّ السؤال يبقى: كيف يحقّق القائد هذا الأثر في نفوس أتباعه؟
 
• أثر اليقين بالأجل في عمليّة القيادة
في البداية، لا بدّ للقائد من التسليم بموقعه وإيمانه بدوره؛ فبقدر إيمانه بِعِظم الدور الذي يشغله، وبالمعرفة اليقينيّة بأنّ هذا الدور المتقدِّم يفرض عليه مسؤوليّة كبرى، خاصّة في مراحل اشتداد الأزمات، بقدر ما يستطيع أداء مهامه القياديّة بفعاليّة أكبر، فيوظّف كلّ ما هو متاح في قيادة الجمهور نحو تطلّعاته المنشودة، فيحدّثه بلغته وهويّته وقيمه، ويتحمّل معه ما يتحمّله، ويحرص على أن يكون قريباً منه بهواجسه وقلقه، ليستخرج أفضل ما لديه من قدرات وإمكانات، أملاً بتوظيفها في سياق المواجهة مع الباطل.
ولعلّ هذا الدور الاستثنائيّ، وفي مختلف المراحل الزمنيّة، يحتاج أكثر من غيره إلى اليقين بأنّ الحضور المباشر في ساحة المواجهة له ضريبته التي قد تكلّفه حياته، لذا، تحضر حكمة الإمام عليّ عليه السلام: «كفى بالأجل حارساً»، لتمزج بين حكمة القيادة والقدرة على إدارة المعركة بثبات، انطلاقاً من الآتي:
1. الحماية الإلهيّة: تدفع الحكمة -ابتداءً- إلى تثبيت الاعتقاد بأنّ الله تعالى هو المدبّر لكلّ شؤون هذا الكون(2)، وأنّه الحامي الفعليّ للإنسان، بل الأوّل والأخير، فلا تموت نفس قبل موعدها ولو اجتمعت عليها الدنيا، ولا ينجّيها من الموت حارس إذا حان أوانها، حتّى في ظلّ التهديد؛ فمع كلّ إنسان ملائكة يسخّرها الله لتحفظه من الموت إلى حين موعد أجله(3)، ولكن عندما يحين الأجل، يتنحّى هؤلاء الحفظة بأمر من الله تعالى ليقع القدر المحتوم.
2. التحرّر من ضغوط التهديد: لا شكّ ولا ريب في أنّ استهداف القائد هو أحد الأهداف المرصودة دوماً في معركة الصراع بين الحقّ والباطل. وبما أنّ القائد حريص على أداء تكليفه بما تمليه عليه المسؤوليّة الشرعيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، فإنّه سيؤمن بأنّ حضوره المباشر في ساحة الجهاد، لم ولن يبدّل شيئاً من ساعة الأجل. وهذا ما كان يؤمن به جميع القادة في تجربة المقاومة الإسلاميّة في لبنان.
3. التوكّل مع العمل: تحتاج القيادة إلى إدارة كمّ كبير من الإجراءات التخطيطيّة والتنفيذيّة ومواكبتها للسير بالمنظّمة نحو الأمام؛ بدءاً من رسم الاستراتيجيّات الحاكمة في العمل، إلى صياغة الأهداف بمستوياتها المتدرِّجة، وصولاً إلى التنفيذ العمليّ لها. وهذا كلّه يحتاج إلى الحضور، والإشراف، والمواكبة، واتّخاذ القرارت، وتوزيع الأدوار، ورصد النتائج، إلخ. وهنا، تأتي ميزة اليقين بالحكمة (كفى بالأجل حارساً) بثقلها المعنويّ لتدفع القائد نحو إنجاز أعماله بالتوكّل على الله تعالى.
4. القدرة على مواجهة المخاطر واتّخاذ القرارات الصعبة: مهما اشتدّت حدّة المواجهة وضراوة المعركة بين الحقّ والباطل، يبقى اليقين عند القائد بأنّ الأجل بيد الله تعالى، لما لذلك من تأثير في رباطة الجأش، والثبات، والشجاعة النفسيّة، والإقدام، والسكينة، والطمأنينة، وإدارة المرحلة بهدوء وحكمة، بعيداً عن الخوف والاضطراب والقلق، مع ما يمكن أن يعكسه ذلك على الجمهور من حوله، ليكون القدوة في المواجهة، ويتمكّن من تثبيت أهل الحقّ على هذا النهج.
5. عقلنة إجراءات الحماية: صحيح أنّ المحافظة على النفس واجب شرعيّ، وهذه المسألة تطال مطلق البشر وليس القائد فقط، ولكن هذا لا يعني أن تُصبح الشغل الشاغل والهمّ الأوّل والأخير؛ فمع التشديد بإجراءات الحماية، يحضر اليقين بحكمة الأجل الحارس، لتبقى ضمن حدود المعقول والمقبول، لا أن يُبالغ بها إلى حدّ يضطرب معه القائد وكلّ الفريق من حوله المعنيّ بحمايته؛ فالحذر لا يغني من القدر.
6. التواضع وعدم الاستبداد: إنّ موقع القيادة له امتيازاته في الدنيا قبل الآخرة، ويعطي من هو فيها الأسبقيّة في الأمر والنهي، والتحرّر والإلزام، والسماح والمنع، وغيرها من الامتيازات. ولكن مع الاعتقاد بأنّ الله تعالى هو من يقدّر الأجل، تبقى هذه الأسبقيّة في حدود ما يُرضي الله، ولا تشكّل لدى القائد معبراً للنفوذ والتسلّط والتحكّم بالعباد والبلاد.
7. عزّة النفس والتحرّر من التبعيّة: تتطلّب القيادة الحكيمة أن يكون القائد عزيزاً لا ذليلاً، وهذا ما اعتاد عليه قادة أهل الحقّ. وإنّ الإيمان بحراسة الأجل، وأنّ الموت والحياة بيد الله تعالى، سيُنتِج لدى القائد المؤمن والشجاع الاعتقاد الراسخ بأنّ النفس أعزّ من أن تُذلّ للظلم وتتبع الباطل وتنتهج سبيل الدنيا، فالله أراد لعباده حياة العزّة والقدرة والارتباط به وحده(4)، لا الخضوع والإذلال والمسكنة.

• قيادتنا اليوم... شُجاعة
وعليه، يرتكز القائد في إدارته للمعركة على قاعدة مهمّة تحقّق له ولجمهوره الأمن النفسيّ، وهذا ما عاينه مجتمع المقاومة مع الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله)، إذ إنّ اللافت في الأمر حديثه السابق عن الحكمة نفسها قبل أكثر من عشر سنوات، إذ يقول: «لنحسم مسألة أساسيّة، بأنَّ الأَجَلَ المسمّى بيد الله تعالى، لا يتقدّم ولا يتأخّر. ماذا ينفعنا إذا عرفنا بأنَّ الأَجَلَ محتوم؟ أهمّ فائدة من عدم المعرفة أن لا يشغل الموت الإنسان بالوسوسة والخوف والحرص، وأن لا ينصَبَّ هدفه لمنع الموت عنه بالمبالغة في العناية بصحّته، أو الابتعاد عن مواقع الجهاد خشية الخطر، أو باتّخاذه المواقف المتخاذلة خشية الموت! فالموت حتميّ في وقته المحدّد. لذا، يجب أن تقوم بتكليفك وواجبك بشكل صحيح، فهذه الأمور لا تأتي بالموت. هل تعتقد أنَّ المجاهدين استشهدوا لأنّهم ذهبوا للجهاد في سبيل الله؟! لا، إنّما استشهدوا لأنَّ أجَلَهم حان في هذه اللحظة التي استشهدوا فيها. ولذا، بعض المجاهدين الذين شاركوا في عدد كبير من العمليّات الجهاديّة ضدّ العدوّ الإسرائيليّ منذ سنة 1982م وحتّى الآن، لا يزالون أحياءً؛ لأنَّ أجَلَهم لم يحن وقته. بينما بعضهم الآخر استشهد في أوّل معركة شارك فيها لأنّ أجَلَه قد حان. وبعض الناس اختبأوا في الملاجئ والمخابئ أو انتقلوا إلى أمكنة أخرى حذر الموت، ولكنّهم ماتوا لأنّ آجالهم قد حانت»(5).
ويقدّم سماحته (حفظه الله) مثالاً عمليّاً: «أرادت أمّ أن تحمي ولدها أثناء الحرب اللبنانيّة، فقرّرت إرساله خارج لبنان. استقلّ الطائرة، وبعد خمس دقائق أُذيع خبر سقوطها فمات ابنها، إذ قد حان أجَلُهُ فلا يمكن حمايته. وفي حادثة أخرى مشهورة عن سقوط طائرة كوتونو بعيد إقلاعها من المطار، مات من كان على متنها، لكنّ شابّاً منعته أمّه من السفر، لم يستقلّ الطائرة، فبقي على قيد الحياة، إذ لم يحن أَجَلُه»(6).
ويختم سماحته (حفظه الله) بالقول: «عندما يعرف الإنسان أنّ أَجَلَه بيد الله تعالى يرتاح ويطمئنّ، فلا ترتبط أعماله باحتمال الموت أو عدمه، بل يقوم بتكليفه، ويبتعد عن أماكن الخطر، ويحمي نفسه بشكل طبيعيّ، فلا يرمي بنفسه إلى التهلكة، والباقي بيد الله تعالى»(7).
لا تموت نفس قبل موعدها ولو اجتمعت عليها الدنيا، ولا ينجّيها من الموت حارس إذا حان أوانها
 

1. نهج البلاغة، ج 4، ص 73.
2. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 2).
3. ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الرعد: 11).
4. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).
5. الموقع الرسميّ للأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله).
6. المصدر السابق نفسه.
7. المصدر السابق نفسه.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع