الشهيد على طريق القدس القائد علي نايف أيوب (الحاجّ أبو حسن عمّار)
الاسم الجهاديّ: الحاجّ أبو حسن عمّار.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله 6 أبناء، بينهم شهيد.
محلّ الولادة وتاريخها: زفتا، 6-1-1964م.
محلّ الشهادة وتاريخها: الضاحية الجنوبيّة، 27-9-2024م.
في زاوية الصالة، مكتب يضمّ مقتنياته الشّخصيّة، تفوح منها رائحة ذكرياته وبعض الأماكن؛ هاتف حمل صوته لآخر مرّة مودّعاً قبل الرحيل، وصورة تتوسّطها ابتسامة صغيره محمّد حسن، هذا المدلّل الذي لحق بأبيه بعد عشرين يوماً وارتقى شهيداً.
• من المقاومين الأوائل
الحاج أبو حسن عمّار، المقاوم الذي امتشق سلاحه من العدم في الوقت الذي لم يكن في الجنوب مقاومة، فاختار القيام وحيداً كما أخبرنا ابنه الذي عرض لنا الكثير من تاريخ والده الجهاديّ الطويل والغنيّ بالقصص والمواقف: «في بلدة زفتا، حيث نشأ الوالد، أسّس لنفسه حركة جهاديّة فرديّة ضدّ العدوّ الصهيونيّ قبل انطلاق عمل المقاومة، وهو في السادسة عشرة من عمره، فكان يزرع العبوات الصغيرة على الطرقات التي يسلكها الجنود الصهاينة في دير الزهراني والنميريّة وما حولهما، أو يضع في طريقهم ما يعرقل حركتهم. لقد كان شخصاً مبادراً منذ صغره، إذ كان يغادر المدرسة خلال الدوام ويركض نحو المسجد لرفع أذان الظهر، ثمّ يعود إلى صفّه جاهزاً للعقاب، ويطلب من الأستاذ أن يسأله مسألة من الشرح الذي لم يحضره، ليجيبه عنه بشكل صحيح».
قادته دروبه إلى جبشيت، حيث الشيخ راغب حرب (رضوان الله عليه)، ليكون معه في حركته الاجتماعيّة والجهاديّة. يخبرنا ابنه عن تلك الحقبة: «وقتذاك، تعرّف الوالد إلى الحاج عماد مغنيّة والسيّد محسن شكر، وبدأ التنسيق معهما، وكان سرّيّاً في عمله. وبعد أن صار يتردّد إلى بيروت، راقبه العدوّ وتتبّع حركاته، حتّى اعتُقل لثلاثة أيّام».
• عمل بصمت ودقّة
على الرغم من تشعّبات عمل الحاج أبو حسن وصعوبته، كان شخصاً سلساً يسهّل الأمور ويهوّنها، ويقوم بعمله بعيداً عن التعقيد. وقد برز إبداعه في العمل العسكريّ في مختلف المجالات، فكان يؤمّن الذخيرة وينقل السلاح بمواكبة من الحاج عماد لفترة من الزمن. ولمّا سافر إلى إيران للمشاركة في دورة عسكريّة، تدرّب على المدفعيّة، وعن ذلك يخبرنا ابنه: «منذ ذلك الوقت، أصبح والدي والمدفع رفيقان، فهو رجل ذكيّ في الحسابات ودقيق جدّاً، والعمل على المدفعيّة كان بالنسبة إليه معادلات يعشقها. وفي فترة الثمانينات، كان لدى المقاومة مدفع واحد، ينقله من محور إلى آخر، وفي إحدى العمليّات العسكريّة في إقليم التفاح، مشى والدي وهو يحمل مدفع الهاون على كتفه لمسافة طويلة من أجل مواكبة العمليّة».
كان له بصمة في أغلب قرى الجنوب قبل أن ينتقل إلى طهران في أوائل التسعينيّات، فتولّى مسؤوليّة مكتب حزب الله الجهاديّ لأربع سنوات، عُرف فيها بروحه المحبّبة وتفانيه في عمله، فترك أثراً في قلوب من عرفه من قادة ومسؤولين ظلّوا على تواصل وثيق معه حتّى آخر اللحظات. كما خضع لدورات عالية المستوى، مولياً اهتماماً خاصّاً بالمدفعيّة، ولكنّه فجأة قرّر ترك كلّ شيء والعودة إلى لبنان، فتولّى مسؤوليّة الإسناد في الجنوب إلى جانب مسؤوليّات أخرى تعنى بتطوير الأسلحة. ولشدّة حرصه على أموال العمل، كان يقوم بالتجارب على نفقته الخاصّة، على الرّغم من محدوديّة موارده.
ويضيء ابنه على خصوصيّة في طريقة تفكير والده: «كان والدي شخصاً محبّاً للعلم، ويؤمن بأنّ التجربة والخبرة تحتاجان إلى اختصاصٍ علميّ. ولم يكن يشدّد على متابعتي أنا وإخوتي الخمسة لدراستنا فحسب، بل كان أيضاً شديد الحرص على أن تتابع والدتي اختصاصها الجامعيّ، حتّى أنّه كان يطلب منها أن لا تستنزف وقتها في متابعة شؤون البيت على حساب الدرس. وها هي الآن، بحمد الله، تدير عيادة استشارات نفسيّة. أمّا هو، فقد أكمل اختصاصين جامعيّين مع دراسته الحوزويّة».
• محبّ للأرض والناس
شارك أبو حسن في الحروب والعمليّات التي نفّذتها المقاومة الإسلاميّة. وفي تحرير العام 2000م، وبينما كان الناس يدخلون إلى القرى بمساندة المجاهدين، دخل هو والحاج عماد إلى مواقع العدوّ ومراكزه، وراحا يجمعان الأوراق والحواسيب، وكلّ ما يمكن أن يفيد في جمع المعلومات.
لم تكن حياة الحاج أبو حسن عسكريّة بحتة، ففيه روح الفلّاح الذي يعشق الأرض ويحبّ الطبيعة. وعلى الرغم من ضيق وقته، إلّا أنّه عمل على بناء منحلة خاصّة به في أعالي جبال الإقليم، حيث كان ينتج من العسل أشهاه. ليس ذلك فحسب، بل جمع عدداً من عصافير الكناري في شرفة منزله في بيروت، وكان يحبّها ويهتمّ بها كثيراً، لدرجة أنّه في اتّصاله الأخير بزوجته، طلب منها أن تهتمّ بها أثناء غيابه، وربّما كانت هذه وصيّته الأخيرة.
«كان رجلاً تملؤه العاطفة»، يقول ابنه وبين طيّات الكلام غصّة الاشتياق، «يحوطنا بمحبّة وعناية كبيرتين. وكان محبّاً للناس، ودوداً، يسأل عن الجميع، ويزور القرية ليشارك في إحياء بعض المناسبات، وله بعض الصور وهو يقرأ الدعاء في مسجد البلدة. لقد حافظ على هذا الارتباط العميق بأرضه وأهله وناسه».
• تخطيط استراتيجيّ
باستشهاد الحاج عماد، فقد الحاج أبو حسن أقرب الناس إليه، ولكنّه ظلّ محافظاً على نهجه. وإلى جانب العمل الدؤوب والحثيث للتطوير، كان مخلصاً جدّاً في بناء القدرات الشبابيّة، وتأهيل الكثير من الكوادر في صفوف المجاهدين، يقول ابنه: «كان أباً لكلّ المجاهدين، يهتمّ بأدقّ تفاصيلهم، ويغمرهم بالمحبّة. هذا الاحتضان ساعد الكثير منهم على تجاوز المصاعب التي واجهتهم».
ويكمل: «خلال حرب الدفاع عن المقدّسات، قام والدي بدراسة دقيقة للصواريخ ومداها، وكذلك للمدفعيّة وطريقة عملها في مختلف الظروف المناخيّة، وظلّ يجري اختباراتٍ تسبق كلّ اقتراح، حتّى كان أثره ملموساً في عمله».
بدأت حرب الإسناد التي تطلّبت المواجهة فيها نمطاً جديداً من العمل، واستعدادات أكثر صعوبة، فانكبّ الحاج على تحليل كلّ جديد، ليدير ملفّ إدارة النيران بدقّة متناهية كعهده.
• يوم الفاجعة
يخبرنا ابنه أنّه بعد استشهاد السيّد محسن شكر، انتقل ملفّ الحاج أبو حسن مباشرة إلى سماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، حيث بات يتابع معه العمل في غرفة العمليّات المركزيّة، وصار غيابه عن البيت شبه دائم، إلى أن كان غروب يوم الجمعة الذي ارتقى فيه سماحة السيّد الأقدس ومن معه في غرفة العمليّات، منهم الحاج أبو حسن عمّار، وعن ذلك اليوم يخبرنا ابنه: «كانت ليلة طويلة وصعبة تداخلت فيها المشاعر بشكل غريب، فبينما كنّا نفكّر بوالدي ومصيره، أقلقنا بشدّة مصير سماحة السيّد. وما أن أُعلن ذلك الخبر المفجع، حتّى بدأت البحث عن والدي. كنت لوحدي حينها، فأخي محمّد حسن كان قد التحق بجبهة الإسناد، وكنت في كلّ يوم أقف بالقرب من الآليّات التي كانت تبحث عن الشهداء بين الركام وتحت عيون طائرات الاستطلاع والطيران الحربيّ. بقيت كذلك نحو خمسة عشر يوماً إلى أن أخبرني الإخوة أنّ العمل سيتوقّف بسبب الظروف المحيطة وخوفاً من انهيار المباني المجاورة، ولكنّي طلبت من إحدى الآليّات أن تحفر في مكان محدّد كمحاولة أخيرة. بالفعل، وكأنّ قلبي دلّني عليه، فسرعان ما ظهرت تلك اليدُ الناعمة المزيّنة بخاتم من سماحة السيّد، وكان وجهه منيراً، ولحيته البيضاء زادته بهاء. وسرعان ما وصل أخي محمّد حسن، فودّع والدي على عجالة، وأخبرني أنّه يجب أن يعود إلى الجبهة حتّى لا يتولّى أحد غيره مهمّته. وكان ذلك لقائي الأخير به حيث ارتقى شهيداً(1) ولحق بوالدي».
لقد ترك الحاج أبو حسن عمّار إرثاً قيّماً لأولاده، من الإنجازات والتكريمات التي نالها طوال سنوات الجهاد، ولكنّ أثمنها محبّة الناس والمجاهدين له، وهم الذين كانوا يقولون إنّه كالملاك الذي يحرسهم. فهنيئاً له ذلك العروج مع أحبّ الناس إلى قلبه.
1. الشهيد محمّد حسن علي أيوب، استشهد بتاريخ: 19 - 10 - 2024م.