د. م. شوقي محمود نصُّور
تُعدّ عمارة المسجد أحد أبرز تجلّيات الحضارة الإسلاميّة، بحيث لم يُنظر إليها تاريخياً بوصفها ممارسة إنشائيّة محضة، بل بوصفها فعلاً ثقافيّاً وروحيّاً يعكس تصوّر الإسلام للكون والإنسان والحياة. فمنذ اللحظات الأولى لتشكّل المجتمع الإسلاميّ، ارتبط المسجد بوظائف تتجاوز العبادة لتشمل التعليم والقضاء والاجتماع، ما جعله محوراً بنيويّاً في تشكّل المدينة الإسلاميّة وفي صياغة الوعي الجمعيّ.
في هذا السياق، برزت الجماليّة المعماريّة عنصراً مؤثّراً في التجربة التعبّديّة، بما ينسجم مع الرؤية القرآنيّة التي تؤكّد قيمة الإحسان والإتقان في العمل، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (السجدة: 7).
• الجمال والقداسة في الفكر الإسلاميّ
ينطلق التصوّر الإسلاميّ للجمال من كونه صفة كماليّة مرتبطة بالفعل الإلهيّ، لا مجرّد قيمة حسّيّة منفصلة عن المعنى. وقد انعكس هذا الفهم في عمارة بيوت الله التي أُمر برفعها ماديّاً ومعنويّاً، كما ورد في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (النور: 36).
ويُفهم الرفع هنا بوصفه رفعاً في المكانة والوظيفة والهيئة، بما يجعل المسجد فضاءً مهيّئاً لحضور القلب والخشوع. وتؤكّد روايات أهل البيت عليهم السلام هذا المعنى، إذ يُروى عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: «إنّ الله جميل يحبّ الجمال»(1)، وهو حديث يؤسّس لشرعيّة الجمال بوصفه عنصراً داعماً للتقوى لا مناقضاً لها.
من هنا، سنقدّم لمحة عن دلالات عمارة المساجد، تجمع بين المقاربة التحليليّة والتاريخيّة والمقارنة، انطلاقاً من الطبيعة المركّبة لهذا الموضوع الذي يتقاطع فيه البُعد الدينيّ مع الهندسيّ والجماليّ والإنسانيّ.
1. المـــقاربــة التحليليـــّة: تُوظَّف المقاربة التحليليّة في تفكيك العناصر المعماريّة الأساسيّة للمسجد، ولا سيّما القبّة، من حيث وظائفها الإنشائيّة والصوتيّة والضوئيّة، وتأثيرها النفسيّ والروحيّ في المتعبّد. ويجري هذا التحليل في ضوء مفاهيم العمارة ونظريّات الفضاء المقدّس وعلم النفس البيئيّ، مع الاستئناس بالنصوص الدينيّة بوصفها محدّداً للمعنى لا بديلاً عن التحليل العلميّ.
2. المقاربة التاريخيّة: تعتمد تتبّع تطوّر عمارة المساجد منذ العصر النبويّ، مروراً بالعصور الأمويّة والعبّاسيّة والعثمانيّة والصفويّة، مع التركيز على تطوّر تصميم القباب ودلالاتها، وربطه بالسياقات الحضاريّة والسياسيّة والثقافيّة لكلّ مرحلة.
3. المقاربة المقارنة: أي تحليل تمايز القبّة في عمارة المساجد عن نظيرتها في العمارة الكنسيّة، بهدف الكشف عن انعكاس الرؤى العقديّة المختلفة في الحلول المعماريّة، من دون تبنّي خطاب تفضيليّ أو تقويميّ.
• تطوّر عمارة المساجد ودلالات عناصرها الجماليّة
شهدت عمارة المساجد تطوّراً نوعيّاً مهمّاً منذُ مرحلة بناء المسجد النبويّ الذي كانت تغلب عليه البساطة بما ينسجم مع العمارة آنذاك، حيث كان التركيز على وظيفته الروحيّة والاجتماعيّة، إلى ظهور المساجد الجامعة الكبرى التي دمجت بين العظمة المعماريّة والدقّة الإنشائيّة. وقد مثّلت القباب والمآذن والزخارف والخطّ العربيّ عناصر دلاليّة تعبّر عن هويّة حضاريّة قائمة على التوحيد والتنزيه.
مثلاً: نجد أنّ الزخرفة الهندسيّة القائمة على التكرار اللانهائيّ تُحيل إلى مفهوم الأبديّة الإلهيّة، بينما يحوّل الخطّ العربيّ النصّ القرآنيّ إلى حضور بصريّ دائم داخل الفضاء المعماريّ، بما يعزّز الارتباط بين الكلمة المقدّسة والمكان.
• القبّة في عمارة المسجد: بين الهندسة والرمزيّة
تُعدّ القبّة العنصر الأكثر تأثيراً في تشكيل التجربة الفراغيّة(2) داخل المسجد. فمن الناحية الهندسيّة، هي تتيح توزيع الأحمال بفاعليّة، وتُسهم في تحسين الخصائص الصوتيّة والحراريّة للفضاء الداخليّ. أمّا من الناحية الرمزيّة، فإنّها تمثّل صورة السماء المحتضنة للمصلّين، بما يعزّز الإحساس بالاحتواء والسكينة. ويتضاعف هذا الأثر حين تُصمَّم القبّة بنوافذ محيطيّة تسمح بدخول الضوء الطبيعيّ من مختلف الاتّجاهات، فيتحوّل الضوء إلى عنصر تعبيريّ يرسّخ الهيبة والجلال، ويُعين على الخشوع، انسجاماً مع الرؤية القرآنيّة التي تربط بين النور والهداية.
• قراءة مقارنة: القبّة في المساجد والكنائس
يكشف التحليل المقارن أنّ القبّة في العمارة الإسلاميّة غالباً ما تتّخذ هيئة نصف دائرة، بما يخلق فضاءً مفتوحاً ومتوازناً يعبّر عن شموليّة الرحمة الإلهيّة ومركزيّة الجماعة في العبادة.
في المقابل، تميل القباب الكنسيّة تاريخيّاً إلى الامتداد الأكثر انغلاقاً، بما يعكس تصوّراً لاهوتيّاً مختلفاً للعلاقة بين الإنسان والمقدّس. ويُظهر هذا التمايز كيف تتجسّد العقائد في حلول معماريّة ذات دلالات فراغيّة ونفسيّة مغايرة.
• أثر عمارة المسجد في بناء العلاقة بين الإنسان والعالم
تؤدّي عمارة المسجد دوراً محوريّاً في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه، إذ يوفّر الفضاء المعماريّ الجميل بيئة تساعد على تهذيب السلوك وتعزيز الانتماء والشعور بالطمأنينة.
كما يشكّل المسجد، بوصفه عنصراً مركزيّاً في النسيج العمرانيّ، نواةً للحياة الاجتماعيّة والثقافيّة، ما ينسجم مع ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام من تأكيد دور المسجد في إصلاح الفرد والمجتمع.
• بنية مركّبة من الوظائف
تخلص هذه المقاربة إلى أنّ عمارة المساجد في الإسلام، ولا سيّما القبّة، تمثّل بنية مركّبة تدمج بين الوظيفة الهندسيّة والدلالة الروحيّة والبُعد الحضاريّ.
فالقبّة ليست عنصراً إنشائيّاً فحسب، بل فضاءٌ حاضنٌ للتجربة التعبديّة والإنسانيّة، يعكس رؤية الإسلام المتوازنة للعلاقة بين الدنيا والآخرة.
من هنا، تبرز أهميّة إعادة قراءة العمارة المسجديّة المعاصرة في ضوء هذه الأبعاد، بما يسهم في إحياء دور المسجد بوصفه مركزاً روحيّاً وثقافيّاً وحضاريّاً فاعلاً في المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة.
1. الكافي، الشيخ الكيني، ج 1، ص 438.
2. تعني التجربة الفراغيّة اختبار نوع من التصاميم الهندسيّة التي تتشكّل داخلها مساحة فراغيّة أو فضاء داخليّ؛ كالقباب أو السلّم الحلزونيّ أو القناطر مثلاً.