نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

حليف السجدة الطويلة


الشيخ كميل شحرور

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (يوسف: 33).
عندما قال يوسف عليه السلام هذه الكلمات كان يريد الهروب من أهل المادّة والدنيا والشهوات ليخلوَ بربّه حتى لا تشوّش الدنيا عليه فتبعدَه عن مقام القرب.
ومن نفس الجهة، نظر الإمام موسى الكاظم عليه السلام إلى السجن كمكان خلوَة، بعيداً عن الدنيا وأهلها.


حوّل الإمام الكاظم عليه السلام السجن مع قسوته ووحدته وظلمته ووحشته إلى مكان أنس بالمعبود الأوحد. حوّل الإمام عليه السلام تلك البقعة الجامدة الباردة التي ينفرُ منها الناس إلى مكان دافئ تتمايل جدرانه الصمَّاء مع ترانيم تسبيحه عليه السلام.
إنه الإمام السجين الكاظم للغيظ موسى بن جعفر عليه السلام.

*فرَّغْتني لعبادَتك.. فلكَ الحمد
أكثر من ثلاثة عشر عاماً، أقلّ بقليل أو أكثر بقليل، حسب اختلاف الروايات، قضاها هذا الإمام سجيناً صابراً محتسباً مدافعاً عن دين الله عزَّ وجلّ.
وأقبل الإمام عليه السلام على عبادة الله عزَّ وجلَّ لا يشغله عن ذكره شاغل ولا يمنعه عنه مانع، فحيَّر الألباب وأبهر العقول. فكان يصوم في النهار، ويقوم في الليل. يقضي أغلب وقته في الصلاة والسجود والدعاء ولا يسأم من السجن. واعتبر تفرّغه للعبادة من أعظم النعم، فكان يشكر ربّه على ويدعو بهذا الدعاء: "اللهمَّ إنني كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك. اللهمَّ وقد فعلت فلك الحمد"(1).

هذه الكلمات تكشف شوق الإمام عليه السلام للتفرّغ لعبادة ربّه، وكيف أنّ الإمام كان يتعامل بالصبر والاحتساب مع هذا البلاء.

*عبادته في السجن
ومع أنّ فترات سَجنه كانت متقطعة، يدخل إلى سجن ويفرّج عنه ثم يدخل إلى سجن آخر، إلّا أنّ المعلوم أنّه عليه السلام كان في كل تلك الخلوات عابداً متبتلاً إلى مولاه.
حتى إنّ الفضل بن الربيع بُهر بعبادة الإمام عليه السلام، فكان يحدّث عنها، ونفسه مترعةٌ بالإكبار والتقديس.

فقد حدّث عبد الله القزويني قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح داره، فقال: ادنُ مني، فدنوت منه حتّى حاذيته فقال لي: أشرف على الدار، فأشرف عبد الله على الدار. فقال له الفضل: ما ترى في البيت؟ فقال: أرى ثوباً مطروحاً، فقال له: انظر حسناً، فتأمّل عبد الله ونظر. فقال له: رجل ساجد، فقال: هل تعرفه؟ فقال: لا، فقال: هذا مولاك، فقال: من مولاي؟ فقال له: تتجاهل عليّ؟ فقال: ما أتجاهل ولكن لا أعرف لي مولى، فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر. وأخذ الفضل يحدّث عبد الله عن عبادة الإمام قائلاً: "إنّي أتفقّده الليل والنهار فلا أجده في وقت من الأوقات إلّا على الحال التي أخبرك بها. إنه يصلّي الفجر فيعقّب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس ثم يسجد سجدة، فلا يزال ساجداً حتّى تزول الشمس، وقد وكّل من يترصَّد له الزوال، فلست أدري متى يقول له الغلام قد زالت الشمس، إذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير أن يجدّد الوضوء فأعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى، فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلّى العصر سجَد سجدة فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت وثب من سجدته فصلَّى المغرب من غير أن يُحدث حدثاً، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلّي العتمة، فإذا صلّى العتمة أفطر على الشوى(2) يؤتى به، ثم يجدّد الوضوء، ثم يسجد ثم يرفع رأسه، فينام نومة خفيفة، ثم يقوم، فيجدّد الوضوء، ثم يقوم، فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام إن الفجر قد طلع، إذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا دأبه منذ حُوِّل إليّ"(3).

*إمام الليل والسّحر
لقد لخَّصت هذه الرواية حالة الإمام عليه السلام في السجن، فكلّ وقته كان غارقاً في العبادة بجميع طرقها، يحيي الليل بالسهر إلى السحر بمواصلة الاستغفار، فهو عليه السلام حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة وفوق كل ذلك صائماً... يؤخّر إفطاره إلى ما بعد صلاة العشاء، وليس له من النوم إلّا حظ قليل ليقوم ثانيةً إلى التعبّد والتهجّد!

إنّ الذي شاهد هذا ورواه هو من الأعداء ومن الذين لا يبطنون حبّ أهل البيت عليهم السلام، وهذا أبلغ في الوصف. وقد أُمر الربيع بقتله، ولكنه تهيَّب هذا الأمر، بعد ما رآه من عبادته لله عزَّ وجلَّ. يقول الفضل ابن الربيع: "قد أرسلوا إليَّ غير مرّة يأمرونني بقتله، فلم أجبهم إلى ذلك، وأعلمتهم أنّي لا أفعل ذلك، ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني"(4).

*مع السجّان
وفي إحدى المرّات التي سجنه فيها هارون العباسي في سجن الفضل بن يحيى، أظهر الفضل إعجابه بعبادة الإمام عليه السلام، وجذبه صفاؤه وأسرَته تلك الطمأنينة التي كان يتصرّف بها الإمام عليه السلام مع كل البلاءات المحيطة به.

فوسّع على الإمام عليه السلام بالسجن ولم يُضيِّق عليه. وقد أرسل ميسور الخادم أحد جواسيس الرشيد إليه بحالة الإمام وكيف أنّه قد رفَّه الفضل عليه في السجن، فلما علم الرشيد بذلك استشاط غضباً، فأمر باعتقاله وجلدوه مئة سوط وأمر بلعنه في مجلسه، فلعنه الناس وتبرّؤوا منه، وأمر بنقله من ذاك السجن.

إنّ تأثير الإمام عليه السلام بأعدائه وسجّانيه يكشف لنا عن شخصية فريدة يمتلكها الإمام عليه السلام؛ بحيث إنّ ذاك الصفاء وذاك النور يخرج من نفس الإمام ليجذب إليه النفوس التائهة في متاهات الدنيا، لأنّ فطرتها فطرت على حب الكمال، والإمام عليه السلام يمثل هذا الكمال لهم.

*الإغراء والفتنة
وبعدما علم هارون بعبادة الإمام عليه السلام وإعظامه من قِبل سجّانيه حاول هذا اللعين أن يغري الإمام عليه السلام فأخدمه جارية حسناء في السجن، علَّ الإمام يفتن بها، فلما رفض عليه السلام غضب هارون وقال لخادمه قل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك، وترك الجارية عنده وانصرف. ثم أنفذ هارون إلى السجن من يراقب ويتفحّص حال الجارية فلما انتهى إليها، رآها ساجدة لا ترفع رأسها وهي تقول: (قدّوس قدّوس)، فمضى الخادم مسرعاً، وأخبر هارون بحالها، فقال: سحرها والله موسى بن جعفر، عليَّ بها، فجيء بها إليه، وهي ترتعد خوفاً، فشخصت ببصرها نحو السماء وهي تذكر الله وتمجّده، فقال لها هارون: ما شأنك؟ فحدّثته عما أراها الإمام عليه السلام من روضة مزهرة وحدائق غنّاء... إلخ. وهكذا بقيت عابدة ساجدة إلى أن لحقت بالرفيق الأعلى(5).

إنها الأنفس المعصومة الزكيّة التي لا تغريها الدنيا ولا تبعدها عن طريق الحقّ قيد أنملة. لقد حوَّل الإمام عليه السلام فترة سجنه إلى أكبر دعوة دينيّة إلى الحقّ، لأنّ الناس التي كانت تطلع على هذه السيرة النقيَّة الفريدة الممتلئة بالتقوى والخشوع، كانت تنجذب إلى الإمام انجذاب الفراش إلى النور. أراد هارون أن يطمس ذكر الإمام عليه السلام وإذ به يخرج من بين جنبات السجن وقيوده ليملأ الدنيا بأسرها.

*ألقاهم على جسر بغداد
نُقل الكاظم إلى سجن السندي بن شاهك حسب أوامر هارون. وقد جهد السندي في إرهاق الكاظم عليه السلام والتنكيل به والتضييق عليه بكلّ الوسائل ابتغاء لمرضاة الخليفة. وذهب المؤرخون إلى أنّ الكاظم عليه السلام قد سجن في بيت السندي. وعلى الرغم من التضييق في السجن فإن الكاظم عليه السلام استطاع استمالة خادم السندي وغيره الذين كانوا يساعدونه عليه السلام على الاتصال بالعلماء وإجابة مسائلهم الدينية. ولم يدم هذا الوضع طويلاً.

يروي أحد أصحاب الإمام عليه السلام وهو عليّ بن سويد وكان من شيعته ومحبّيه وكان تاجراً من تجّار بغداد، استطاع أن يصل إلى مكان سجن الإمام عليه السلام بعد أن أغرى السجّان بالمال، فأدخلوه إلى طامورة الإمام عليه السلام. يقول: كنت أنحدر بهذه الطامورة كأني أهوي إلى باطن الأرض حتّى وصلت إلى الإمام (روحي فداه)، وإذ به بظلمة لا يعرف الليل فيها من النهار. بينا أنا في حيرتي وإذ بصوت الإمام عليه السلام: يابن سويد ما الذي أتى بك إلى هذا المكان؟ فوثبت من مكاني وجعلت أقبّل يديه وقدميه، وكنت أبكي، فمسح على رأسي وقال: ما يبكيك يا عليّ؟ قلت: سيّدي ممّا أراه فيك وأنت ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو شئتَ لدعوتَ الله على هذا الطاغوت، فأخذه أخذ عزيز مقتدر. لقد كان ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستمع إليه حتى أفرغ ما في قلبه من ألم يتضاعف مدى الأيام، ردّ عليه عليه السلام قائلاً: يا عليّ بلِّغ شيعتنا السلام وقل لهم حدّثنا العبد الصالح موسى بن جعفر عن أبيه الصادق عن جدّه محمد الباقر عن جدّه عليّ بن الحسين عن جدّه الحسين بن علي، عن جدّه أمير المؤمنين عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرائيل عن الله تبارك وتعالى، قال: "مثل المؤمن كمثل كفتيّ الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه"(6). قلت: سيّدي ضاقت الصدور متى اللقاء؟ فقال: يا علي بلِّغ شيعتي عنّي السلام وقل لهم ألقاهم يوم الجمعة على الجسر ببغداد.

كان الإمام عليه السلام في الحقيقة ينعى نفسه ويبلغ شيعته أن يأتوا لوداعه بتلك الطمأنينة وذاك الهدوء. وفي تلك الطامورة المظلمة والأغلال والقيود بيديه ورجليه، صعدت روحه إلى بارئها مسموماً غريباً مظلوماً.


1- المناقب، ابن شهر آشوب، ج3، ص433.
2- الشوى: القليل من الشيء.
3- عيون الأخبار، الشيخ الصدوق، ج1، ص99.
4- م.ن.
5- المناقب، م.س، ص415.
6- إرشاد القلوب، الديلمي، ج1، ص123.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

Danmark

Altimimi

2021-03-09 07:18:09

السلام عليك سيدي ومولاي. طبتم وطابت الارض التي دفنتم بها الا لعنه الله علئ ظالمتكم من الاولين والاخرين واني برئ منهم الئ يوم الدين