مع الإمام الخامنئي | الإمام عليّ منارة العلم والتقوى* نور روح الله | شهر رمضان يوقظ الأمّة* فقه الولي | من أحكام الصوم الشهيد على طريق القدس القائد علي نايف أيوب  تسابيح جراح | رأسي مشطور... وقلبي على العهد عمارة المسجد هندسة وحضارة «الحربوق... » فاسدٌ بثوب الذكيّ قصة | آمنة ... وظلّ أحمد(1) كفى بالأجل حارساً: حكــاية ثبات القيادة يدُ الله في اختيار القائد

نور روح الله | شهر رمضان يوقظ الأمّة*


في شهر رمضان المبارك، يتجلّى سرّ الولاية، وينفتح باب القُرب من الله تعالى، وتُرفع الحجب عن بصائر المؤمنين؛ ليتذوّقوا من فيض القرآن النازل، وليصعدوا عبر أدعية الأئمّة عليهم السلام إلى مدارج الإيمان الحقيقيّ. ومن هذه الروحانيّة الصافية، لا عجب أن ينطلق الشعب المؤمن في يوم القدس، كشهادة حيّة على أنّ من اتّصل بالحقّ لا يخضع للباطل. وهكذا، تتحوّل بركات هذا الشهر من نور في القلب إلى صوت في الساحات، ومن دعاء في الليل إلى موقف في النهار.

• كشف الحجب والعبور إلى الحقيقة
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: 1)، إنّ بركة شهر رمضان تنبع من اتّصاله بالوليّ الأعظم رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم الذي وصل إلى حقيقة القرآن، فينزل عليه القرآن والملائكة في ليلة واحدة عظيمة من هذا الشهر الكريم؛ (ما يصطلح عليه العلماء بالنزول دفعةً واحدة)، وبعد نزوله الأوّل في ليلة القدر، يتنزّل بواسطة الوحيّ بالمقدار الذي يخاطب به الناس وتحصل به الأسباب (النزول التدريجيّ).
فالقرآن ليس من مستوى البشر، بل سرّ بين الحقّ ورسوله، نزل تدريجيّاً عبر الوحي ليصل إلينا بصورة حروف وكلمات نستفيد منها، وإن كانت استفادتنا ناقصة بسبب حُجبنا. ولو أننا نعلم سرّ ليلة القدر وسرّ نزول الملائكة فيها - وهو علم ينفرد به وليّ الله الأعظم حضرة صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف- لحُلّت كلّ مشاكلنا التي جذورها هي هذه الحُجب التي تمنعنا من رؤية الحقيقة كما هي: فنحن نرى الدنيا هي الحياة وعدمها نقصاً وحرماناً، بينما الدنيا في جوهرها هي رتبة من حقيقة الحياة الآتية من عالم الغيب، والموت في حقيقته ليس فناءً بل رجوعٌ إلى المرتبة الأولى الأعلى. ولذلك، لم يكن تشكيل الحكومات هدفاً مقصوداً بذاته للأنبياء، بل الهدف إيقاظ الإنسان وتوعيته: ليعرف كيف كان، وما هو عليه الآن، وما سيكون عليه، ويدرك موقعه أمام الذات المقدّسة للحقّ تعالى. ونحن نرجو أن نحظى بفيض هذا الشهر وعيد الفطر، فنرى بقلوبنا قولَه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النور: 35)، و﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: 3)، لا بمجرّد إدراك علميّ، بل بالمشاهدة الوجوديّة التي لا تُنال إلّا بالمجاهدة، كما بلغها الأنبياء والأولياء.

• أدعية الأئمّة تسمو بالإنسان
إنّ الأدعية الواردة عن الأئمّة عليهم السلام، والتي وُصفت بأنّها «القرآن الصاعد»، تحوي من المعارف الإلهيّة ما يُذهل الإنسان ويُبقيه في حيرة. فقد كان الأئمّة عليهم السلام يخاطبون عامّة الناس بلغة تعيّن الواجبات وفق ما هو متعارف عليه، ولكن حين ينتقلون إلى المناجاة والأدعية، تتغيّر المسائل وتختلف اللغة؛ إذ إنّهم لا يدعون بلغة العامّة، بل بلغةٍ خاصّة لا تشبه الأسلوب الاعتياديّ، ولا لغة بيان الأحكام الإلهيّة. ومع أنّ كلامهم عليهم السلام شمل كلّ شيء، فإنّ لغة الدعاء والمناجاة شيء آخر بذاته. من هنا، فإنّ مطالعة هذه الأدعية تفتح الطريق أمام الإنسان وترتقي به إلى مدارج إلهيّة رفيعة. وكما أنّ بلدنا وشعبنا العزيز قد تغيّرا في كلّ شيء، فإنّي آمل أن يطال هذا التحوّل أيضاً قلوبهم ومشاعرهم في هذه المعاني السامية.

• يوم القدس صفعة في وجه التهديدات
بعد تهديداتهم المتكرّرة، وبخاصّة تهديد البيت الأبيض لإيران، طرح شعبنا كلّ تلك التهديدات في الشوارع وداسها بأقدامه. لقد تخيّل الأعداء أنّهم يستطيعون بثّ الخلاف في إيران، فراحوا يروّجون أنّ الرؤساء مختلفون وأنّ الشعب أُنهك وتشتّت، معتقدين أنّه سيستجيب لدعواتهم، لكنّهم فتحوا أعينهم فجأة فرأوا الشعب كلّه قد نهض نهضة رجل واحد، فاستيقظوا من غفلتهم حيارى لا يدرون كيف حدث ذلك وكيف يعالجونه.
لقد ظنّوا أنّ الشعب سيتأثّر حين يروّجون أنّه «تعب من الحرب»، لكنّ يوم القدس صفع وجوههم جميعاً؛ إذ خرج الناس بشعاراتهم المدوّية التي تغلّبت على أصوات المدافع؛ لأنّها صدرت من قلوب مؤمنة، حتّى هزّت البيت الأبيض.
الشعوب المستضعفة في العالم تتّجه نحو اليقظة، ولن تقبل ما كان يُلقى عليها سابقاً. فكلّ تهويلاتهم وبوارجهم في الخليج لا قيمة لها أمام شعب لا يرهبه الموت، ويخرج هاتفاً: «جئنا من أجل الاستشهاد». هذا الشعب أصبح أكثر استحكاماً بعد كلّ جرائمكم، فإن لم تعودوا إلى رشدكم وتتركوا الشرور، فسيزداد إصراره.
وختاماً، أتوجه بالشكر إلى هذا الشعب المؤمن، لقد أثبتم للعالم أنّ بلادنا لن تستكين لأيّ ظلم، ولن تخرج من الميدان تحت أيّ تهديد؛ لأنّ شعبها مستندٌ إلى القدرة الإلهيّة فحسب.


* صحيفة الإمام، ج ‏19، ص 253-257.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع