مع الإمام الخامنئي | الإمام عليّ منارة العلم والتقوى* نور روح الله | شهر رمضان يوقظ الأمّة* فقه الولي | من أحكام الصوم الشهيد على طريق القدس القائد علي نايف أيوب  تسابيح جراح | رأسي مشطور... وقلبي على العهد عمارة المسجد هندسة وحضارة «الحربوق... » فاسدٌ بثوب الذكيّ قصة | آمنة ... وظلّ أحمد(1) كفى بالأجل حارساً: حكــاية ثبات القيادة يدُ الله في اختيار القائد

مع الإمام الخامنئي | الإمام عليّ منارة العلم والتقوى*

 


لقد حظي أمير المؤمنين عليه السلام بمكانة فريدة في التاريخ والأدب والحديث، حتّى إنّ المدح والتأليف فيه لم يُمنح لأيّ شخص آخر بمثل هذا الحجم. ومن بين هذه الفضائل كلّها، تبرز خصلتان نحتاج إليهما اليوم أكثر من أيّ وقت: العدالة والتقوى اللتان بلغ فيهما عليه السلام الذروة.

• العدالة بجميع أشكالها
قمّة «العدالة» التي قلنا إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يتربّع عليها وهي أعلى مراتب العدالة؛ كيف كان يطبّقها؟ لقد كان عليه السلام يطبّقها بأساليب متنوّعة؛ تارةً بيديه الحانيتين، عبر خدمة الضعفاء والأيتام والعائلات التي لا معيل لها. وتارةً أخرى بـ«ذو الفقار»؛ أي في النقطة المقابلة، بذلك السيف القاطع ذي الحدّين، إذ لم يُمدح سلاحٌ على مرّ التاريخ بقدر ما مُدح ذو الفقار. وتارةً باللسان البليغ والحكمة؛ بعبارات تتجاوز آفاق الأدب العربيّ، كما في نهج البلاغة. هكذا يبيّن العدالة؛ فيكتب لعمّاله وولاته رسائل هي دروسٌ في العدالة. أي حين ينظر المرء، يجد حقّاً أنّ كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى مالك الأشتر -الذي هو أمر تولّيه الحكم، إذ يُطلق عليه خطأً «العهد»، بينما هو ليس عهداً بل أمر بالحكم- مفعمٌ بالمفاهيم التي تعود غالبيّتها إلى العدالة، وتجعل المجتمع مجتمعاً عادلاً. من هنا، فإنّ مصدر «جهاد التبيين» هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام.

• التقوى في المحراب والميدان
أمّا التقوى؛ فكيف كان يمارسها؟ كان يمارسها تارةً في محراب العبادة؛ تلك العبادات التي كانت الملائكة تغبطه عليها؛ أي إنّ عبادة أمير المؤمنين عليه السلام وصلاته وتضرّعه ومناجاته لله كانت تثير حيرة الملائكة. وتارةً أخرى بالصبر والسكوت صوناً لوحدة المسلمين؛ فحين يكون ثمّة حقٌّ عائدٌ له ومرتبطٌ به، ثمّ يُسلب منه هذا الحقّ، ويصبح في إمكانه انتزاعه بالسيف، ولكنّ حدوث الاختلاف بين المسلمين سيكون هو الثمن؛ فإنّه يصبر ويسكت ويتعاون لئلّا يحدث ذلك الاختلاف. يُقال أحياناً إنّه عليه السلام اعتزل في بيته خمسة وعشرين عاماً؛ كلا، بل كان حاضراً في الساحة وفي الميدان، يأمر ويوجّه ويرشد.
هذه هي التقوى؛ أن يرى الإنسان حقّاً له يُسلب، ولكنّه يصمت من أجل مصلحةٍ أسمى وأكبر. نحن لا نطيق الصمت؛ فإذا سُلب منّا حقٌّ، نظنّ أنّ الدنيا قد قامت ولم تقعد، ولا نراعي المصالح؛ أمّا ذلك العظيم، فكان يراعيها.
تجلّت تقواه عليه السلام في مواضع أخرى كذلك، في فداء نفسه أمام الأحداث الجسام، كما في «ليلة المبيت»؛ إذ ذهب ونام في فراش النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، في وقتٍ كان فيه من المفترض طبيعيّاً أن يفقد حياته في تلك الليلة. لقد أظهر التقوى أيضاً وثبت في «أُحُد» و«حُنين» و«خيبر»؛ فأذلّ العدوّ. وفي غالبيّة غزوات النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم كان هو السبّاق والمقدام؛ [ذلك كلّه] كان تقوى. إذاً، التقوى ليست في محراب العبادة فحسب؛ بل في ميدان الحرب أيضاً، وهي التي تُثبّت الإنسان وتحفظه وتمضي به قدماً؛ لذا كان عليه السلام يتصدّى للعدوّ.

• العدالـــة والتقوى مسؤوليّة
نحن نحتاج اليوم في بلدنا ومجتمعنا إلى العدالة وإلى تقوى الناس كافّةً، وبخاصّةٍ مسؤولي البلاد؛ ويجب أن يتحقّق ذلك تحقّقاً تامّاً. بحمد الله، يجد المرء من يعملون بتقوى في حالات كثيرة ومواضع متعدّدة، ولكن يجب أن يصبح هذا النهج عامّاً وشاملاً. هذا الإمامُ الذي نتشوّق لاسمه وذكره، ونذكر اسمه على ألسنتنا ونلهج بمدحه، هو إنسانٌ من هذا الطراز؛ ذاك سلوكُه في العدالة والتقوى.
لم تُتح للشيعة طوال هذه الألف عام ونيّف الفرصة لتطبيق عدالة أمير المؤمنين عليه السلام في المجتمع؛ لأنّهم لم يمتلكوا حكومة. أمّا اليوم، فلم تعد هذه الذريعة قائمة ولا يوجد أيّ عذر؛ لأنّ الحكومة إسلاميّة، وعلويّة، وولائيّة. كما علينا أن نسعى وراء العدالة؛ وهي أوجب السمات التي يجب أن تسعوا إليها لإدارة المجتمع. طبعاً، ثمّة عوامل تقف حائلاً دون تقوانا؛ فأحياناً يراودنا الخوف، وأحياناً يداخلنا الشكّ في مبادئنا، وأحياناً نراعي المحسوبيّات والصداقات، وأحياناً نراعي العدوّ؛ هذه الأمور كلّها يجب أن تُنحّى جانباً. لا بُدّ من المضيّ قُدماً نحو البرنامج الذي يحقّق العدالة وذاك الذي ينشر التقوى.
الجمهوريّة الإسلاميّة بحاجة إلى العدالة والتقوى. وهي اليوم، وبالمقارنة مع الماضي، قد أحرزت تقدّماً في كلّ منهما، ولكنّنا لا نزال بعيدين عمّا هو مأمول ومتوقّع. يجب أن نتّخذ من أمير المؤمنين عليه السلام أسوة لأنفسنا، وأن نتحرّك في هذا المسار نحو تلك القمّة.
 

* كلمة لسماحته  دام ظله، ألقاها بتاريخ: 03/01/2026م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع