‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1) ‏الإمام الخامنئي قدس سره: قيادة تُجدّد روح الثورة فقه الولي | ‏حكم أجرة البيوت والمحالّ خلال الحرب لو اجتمع المسلمون في وجه الصهاينة* بمَ ينتصر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه؟*

أنصار الحسين عليه السلام ومبادئ المقاومة

الشيخ علي إبراهيم الهاديّ


يعدّ الوعي السياسيّ عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء من الموضوعات المهمّة التي تكشف عن طبيعة الثورة الحسينيّة ومبادئها، وخلفيّة المشاركين فيها ووعيهم، وإدراكهم للواقع السياسيّ في زمانهم، وهذا ما يطرح السؤال: ما الأطر السياسيّة عند هؤلاء الأصحاب؟ وكيف يمكن فهم وعيهم السياسيّ في تلك الفترة؟

أوّلاً: الأطر السياسيّة لحركة الإمام الحسين عليه السلام
قدّم الإمام الحسين عليه السلام من خلال ثورته المباركة نموذجاً سياسيّاً فريداً في الوعي السياسيّ للأمّة الإسلاميّة، وبيّن أنّ السياسة ليست وسيلة للإفساد في الأرض، واستغلال الناس، وقمع الحريّات، بل هي سبيل للدعوة إلى طريق الحقّ، ونشر الإسلام، وتطبيق العدل، والإصلاح الاجتماعيّ والاقتصاديّ، ولذا، قال عليه السلام: «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمّة جدّي محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة أبي علي بن أبي طالب...»(1).

كما يمكن أن ننظر إلى حركة الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة الظلم والاستكبار ضمن الأطر السياسيّة العامّة التي انطلق من خلالها الإمام  عليه السلام، وهي:
1. الشهادةُ دفاعاً عن الحقِّ: اختار الإمام الحسين عليه السلام الموت في سبيل نصرة الحقّ والتمسّك بمبادئ الدين، فكرّس بذلك قيمةَ «الشهادة» كأعلى درجات التضحية في سبيل الله.

2. مقاومةُ الطغيان والظلم: وضع الإمام الحسين عليه السلام مثلاً حيّاً للمقاومة، رافضاً بيعة يزيد بن معاوية التي عدّها خروجاً على نهج أهله وطمساً لعدالة الإسلام.

3. إثارةُ الضمير الاجتماعيّ: بوقوفه في وجه جيوش الضلال القويّة، نبّه أبو عبد الله الحسين عليه السلام أُمّةً غاب عنها صوتُ الحقّ، وأيقظ ضمائرَ خامدةً لتدرك خطر السكوت أمام الظلم.

4. السياسة وتحقيق العدالة: إنّ السياسة في عاشوراء تحقّق العدالة الاجتماعيّة والسياسيّة، بحيث سعى الإمام الحسين عليه السلام إلى أن يُرجعها إلى مسارها الصحيح الذي رسمه رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم، لتحقيق العدالة الاجتماعيّة والاستقرار السياسيّ في المجتمع الإسلاميّ. فالإمام الحسين عليه السلام وارث لرسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ولكلّ الأنبياء، بحيث جاء في الزيارة: «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبيّ الله، السلام عليك يا وراث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وراث موسى كليم الله، السلام عليك يا وراث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمّد حبيب الله»(2).

ولذا، تحوّل الإمام الحسين عليه السلام وثورته المباركة في الأدبيّات السياسيّة إلى عنوان للقيادة السياسيّة الرساليّة في خدمة المجتمع والناس.

ثانياً: الوعي السياسيّ عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

عند تحليل مجموعة من مواقف أصحاب الحسين عليه السلام، يلاحَظ أنّهم لم يتحرّكوا من منطلقات عاطفيّة فقط، أو حماسة آنيّة لحظيّة، وإنّما كانوا يمتلكون مستوى عالياً من الوعي السياسيّ لطبيعة الصراع القائم بين مشروع الإسلام ومشروع قريش؛ أي الدولة الإسلاميّة في مواجهة الدولة الأمويّة. هذا كلّه لا يلغي الارتباط العقائديّ بالإمام الحسين عليه السلام، وإدراكهم لمنزلته وفضله، وأنّه الإمام المفترض الطاعة بحسب الفكر الإسلاميّ.

ويمكن طرح المبادئ السياسيّة العامّة التي انطلق منها أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، وهي:
1. الالتزام بمبدأ الإمامة والخلافة في الإسلام: كلّ المسلمين كانوا يعلمون منزلة الإمام الحسين عليه السلام وفضله تمسّكاً بالأحاديث الواردة عن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم. وكان المجتمع الإسلاميّ على علم ودراية واطّلاع بالتسلسل الهرميّ -إذا صحّ التعبير- للإمامة في الإسلام، الذي بدأ من الإمام عليّ عليه السلام عندما عُيّن سياسيّاً خليفة لرسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف عدّة انطلاقاً من حديث الدار، وصولاً إلى يوم الغدير، ثمّ انتقال الإمامة والخلافة للإمامين الحسن والحسين عليهما السلام من بعده، قال الشيخ المفيد: «وقد صرّح رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم بالنصّ على إمامته وإمامة أخيه من قبله بقوله: (ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا)(3). فالمسلمون كانوا على علم بأنّ الإمام الحسين عليه السلام إمام مفترض الطاعة، وهذا ما تؤكّده النصوص التي تنصّ على إمامته بعد أخيه الإمام الحسن عليه السلام، وهذا ما كان قد اطّلع عليه المسلمون جميعاً؛ فعندما ينطلق المسلمون لنصرته، فإنّهم ينطلقون من هذه المبادئ.

2. طاعة السلطة والقيادة الشرعيّة في الإسلام: انطلق أصحاب الإمام الحسين عليه السلام من مبدأ سياسيّ مهمّ، وهو شرعيّة السلطة والقيادة في الإٍسلام، التي لا يصحّ أن تكون غير شرعيّة؛ ولذا، كانت مواجهتهم للجيش الأمويّ تنطلق من هذا المبدأ، الأمر الذي جعلهم يدركون أنّ المعركة ليست بين بيتين من بيوت قريش، بل بين منهجين يختلفان في المبادئ والأصول والنتائج.

وهذا المبدأ أساسيّ في التغيير السياسيّ في دول العالم قديماً وحديثاً، وأيّ قائد أو مصلح يسعى للتغيير والإصلاح في الدولة يحتاج إلى شرعيّة السلطة، وهو ما يحتّم على الناس الانقياد والطاعة والالتزام، وهذا ما نراه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).

3. التضحية بالنفس في سبيل المبادئ: لقد انطلق أصحاب الإمام الحسين عليه السلام من مبادئ أساسيّة واضحة في السياسة، وهي التضحية من أجل بقائها والحفاظ عليها، فهم يعلمون أنّ ما ينطلق منه الإمام عليه السلام، إنّما يستند إلى الإسلام المحمّديّ الأصيل، فلا بدّ من الحفاظ على تلك المبادئ حتّى لو أدّى ذلك إلى التضحية بالنفس. وكمثال على ذلك ما قاله سعد بن عبد الله الحنفيّ: «والله، لا نخليك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم فيك. والله، لو علمت أنّي أُقتل ثمّ أُحيا ثمّ أُحرق، ثمّ أُحيا ثمّ أُذرّ، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة، ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً»(4). وقد ردّدوا بأجمعهم في كربلاء فقالوا: «والله، لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا كنّا وفّينا وقضينا ما علينا»(5).

4. مواجهة السلطة الفاقدة لصفات القيادة الإلهيّة: يجب أن يتّصف الخليفة في الإسلام بصفات إلهيّة أساسيّة كالعصمة، والعلم...، والمسلمون بعد شهادة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم لم يمرّوا بفترة يتمتّع فيها الخليفة بصفات القائد الإلهيّ إلّا في فترة خلافة الإمامين عليّ والحسن L، غير أنّ ظروف تبدّل مسار الخلافة في الإسلام أدّت إلى وضع صفات أقلّ من الصفات الإلهيّة المقرّرة في الفكر الإسلاميّ. ومن جهة أخرى، حدّد علماء السياسة الشرعيّة جملة من الأوصاف الذميمة التي يجب أن يتجنّبها الحاكم، منها: الجور، والسرف، والظلم، والجهل، والكبر،... (6).. وبالنظر إلى الخليفة يزيد، نرى أنّ كلّ الصفات الذميمة كانت قد تحقّقت فيه، وهذا ما نراه في كلمات مولانا الإمام الحسين  عليه السلام في وصفه أمام والي المدينة الوليد بن عتبة، عندما طلب منه البيعة ليزيد بن معاوية في المدينة، حيث قال عليه السلام: «أيّها الأمير! إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحلّ الرحمة، وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، مثلي لا يبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون وننتظر وتنتظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة»(7).

وعندما علم المسلمون بكلام الإمام الحسين عليه السلام، ثارت الأمّة الإسلاميّة لمواجهة الأمويّين؛ فأن يرجعوا إلى الأوضاع السابقة من دون اتّخاذ موقف واضح، وتحديد المبادئ الكبرى، فهذا يعدّ سكوتاً عن الظلم والجور، فكانت دعوة الإمام الحسين عليه السلام الناس للثورة قد لقيت تجاوباً مهمّاً في العراق خصوصاً؛ لأنّها تشكّل مركزاً حسّاساً للقيادات العسكريّة والمقاتلين، وهذا ما يفسّر استجابة العراق أوّلاً اعتماداً على قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

ختاماً، لم تكن كربلاء حدثاً تاريخيّاً عابراً، بل مدرسةً سياسيّةً متكاملة تجلّى فيها وعي الأنصار في رفض البيعة الجائرة، والتمسّك بالقيادة الشرعيّة، والتضحية في سبيل المبادئ. وإنّ نقل هذه الدروس إلى واقعنا المعاصر يقتضي بناء وعي سياسيٍّ، يربط بين الثوابت الدينيّة والمتغيّرات الميدانيّة، ويجعل من العدالة والحريّة هدفين لا يُساوَم عليهما.

(1) الفتوح، ابن أعثم الكوفي، ج 5، ص 21.
(2) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج 6، ص 58.
(3) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 2، ص 30.
(4) تاريخ الأمم والملوك، الطبري، ج 4، ص 318.
(5) المصدر نفسه.
(6) النهج المسلوك في سياسة الملوك، الشيزري، ص 149.
(7) الفتوح، مصدر سابق، ج 5، ص 14.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع