نهى عبد الله
- «ما هذا؟ أين كنت؟».
سألته أمّه عندما رأت حذاءه ملطّخاً بالطين، بينما كان يحاول خلعه على عتبة المنزل. نظر إليها يتفحّص وجهها بدقّة، ثمّ ابتسم متابعاً خلْعَ حذائه، وناولها باقة فرفحين وقال لها: «للفتوش».
كانت الأمّ تُدرِك أنّ ابنها يتجاوز عمره (13 عاماً) بكثيرٍ. أدركت ذلك عندما سَمِع لأوّل مرّة باسم «بنت جبيل»، فما لبث أن رتّب مشواراً ليزورها ويراها. وأدركت ذلك أيضاً عندما كان يعمل في فترة الصيف وهو في سنٍّ صغيرة، مبرِّراً ذلك بقوله: «يجب أن أعتاد على تحمّل مسؤوليّة نفسي». كما أدركت ذلك عندما أخبرها مراراً أنّ فلسطين قضيّتُه.
وها هو اليوم يعمل من الفجر وهو صائم، سألته: «قلتَ لي: أيقظيني للسحور، فتسحّرتَ وخرجت، وأتيت وقد شارفت الظهيرة على الانتهاء. لمَ خرجت؟». نظرت إلى الفرفحين في يدها وسألته: «هل تعمل، أيّها الصائم، في حقل خضار؟».
صاح ببهجته المعهودة: «آها! حَزَرْتِ»، فقالت: «إذاً، نم قليلاً لأوقظك قبل الإفطار»، قاطعها: «لا يوجد وقت، الشباب في المسجد بانتظاري، والدرس اليوم سيكون عن موضة الإلحاد»، ابتسم ساخراً. وسريعاً، اغتسل وبدّل ملابسه وتأبّط كتاباً. وقبل أن يمضي، أعطاها بضعة ليرات لتدّخرها، كانت أجرة يومه.
بعد عشرة أشهر تقريباً، طلب من والدته المبلغ المدّخر من عمله، وبعد أن أحصاه، صاح بفرحة المنتصر: «أمّ عماد، أنت مباركة، تجمّعت كلفة طلاء المسجد من منزلك». سألته متعجّبةً: «هل كنت تعمل كلّ هذه الفترة في الوحل والطين لطلاء المسجد؟».
خرج مسرعاً وهو يدسّ المبلغ في جيبه: «المسجد أوّلاً، ادعي لابنك».
بعضٌ من أثر الشهيد القائد عماد مغنيّة.