مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

تسابيح شهادة: رسائل النصر

ندى بنجك - زينب صالح


بات يقيناً أن كل نصر تسبقه رسائلُ من عالم الغيب؛ هي أرواحكم التي تلبي نداء العشق، تزرعون الأرض بنجيعٍ أحمر، يزهر هنا...رياحين النصر.

* الشهيد غازي علي ضاوي
بلسان طفل الشهيد غازي علي ضاوي..

يا أبتي.. حدّثوني عن درب القدس الذي سلكته يوماً، فسألتهم عن دربٍ يوصلني إلى قدس الحياة في عينيك.. فبين قدس الرسالات السماوية، وقدس المحبة السامية، ودّعتك وأنا بعدُ طفلاً لا يعرف من الحياة سواك..
أبي.. كم تحلو للكلمة حروفها بين يديك.. وكم تمنّيت لو تغمرني في حضنك الدافئ.. حدّثوني عنك يا أبي مجاهداً لبس الفداء إزاراً، يوم تكاتفت على أمّتي جيوش الطغيان من كلّ جانب، وسألتهم عنك...

رأيت صورتك يا والدي، شهيداً، أرعبَت دماؤه أعداءه، وهدّد بجسده الفاني كيان قاتله.. وتمنّيت عندها لو لمحت لطلّتك خيالاً تحفظه ذاكرتي فأصف صورة "أبي" لأبنائي عندما يسألونني عنك.. رأيتك يا أبتاه في عيون شعبي فارساً سجّل في "القنيطرة" أسطورة نصرٍ قلبت موازين المعادلة، لكنّي لم أعِ بعد كيف انتصرتُم لحظة استشهادكم، وكيف أرعبتم أيها الشهداء لحظة اغتيالكم كيان عدوٍّ غاصب. ترى دماء الحسين سالت من جديدٍ لتنتصر على السيف؟! أم ملائكة الرحمة قد غمرت سراديب الكون كي تنتصر لأرواحكم التي نصرت سليل الحسين؟!
لم أرك يا والدي تهزّ لي مهد الطفولة يوماً بيد الأبوة، لكنّهم حدّثوني أنك أرعشت دولة بني صهيون بدم الشهادة..

أشتاقك يا أبي مذ بدأت أعرف معاني الحياة.. لكنّني سعيدٌ بكفالةٍ ورعايةٍ ومحبةٍ وحنانٍ غمرني بها ابن الزهراء عجل الله تعالى فرجه الشريف.

* الشهيد علي حسن إبراهيم
بلسان الشهيد حسن إبراهيم والد الشهيد علي حسن إبراهيم..

واليوم ولدتُ مرّةً أخرى، من رحم طفولتك يا ولدي يتيماً استشهد أبوه وهو ابن عامين... يوم خلّفتك للدهر وديعةً بعين الله كي أواجه مع خلّاني احتلال بني صهيون.. في ذلك اليوم يا حبيبي، لم أنسَ ضحكاتك تداوي أيامي برحيقها، ولا كلمة "بابا" من شفتيك الرقيقتين، ولا بكاءك عليّ أغادر الدار دون اصطحابك معي، ولا جمال الكون الذي أراه في عينيك، لكنّما يا ولدي صوت الحسين قضّ مضاجعي، في دمعات أيتام الجنوب ونسائهم وشيوخهم، يتنفسون الضيم مع حبّات الهواء وينادون "متى الفرج يا ابن الزهراء!" فكان علينا تلبية النداء...

وكان كلّ أملي أن تسامحني طفولتك الندية.. أن تعفو عن تقصيري يا ولدي معك عندما تقع أرضاً ولا أحملك، وعندما تذهب إلى المدرسة ولا أصطحبك كما يفعل كل الآباء.. عندما تناديني فأجيبك دون أن تسمعني، وعندما تكبر أنت وصورتي على حائط غرفتك لا تتغيّر، فلا تراني عند وداعك سنيّ الطفولة ودخولك عالم الرجال.. وكم خفت ألّا تعذرني شهيداً أداوي الأرض بدمائي ودموع أحبتي.. لكنّني فرحت بك شاباً تشدّ الرحال نحو الجهاد حافظاً فينا عهد الرجال.. فرحت أباهي بك خلّاني الشهداء، وأشكر الرب الرحيم على عناية شعبٍ لا يترك أبناءنا، ولا يدفن الشهيد إلّا ليجهّز ولده شهيداً آخر على مسرح الكرامة والإباء.. عندما علمتُ أنّ ولدي قد اختير لعرسٍ لا يزيد الصهاينة إلّا وضاعةً وضياعاً، رحت أجهّز لك الجنان، فألقاك بحضنٍ يعوّض عليك سنين المحن واليتم والابتلاء.. ولم أكن وحدي، فكل الشّهداء معي، وكان الـ"عماد" يمهّد الدرب لوفادة الـ"جهاد".. فأهلاً بكما، يا علي ويا جهاد.

* سيد عباس علي حجازي
وارتقت روحك شهيدةً عزيزةً عند مليكٍ مقتدر.. وكان لك من الرحمة ما غمرنا عزّاً وكرامةً.. وشيّعناك عريساً تزيّن مثواك دمعاتٌ أربعة، تقول: "أيا أبتي... أيطول بعدَ اليوم لعينيك الانتظار؟! وأي وردٍ من بعدُ يغمرنا وحنان بسمتك مودّعاً غمرت من أعمارنا القطار".. وسكنْت بهدوء "الأكبر" في حضن أبيه، يا سيد عباس، شغَفنا إليكم يا سكّان السماوات العلى.. وعلَت فينا من بعد رحيلكم أمواج الحنين، وهتفت قلوبنا نداءاتٍ لكم.. في جنوب الدماء الزاكيات، حيث الأرواح معلّقاتٌ بين السّماء والأرض تنتظر إشارة الأمين لردم جسور الوصال، بلا خوفٍ من موتٍ يعبر بنا نحو السّلام، لنلتحق بقنطرة الشّهداء، ونرمي غطاء السكينة فوق أهداب شعبٍ اعتاد الجهاد درباً نحو الإله، فتعمر الأرض بأهلها بعد إذن ربها، يوم يقال: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ..
لكن يا سيّد عباس، أي دعوة فؤادٍ سبقتك، حتى عرجت برفقة أبيك إلى هاتيك الجنان دون أن يودع أحدكما الآخر!؟ وأي عهدٍ زرعتما في تلال الدنيا حتى نبتت لكما جنات عدنٍ أينعت ثمارها، واخضوضرت أغصانها، تنادي أباك، مَنْ على درب الحسين سلك، وابناً له، هو أصغر أشباله، ربّاه بأجفان العيون وحنيّها، وبدلال الأبوّة وعطفها، ليكحّل عينيه به أسداً يقضّ المضاجع شجاعةً وبأساً، فيلاقيه على أعتاب الجنان، وينظران من السماء إلى نعشين، يحملهما الأحبة على الأكتاف، فتضحي الدمعة دمعتين، والجرح في الفؤاد جرحين، ولا يمسّكما من لهب الوداع شرارة دمعٍ ولا أنين فقدٍ ولا وجع ذكريات؟! هنيئاً لك يا سيد عباس، وهنيئاً لوالدك الذي ما ودّعك، بل احتضنك شهيداً، في جوار الحسين عليه السلام.

* الشهيد المجاهد محمد علي حسن أبو الحسن (كاظم)
من أخبرك، أنَ الدجى قد فارق خدّيك، وأنّ ترانيم العرس صمتت وغفت في هدأة عينيك؟! من أخبرك يا ربيع الجنوب وزهرة نصره أنّ سكون الدّهر قد لبس ابتساماتك المزروعة في حقولنا؟! فهل يسكن القمر بنوره كهوف الظلام؟! وهل يستقيل الضوء إن علا للشمس المقام؟ رحلتَ نعم.. أيقنّا في وداعك الرّحيل.. لكن الى أين؟! أليس درب السَّفر إلى ذاكرة العزّة وقلبها؟! يا "كاظم" عرسنا، ويا فطنة المواجهة في عين عدوّنا.. هاتِ أخبرنا.. وليطل معنا الكلام.. فالعمر من بعدك طويلٌ.. أخبرنا.. عن انتظارٍ لبِسَته عروسك أياماً زيّنتها لها أحلاماً بهية.. ملوّنةً كفراشات روحك، بيضاء كصفحات قلبك.. أخبرنا، يا من قطف من العمر الثلاثين في روضةٍ شجية.. من يسدل ستار الحلم عن صورتك عريساً؟! وكيف تحنّي الدماء أيادي هاجرت دنيانا، فاستوطنّا فيها شوقاً لذلك اللقاء؟! يا "كاظم" الشّهداء وبسمتهم في درب العلا.. ويا رقّة فؤاد موكب دربٍ طويلٍ أردتموه أنتم نحو القدس، فعرج بكم نحو الشمس.. من احتضنكم ساعة الارتقاء؟! أتراه جاء الـ"عماد" مرحّباً؟! أم قبله أتت الزهراء؟!

* أما... جهاد عماد مغنية
كفى بالاسم أن يجعل الأرض أضيق من أن تحتمل،
فحمَلتك الطيور، كي تحيا جنب الله،
في حضن السماء.

تنبئ والدك: لك الآن أن تطبق كفك المفتوحة على دمك..
وأن تجذب إلى قلبك ينبوع صوته الفردوسيّ..
وأن تشم العبق الذي أولدته فيه، فتطمئن.
لقد استدل الشبل سريعاً إلى مرايا العشق، وأسرار الوصول، بلا عثرات.
وإلى النوم الجميل في الخلد، وإلى استدعاء الأرض، إلى يوم ملائكي..

لك أن تطلّ قليلاً من جنتك، وترى من تحت أجفانك، إذ يمرّ مشهدك أنت..
نورٌ من الله يمتد في الأرض، على هيئة نعش وشهيد
لا الزمان إلا دمك من جديد، ولا الآتي طرياً إلى الجنة، إلا جهاد منك، قد أيقظ الصبح.
وقلب قام يؤذن: "إذا جاء نصر الله والفتح".

لك يا حاج عماد؛
أن تهدهد أجفانك بإغفاءة الحالمين، وأن تذرف ابتسامة النصر في الخلد.. فقد كان جهاد بحجم الوعد، باكراً
وتفلتت روحه من جسده، ودنياه من حياته، باكراً
فاحتدم الضوء في مداراته، ونزل الدم الشفيف إلى الأرض
هو النصر الحاسم حتماً، قام مذ ناديته، وترجّل..

* أما "حارس الإقليم" محمد أحمد عيسى "أبو عيسى"
لوجهٍ من تاريخٍ وذاكرة، لتاريخٍ من إقليم،
ليدين يعرفهما كل الشجر هناك، وصلاة تحت الظلال،
لبطلٍ ظلّ يعرّف المكان إلى الزمان.
ومعه، لم يكن الزمان إلا نهارات مفتوحة على النصر.
والمكان إلا قوافل تمتشق الصلاة في المعركة،
وتهزأ كلما احتدم الدخان..

لأبي عيسى
والقلب تراب وماء وضياء
والسر في عينيه له ابتسامة السماء
والوجه، فيه ينطوي درب العمر
والعمر ما ارتدى إلا الحنين إلى الله
وسيف النصر..

لأبي عيسى الصادق، لأبي عيسى العاشق
رحلة من شموخ لا تحدّها مرحلة
مرّ الزمان فوق الزمان
ما عرف يوماً أن ينقضي الوقت بلا بطولات
فاسمح لنا أن نفتح خابية ضوئك
ونكشف عن العشق الذي لازمك

يا ابن الحكايات التي تدل القلب على الأنس..
والأنس على الإنسان
أن ترتديك إشراقة بلا همّ
أن يبقى همّك غيمة في قلبك
لا تمطر إلا، هدهدات كلام
حدّث الكل، أن هذا أنت
يا ابن الصلاة الصلاة، ودمعة السجود
يا ابن الروح التي لم يطبق عليها جسد
لا مطامح دنيا ولا قيود
يا ابن الفجر والليل إذا يسر..
هذا أوان العشب فوق يديك، واستراحة الدم فيك، انطلاقة.
الأرض في انتظارك، وينابيع الجنة.
عرّش، وفي يدك صلاتك وسلاحك
فلسوف تبقى من عليائك،
حارس الإقليم.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع