نور روح الله | يوم القدس: يوم الإسلام* إلى قرّاء القرآن: كيف تؤثّرون في المستمعين؟* أخلاقنا | ذكر الله: أن تراه يراك*  مفاتيح الحياة | الصدقات نظامٌ إسلاميٌّ فريد(2)* آداب وسنن| من آداب العيد  فقه الولي | من أحكام العدول في الصلاة مـن علامــات الظهــور: النفس الزكيّة واليمانيّ* تسابيح جراح | بالصلاة شفاء جراحي صحة وحياة | الرّبو والحساسيّة الصّدريّة تاريخ الشيعة| شيعة طرابلس في مواجهة الصَّليبيّين

مع الإمام الخامنئيّ: النهضة الجعفريّة والمهام العظيمة(*)


تحمّل الإمام الصادق عليه السلام مسؤوليّة مواصلة المسيرة في ظروف معقّدة وصعبة للغاية. ما هي هذه الظروف؟ وكيف واجهها الإمام عليه السلام؟ هو ما سنتعرّف إليه في هذا المقال.

* ظروف صعبة
كانت الانتفاضات تنشب في طول البلاد وعرضها، والولاة منهمكين في جمع الأموال والثروات الطائلة، والطاعون والقحط يضربان مناطق واسعة منها خراسان والعراق، والجهاز الحاكم يبطش دون رحمة، ويخلق حالة من الذلّ والخنوع بين الناس. والمنشغلون بالعلوم الإسلاميّة من فقه وحديث وتفسير لم يكن خطرهم غالباً يقلّ عن خطر الساسة والحكّام، وهم الذين يفترض بهم أن يكونوا ملاذ الناس وملجأهم. كثير من هؤلاء كانوا يدبّجون الفتاوى ليرضوا السلطان والولاة. وكثير منهم كانوا يشغلون أنفسهم والناس بتوافه الأمور، ويثيرون النزاعات الكلاميّة الفارغة التي لا تمتّ بصلة إلى الإسلام وإلى معاناة الجماهير. إزاء كلّ هذه الظروف، ماذا كانت مهمّة الإمام الصادق عليه السلام؟

* المهمّة: طرح الفكر الإسلاميّ الصحيح
مهمّة الإمام الصادق عليه السلام في هذه الظروف المظلمة كانت تتلخّص في طرح الفكر الإسلاميّ الصحيح؛ أي تبيين الإسلام كما جاء في القرآن وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع مكافحة كلّ الانحرافات والتشويهات الجاهلة والمغرضة، وكذلك التخطيط لإقامة نظام العدالة الإسلاميّة، وصيانة هذا النظام في حالة إقامته. كلتا المهمّتين: المهمّة الفكريّة والمهمّة السياسيّة، تشكّلان خطراً كبيراً على النظام الحاكم.

ليست المهمّة السياسيّة وحدها تثير سخط السلطة، فالمهمّة الفكريّة أيضاً تلغي تلك الأفكار والمفاهيم المنحرفة التي قدّمها السلطان ووعّاظه باسم الدين إلى المجتمع. من هنا، فإنّ العمليّة الفكريّة لها الأولويّة، لأنّها تقضي على الزيف الدينيّ الذي يستند إليه الجهاز الحاكم في مواصلة ظلمه.

 من جهة أخرى، فإنّ الأوضاع السائدة كانت مستعدّة للفكر الشيعيّ الثوريّ، والحرب والفقر والاستبداد عوامل تغذّي روح الثورة أيضاً، أضف إلى ذلك عامل الأجواء التي وفّرها نشاط الإمام الباقر عليه السلام في المناطق القريبة والنائية.

* إستراتيجيّة الإمامة في مواجهة الطغيان
إنّ الاستراتيجيّة العامّة للإمامة هي النهوض بثورة توحيديّة علويّة، ومتطلّباتها هي:

أوّلاً: إيجاد فئة من الناس تحمل فكر الإمامة وتهضمه، وتتطلّع بشوق إلى تطبيقه.

ثانياً: إيجاد مجموعة منظّمة مجاهدة مضحّية.

وهذه المتطلّبات تستلزم بدورها نشر الدعوة في جميع أرجاء العالم، وإعداد الأرضيّة النفسيّة لتقبّل الفكر الإسلاميّ الثائر في جميع الأقطار، وتستلزم أيضاً دعوة أخرى لإعداد أفراد مضحّين متفانين يشكّلون التنظيم السرّيّ للدعوة.

وهذا هو سرّ صعوبة الدعوة على طريق الإمامة الحقّة. فالدعوة الرساليّة التي تستهدف القضاء على الطاغوت، وعلى التفرعن والتجبّر والعدوان والظلم في المجتمع، وتلتزم بالمعايير الإسلاميّة، لا بدّ من أن تستند إلى إرادة الجماهير وقوّتها وإيمانها ونضجها.

* الإمام الباقر عليه السلام يمهّد الأرضيّة
إنّ الظروف المساعدة والأرضيّة المناسبة التي وفّرها نشاط الإمام السابق -الباقر عليه السلام- أدّت إلى أن يظهر الإمام الصادق عليه السلام -في جوّ العذاب الطويل الذي عانى منه الشيعة- بمظهر الفجر الصادق الذي ينتظره أتباع أهل البيت عليهم السلام في أيّامهم.

ومن الروايات التي يركّز فيها الإمام الباقر عليه السلام على الدور الذي سينهض به الإمام الصادق عليه السلام ما رواه أبو الصباح الكناني قال: "نظر أبو جعفر إلى ابنه أبي عبد الله فقال: ترى هذا؟ هذا من الذين قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5)"(1).

ولعلّ تصريحات الإمام عليه السلام هذه هي التي أشاعت فكرة قيام الإمام الصادق عليه السلام وخلافته بين الشيعة.

* مظهر الأمل
لقد كان الإمام الصادق عليه السلام في نظر أبيه عليه السلام وفي نظر الشيعة مظهر آمال الإمامة والتشيّع. وكأنّ سلسلة الإمامة قد ادّخرته؛ ليجسّد مساعي الإمام السجّاد والإمام الباقر عليهما السلام. كأنّه هو الذي يجب أن يعيد بناء الحكومة العلويّة والنظام التوحيديّ، ويجب أن ينهض نهضة إسلاميّة أخرى.

منذ تسلم المسؤوليّة حتّى الشهادة، قضى الإمام عليه السلام 33 عاماً في جهاد متواصل، وخلال هذه الأعوام كانت الظروف في مدّ وجزر؛ مرّة تتّجه لصالح مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ومرّة أخرى تعاكسها، مرّة تبعث على التفاؤل وعلى أنّ النصر قريب، ومرّة أخرى تشتدّ الضغوط وتختنق الأنفاس، فيخيّل إلى أصحاب الإمام أنّ كلّ الآمال قد تبدّدت. والإمام الصادق عليه السلام في كلّ هذه الأحوال كان يمسك بدفّة القيادة بعزم وتصميم، يجتاز بالسفينة عبر هذه الأمواج المتلاطمة الممزوجة بالأمل واليأس، لا يفكّر إلّا بما يجب قطعه في المستقبل من أشواط، باعثاً الجدّ والنشاط والإيمان في أتباعه للوصول إلى ساحل النجاة.

(*) المصدر: مقتبس من كتاب قيادة الإمام الصادق عليه السلام للإمام الخامنئيّ دام ظله.
(1) الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 306.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع