الأسرة بين هاتفٍ ذكيٍّ وتواصلٍ موهوم لمَ تقاطع أخاك؟ العاطفة سرّ التواصل الأسريّ حتّى لا يتنازع الإخوة في الميراث الأسرة تُصلح أفرادها - في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله أذكار | أذكار لطلب الرزق مع الإمام الخامنئي | سيّدة قمّ المقدّسة نور روح الله | الجهاد مذهب التشيّع‏* كيـف تولّى المهديّ عجل الله تعالى فرجه الإمامة صغيراً؟* أخلاقنا | الصلاة: ميعاد الذاكرين*

مع إمام زماننا: الإمامة المُبكرة: ظاهرةٌ واقعيّةٌ(*)


السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره


لم يعاصر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أباه الإمام العسكريّ عليه السلام إلّا خمس سنوات تقريباً. وقد طُرحت إزاء ذلك تساؤلات عدّة حول ظاهرة الإمامة المبكرة في تاريخ أهل البيت عليهم السلام، منها: كيف تصبح الإمامة المبكرة دليلاً على قضية الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في الإشارة إلى مجموعة نقاط:

•أوّلاً: الإمامة المبكّرة حصلت سابقاً
إنّ الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف خَلَفَ أباه في إمامة المسلمين، وهذا يعني أنّه كان إماماً بكلّ ما في الإمامة من محتوىً فكريّ وروحيّ في وقت مبكّر جدّاً من حياته الشريفة. والإمامة المبكّرة ظاهرة سَبقه إليها عددٌ من آبائه عليهم السلام؛ فالإمام محمّد بن عليّ الجواد عليه السلام تولّى الإمامة وهو في الثامنة من عمره(1)، والإمام عليّ بن محمّد الهادي عليه السلام تولّى الإمامة وهو في التاسعة(2) من عمره، والإمام أبو محمّد الحسن العسكريّ عليه السلام(3)، والده، تولّى الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره.

•ثانياً: شروط التعيين
إنّ شروط تعيين الإمام في مدرسة أهل بيت النبوة عليهم السلام، وما تمثّله هذه المدرسة من قواعد شعبيّة في المجتمع الإسلاميّ، شروطٌ خاصّة، تؤمن بها وتتقيّد بموجبها في تعيين الإمام والتعريف بكفاءته للإمامة، وهي شروط شديدة؛ لأنّها تؤمن أنّ الإمام هو أعلم علماء عصره على الإطلاق.

•ثالثاً: تضحيات الموالين والأتباع
قدّمت هذه المدرسة وقواعدها الشعبيّة تضحيات كبيرة في سبيل الصمود على عقيدتها في الإمامة؛ لأنّها كانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشكّل خطّاً عدائيّاً، ولو من الناحية الفكريّة على الأقلّ، الأمر الذي أدّى إلى قيام السلطات وقتئذٍ بحملات من التصفية والتعذيب، فقُتل من قُتل، وسُجن من سُجن، ومات في ظلمات المعتقلات المئات. وهذا يعني أنّ الاعتقاد بإمامة أئمّة أهل البيت عليهم السلام كان يكلّفهم غالياً، ولم يكن له من الإغراءات سوى ما يحسّ به المعتقد أو يفترضه من التقرّب إلى الله تعالى والزلفى عنده.

•رابعاً: التفاعل بين الإمام عليه السلام وقواعده
إنّ الأئمّة عليهم السلام، الذين دانت هذه القواعد لهم بالإمامة، لم يكونوا معزولين عنها، ولا متقوقعين في بروج عالية الشأن، كما هو حال السلاطين مع شعوبهم، ولم يكونوا يحتجبون عنهم إلّا أن تحجبهم السلطة الحاكمة في سجن أو عبر نفي، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواة والمحدّثين عن كلّ واحد من الأئمّة الأحد عشر عليهم السلام، ومن خلال ما نُقل من المكاتبات التي حصلت بين الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ومعاصريه، وما كان الإمام يقوم به من أسفار من ناحية، وما كان يبثّه من وكلاء في مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ من ناحية أخرى، وما كان قد اعتاده الشيعة من تفقّد أئمّتهم وزيارتهم في المدينة المنوّرة عندما يؤمّون الديار المقدّسة من كلّ مكان لأداء فريضة الحجّ(4)، كلّ ذلك فرض تفاعلاً مستمرّاً بدرجة واضحة بين الإمام وقواعده الممتدّة في أرجاء العالم الإسلاميّ بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.

•خامساً: ملاحقة الأئمّة عليهم السلام
إنّ الخلافة المعاصرة للأئمّة عليهم السلام كانت تنظر إليهم وإلى زعامتهم الروحيّة والإماميّة بوصفهم مصدر خطر كبير على كيانها ومقدّراتها، وعلى هذا الأساس بذلت كلّ جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، وقد اضطرت للإعلان عن وجهها ذي القسوة والطغيان حينما اضطرّها تأمين مواقعها إلى ذلك، وكانت حملات الاعتقال والمطاردة مستمرّة للأئمّة عليهم السلام أنفسهم على الرغم ممّا يخلّفه ذلك من شعور بالألم أو الاشمئزاز عند المسلمين عامّةً، وللموالين على اختلاف درجاتهم.

•واقع الإمامة المبكّرة
إذا أخذنا هذه النقاط بعين الاعتبار، وهي حقائق تاريخيّة لا تقبل الشكّ، أمكن أن نخرج بنتيجة وهي: أنّ ظاهرة الإمامة المبكّرة كانت ظاهرة واقعيّة ولم تكن وهماً من الأوهام؛ لأنّ الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير السن، فيعلن عن نفسه إماماً روحيّاً وفكريّاً للمسلمين، ويدين له بالولاء والإمامة كلّ ذلك التيّار الواسع، لا بدّ من أن يكون على قدر واضح وملحوظ، بل وكبير من العلم والمعرفة وسعة الأفق، والتمكّن من الفقه والتفسير والعقائد؛ لأنّه لو لم يكن كذلك، لما أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبيّة بإمامته، مع ما تقدّم من أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم، وتتيح للأضواء المختلفة أن تسلِّط العيون على حياتهم وموازين شخصيّتهم. 

فكيف يمكن لصبيّ أن ينصّب نفسه إماماً وعلماً للإسلام، وهو على مرأى ومسمع من جماهير قواعده الشعبيّة، فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلك الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تكلّف نفسها اكتشاف حاله، وبدون أن تهزّها ظاهرة هذه الإمامة المبكّرة؛ لاستطلاع حقيقة الموقف وتقييم هذا الإمام في عمر صغير؟ وَهَب أنّ الناس لم يتحرّكوا لاستطلاع المواقف، فهل يمكن أن تمرّ المسألة أيّاماً وشهوراً بل أعواماً، دون أن تتكشّف الحقيقة على الرغم من التفاعل الطبيعيّ المستمرّ بين الصبيّ الإمام وسائر الناس؟ وهل من المعقول أن يكون صبيّاً في فكره وعلمه حقّاً ثمّ لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل؟

•التفسير الوحيد لسكوت الخلافة 
وإذا افترضنا أنّ القواعد الشعبيّة لإمامة أهل البيت عليهم السلام لم يتح لها أن تكتشف واقع الأمر، فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل على كشف الحقيقة، إذا كانت في صالحها؟ أولم يكن من الأيسر على السلطة القائمة، لو كان الإمام صبيّاً في فكره وثقافته كما هو المعهود في الصبيان، أن تقدّم هذا الصبيّ إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة والزعامة الروحيّة والفكريّة؟ فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقدرٍ كبير من ثقافة عصره لتسلّم الإمامة، فليس ثمّة صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبيّ اعتياديّ مهما كان ذكيّاً وفطناً للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الإماميّون(5)، وكان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقّدة وأساليب القمع والمجازفة التي انتهجتها السلطات وقتئذٍ.

إنّ التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة، هو أنّها أدركت أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة حقيقيّة وليست شيئاً مصطنعاً. والحقيقة أنّها أدركت ذلك بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع، والتأريخ يحدّثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها(6)، بينما لم يحدّثنا إطلاقاً عن موقف تزعزعت فيه ظاهرة الإمامة المبكّرة أو واجه فيه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو حديث السن، إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه، بل على العكس.

•إمامة المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف واقع وحقيقة
وهذا معنى ما قلناه من أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة واقعيّة في حياة أهل البيت عليهم السلام وليست مجرّد افتراض، كما أنّ هذه الظاهرة الواقعيّة لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتدّ عِبرَ الرسالات والزعامات الربّانيّة.

ويكفي مثالاً لظاهرة الإمامة المبكّرة في التراث الربّانيّ لأهل البيت عليهم السلام يحيى عليه السلام إذ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوّةِ وَآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيّاً﴾ (مريم: 12).

ومتى ثبت أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة واقعيّة وحاضرة فعلاً في حياة أهل البيت عليهم السلام، لم يعد هناك اعتراض فيما يخصّ إمامة المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وهو صغير.

(*) مقتبس من كتاب: بحث حول المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ص 94-100.
1.راجع: الشيخ المفيد، الإرشاد، ص 316 وما بعدها.
2.راجع: السيّد العامليّ، التتمّة في تواريخ الأئمّة، ص 250.
3.راجع: ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص 123 - 124.
4.راجع: أصول الكافي، ج 1، ص 322، كتاب الحجّة.
5.أي على أنّه يجب أن يكون أفضل الناس، وأعلم الناس كما هو معتقد الإمامة الاثني عشريّة.
6.قد فعل المأمون ذلك، وانكشف لدى الخاصّ من العلماء مدى ما يمتلكه الإمام الجواد عليه السلام من الفقه والعلم. راجع: ابن حجر، مصدر سابق، ص 123.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع