منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

قرآنيات: تفسير سورة النصر (2)(*)


الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر (أعاده الله ورفيقيه)


كان لنزول سورة النصر أسبابٌ عدّة، تحدّثنا عنّها في العدد السابق، منّها: منع المسلمين من أداء فريضة الحجّ، وحياكة المؤامرات ضدّهم، فضلاً عن نقض صلح "الحديبية". وفي هذا المقال، سنعرض كيف تعامل الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم مع هذا الأمر.

فتح مكّة
1- اعتذار أبي سفيان: جاء أبو سفيان إلى المدينة لتقديم الاعتذار عن مخالفة العهد، وقد أطلع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الأمر، فلم يرد استقباله، ولهذا أوعز إلى المسلمين، أو أنّهم شعروا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يرضى باستقباله، فلم يستقبله أحد. فدخل بيت ابنته حبيبة(1) التي كانت زوجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأراد أن يجلس على الفراش فجمعته من فورها، فقال لها: "يا بنيّة، أرغبتِ بهذا الفراش عنّي؟!" فقالت: "نعم، هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما كنت لتجلس عليه وأنت رجسٌ مشرك"(2).

استاء الرجل، وذهب إلى بيت فاطمة عليها السلام، التي أبت استقباله؛ بسبب عدم رضى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فوقف على باب المسجد طالباً أن يستقبله أحدٌ في بيته، فما استقبله أحد، فاضطرّ أن يرجع خائباً.

2- التوجّه نحو مكّة: رجع أبو سفيان إلى مكّة، وهو ينذرهم بغضب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من مخالفة المشركين صلح "الحديبية" ونقضهم له. فأنذرهم بلزوم الاستعداد، ولكنّهم لم يدركوا أنّ الحرب على الأبواب، بل كانت تردهم أخبارٌ أنّ المسلمين يستعدّون للخروج إلى الروم، أو الشامات، أو تبوك، فاعتقدوا أنّ الجيش كان يتهيّأ لتلك المعارك. أمّا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يخفي هذا الأمر، حتّى تهيّأ المسلمون وخرجوا من المدينة، واجتازوا قسماً من المسافة. وعندما اطمأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّ الجواسيس والمخبرين والمنافقين انقطعوا عن الإعلام، أمر صلى الله عليه وآله وسلم القوافل بالتوجّه نحو مكّة، وحينئذٍ، فهم المسلمون أنّ المقصد هو مكّة وليس الروم أو غيرها.

3- المشركون يستخبرون: حينما وصل أبو سفيان إلى مكّة، أنذر جماعته. ولكنّهم بعد مدّة، استغربوا انقطاع أخبار النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم عنهم، الأمر الذي أشعرهم بالقلق. وما زاد من قلقهم، أنّ الجواسيس والمنافقين لم يأتوا بأيّ أخبار حول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. عندها، قرّر أبو سفيان الخروج بنفسه، برفقة حكيم بن حزام لاستطلاع الأمر، وعندما أصبحا على بُعد أمتار قليلةٍ من مكّة، وجدا أنّ الصحراء مليئة بالنفير، وأنّ فيها حركةً كثيفة، من إشعال للنيران والطهو واستعدادات الجيش. فقال أبو سفيان: "يا حكيم، هذا محمّد وجيشه باغتونا قبل أن نستعدّ، فلنرجع ونتهيّأ". وبينما كانا يستعدّان للرجوع، أحاط بهما مراقب الجيش، فاستلم العبّاسُ بن عبد المطلب، عمّ النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، أبا سفيان الذي كانت تربطه به صداقةٌ قديمةٌ، فطلب منه الأمان، فأعطاه إيّاه، ثمّ ساقه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فاستسلم وأعلن إسلامه خوفاً من السيف.

4- دخول مكّة: وبعد مدّة، دخل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مكّة، وقد وقف أبو سفيان في مضيق، وهو يتفرّج على جيش الله الذي يمرّ أمامه، وأخيراً قال للعبّاس: "يا عبّاس، لقد أصبح ملكُ ابن أخيك عظيماً"، فردّ عليه: "ويحك! إنَّها النبوّة". ولا ننسى أنّ أبا سفيان كان يدّعي الإسلام.

دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكّة، وهو يردّد: "لا إله إلّا الله وحده"(3). ثمّ جمع الناس وقال لهم: "ماذا ترون أنّي فاعل بكم؟"، قالوا: "أخ كريم وابن أخٍ كريم"، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"(4). وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن. من دخل بيته وأقفل الباب فهو آمن. من ألقى السلاح فهو آمن. من دخل بيت الله الحرام فهو آمن"(5).

5- من نتائج فتح مكّة: فتح مكّة كان فتحاً عظيماً؛ لأنّه:

أ- حرّر هذا الركن الإسلاميّ العظيم.

ب- قضى على قاعدة العدوان.

ج- جعل العرب يدخلون في الإسلام، وهم الذين كانوا ينتظرون انتصار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى يعترفوا بنبوّته، ومن ثمّ الدخول في الإسلام.

تفسير السورة
1- ﴿فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا﴾: نزلت هذه السورة المباركة في السنة التاسعة للهجرة، حينما كانت القبائل تتوافد واحدة تلو الأخرى، ثمّ جاءت قبائل اليمن كلّها دفعةً واحدةً، فأسلمت. وكان الإسلام قد انتشر في الجزيرة بسرعة مذهلة بعد هذه الواقعة، فالآية الكريمة تشير إلى هذا: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا﴾ (النصر: 1 - 2).

2- ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾: أمام هذا الانتصار، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النصر: 3). من أيّ شيء يستغفره؟ من الزهو والاعتزاز الذي يطرأ على الإنسان حين الانتصار، والله سبحانه وتعالى قد ربّى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، تربية خاصّة، لا يشعر بموجبها بالزهو والانتصار.

حينما دخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مكّة فاتحاً منتصراً كأقوى حاكم على وجه الأرض، وفي الجزيرة بالذات، دخل وهو يطأطئ برأسه من على ظهر دابّته، ويسبّح الله ويحمده ويستغفره. دخل دخولاً متواضعاً، دخول عبد، لا دخول منتصر مغرور. لقد دخل خاشعاً متضرّعاً مبتهلاً إلى الله مسبّحاً وحامداً ومستغفراً، والله سبحانه وتعالى هو التوّاب.

3- الشعور بدنوّ الأجل: وقد ورد في أحاديث مستفيضة، إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حينما نزلت هذه السورة، قال: "أما أنّ نفسي نُعيت إليّ"(6)، وكأنّه شعر بدنوّ الأجل. وبالفعل، بعد واقعة النصر والفخر ودخول العرب أجمع إلى الإسلام، لم يعش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً، والسبب أنّ نصر الله قد تحقّق، والأمّة تكوّنت، والمسلمون أصبحوا أمّةً متكافلةً قويّةً، ذات مقوّمات كاملة للبقاء، حينئذٍ شعر بانتهاء عمره الشريف، فاستعدّ!

الختام المشرق
يقول الرواة إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يقضي هذه الأيّام الأخيرة من حياته، في التفكير والاستغفار وحمد الله دائماً، حتّى جاء يوم وفاته، فخرج إلى المسلمين متّكئاً على كتف عليّ عليه السلام وفضل بن عبّاس. وبعد أن راح يوصيهم بالصلاة والحجّ والصوم والزكاة، والرفق بالنساء، والعفو والصفح، وعدم رجوعهم على أعقابهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس، فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري(......) ومن أخذت له مالاً فهذا مالي، ولا يقل أحدكم: إنّي أخاف الشحناء من قبل رسول الله، ألا إنّ الشحناء ليست من شأني"(7). هذا الختام المشرق في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ماذا فعلت يا رسول الله حتّى رحتَ تعتذر من أمّتك؟! هل كان لهم مجد، أو عزّ، أو مال، أو عدل من دونك؟! ومع ذلك، يقول صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الخطبة: "ألّا وإنّ أحبّكم إليّ من أخذ منّي حقّاً إن كان له، أو حلّلني، فلقيت الله وأنا طيب النفس"(8).

وهكذا، ختم صلى الله عليه وآله وسلم حياته الكريمة بعد أن أدّى الرسالة وأكمل الأمر، وأتمّ نعمته وخدمته.


(*) مسيرة الإمام السيّد موسى الصدر، ج 10، سورة النصر، الجزء الثاني، ص 258، بتصرّف.
1- هي رملة بنت أبي سفيان، أسلمت قديماً وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ثمّ توفّي عنها زوجها، وتزوّجها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في السنة 6هـ..
2- مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب، ج 1، ص 177.
3- الكافي، الكليني، ج 4، ص 431.
4- بحار الأنوار، المجلسي، ج 97، ص 59.
5- (م. ن.)، ج 21، ص 132.
6- مناقب آل أبي طالب، (م. س.)، ج 1، ص 201.
7- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 13، ص 28.
8- (م. ن.).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع