منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى


أحمد بزّي


في أيّام التحرير، نشاهد لقطات حُفرت في ذاكرة جيلٍ عايش الاحتلال، وتنعّم بفرحة النصر، وفي ذاكرة جيلٍ آخر سمِع أكثر ممّا عايش تلك الحقبة من تاريخ شعبٍ مُنتصر؛ كتلك اللّقطة عند بوّابة القنطرة، يوم كسر الناس الأقفال الحديديّة وعبروا، ولقطات الجالسين على نوافذ السيّارات وفي الشاحنات الصغيرة، وهم يرفعون أعلام الوطن والمقاومة بمختلف مكوّناتها. نشاهد لقطات الأهالي الذين يزحفون صعوداً من شقرا إلى حولا، ومن وادي السلوقي تُجاه طلّوسة ومركبا، ومن البيّاضة نحو الناقورة، ومن بيت ياحون إلى بنت جبيل وعيناثا، والكلّ في الصور يرفعون شارات النصر، ويلوّنون الدنيا بضحكاتهم، وعناقهم، وقبلاتهم، وزغاريدهم، والمواويل، والدبكة الشعبيّة...

* اليوم الأوّل من أسبوع التحرير عام 2000م
مع ما لنصر أيّار من عزٍّ ووضوح، يبقى لزاماً علينا أنْ نعرف أنَّ رجلاً كان في الميدان يدير كلّ تلك العفويّة للناس الوافدين ويحرّكهم من جهة، ويدير حركة المقاومين لحظة بلحظة من جهة ثانية.

رجل قد خطّط لكلّ شيء؛ أراد لتلك اللّقطات أن تُحفر أيضاً في ذاكرة العدوّ نفسه، وفي عيون أجياله المتعاقبة، وعملائه على مرِّ الزمن، فوثّق بالعدسة طريقة خروج الدبّابات، وإقفال البوابّات عند الحدود، وصيحات العملاء، وتفجير المواقع، وأثبت أنّ مزارع شبعا وفلسطين وأمان المدنيّين سيكونان معاً محور مستقبل الصراع لما بعد عام 2000م.

عند غروب يوم الأحد 21 أيّار عام 2000م، وصل الحاج عماد مغنيّة (رضوان الله عليه) إلى الجنوب. عقد جلسةً مع القيادات العليا والميدانيّة من أجل التحضير لمراحل دخول الناس الفاتحين إلى القرى بالتعاون مع المقاومين، وقد أصرّ أن يكون انسحاب الجيش الإسرائيليّ تحت النار. فأدخل المقاومين إلى القرى قبل ساعاتٍ من دخول الناس، وتمّ الاتّفاق على توافد الناس من محورين: من بلدة شقرا تُجاه حولا، ومن بلدة مجدل سلم تُجاه وادي السلوقي صعوداً نحو طلّوسة ثمَّ مركبا.

1 - حولا، ليل الاثنين ويومه: 21 - 22 أيّار 2000م
بدأنا نشاهد على الشاشات دخول الناس إلى بلدة الطّيبة. كانت المرّة الأولى التي نفتح فيها التلفاز على قناة المنار؛ لم نكن نجرؤ على فعل ذلك من قبل، وإذا فعلناها، كنّا نغلق الستائر والأبواب!

غفونا ليلة الاثنين، وما نامت عقولنا عن التفكير بالحلم، هل حقّاً ستكون حولا بلدةً محرّرة يوم الاثنين؟!

أشرقت علينا شمس ذلك اليوم، على خبر وصول الأهالي إلى بلدة شقرا؛ لاقتحام بوّابة الطوارئ والصعود نحونا. رحنا نصعد إلى السطوح والأماكن المرتفعة، عسانا نرى ما الذي يجري. لم تكن حركة الناس اعتياديّة ولا حتّى حركة العملاء؛ فقد شاهدناهم رؤيا العين وهم يتركون المواقع المحيطة، وسمعنا صوت القصف الإسرائيليّ للطريق بين شقرا وحولا، هذا القصف أعادنا للحظة من أحلامنا، لكنّنا بقينا مجتمعين في الساحة. وبينما كانت النقاشات تحتدم ما بين صبر ساعة لتحقيق الحلم، والعودة إلى البيوت، أو الخوف من استغلال تجمّعنا الكبير في الساحة؛ لارتكاب مجزرة حولا الجديدة، وإذ بنا نسمع خبراً من طبيب البلدة، بأنّ أهالي حولا اخترقوا حاجز قوّات الطوارئ! وهنا تحديداً، تخلّينا عن كلّ حسابات العقل؛ ركضنا نزولاً تُجاه شقرا، وركض الناس صعوداً من شقرا تُجاه حولا. خرجت انفعالاتنا عن أيّ شيء مألوف؛ رحت أقبّل هذا وذاك، أعانق الصاعدين فرداً فرداً. رأيتً لأوّل مرّة علم المقاومة في بلدتي، أخذته، حملته، ركضت به، وكلّ ما يحيط بي كان أصواتاً متداخلة، زحمة، صراخ الفرح، تكبيرات، قصف، أحذية المهرولين، انسحاب الدبّابات، صوت الأرزّ المتساقط على الأرض ترشّه الأمّهات الحافيات، الزغاريد، مئذنة المسجد.

وأنا أتوجّه نحو شقرا، وأحدّق في الوجوه القليلة المتبقّية، رأيتُ أخي حسن، من بين كلّ هذه الجموع، رأيته لأوّل مرّة ببزّته العسكريّة حاملاً سلاحه. كان قد أمضى ليلته في حولا مع مجموعة كبيرة من المقاومين، ومع توافد الناس خرجوا لتأمينهم. لم أكن أعرف أنّه مقاوم. رأيته للمرّة الأولى منذ أربع سنوات. كان عمري عند آخر لقاء به 10 سنوات فقط، اقتربتُ منه، تعانقنا، ثمّ سرعان ما تركني ليكمل مهمّته.

كان أبي، بعد صلاة الصبح، يُكثر من الدعاء لي ولأخوتي، لكنّه يُخصّص حسن أكثر. يومها، عرفتُ السبب، وعرفت لماذا كانت تدمع عينه إذا سمع باسمه.

(جمال حمّود، أخ الشهيد مفقود الأثر حسن حمّود "نور"- حولا)

2-غرفة العمليّات، ليل الاثنين ويومه عام 2000م
من عادة الحاج عماد (رضوان الله عليه) أنّه كان كثير التبسّم، والبهجة غالبة على وجهه، ولكن في تلك الليلة، كانت ابتسامته أوسع. ومن خصاله أنّه كان دائم الأمل، ولكن في تلك الليلة، كان أمله أكبر؛ إنّه يشهد على اللّيلة الحلم، على قطاف الزرع الطويل، على حضور بركات الاستشهاديّين والشهداء والأسرى والجرحى وعوائلهم. كان يدخل بين الناس والمجاهدين إلى القرى، ثمّ يعود إلى غرفة العمليّات ليتفقّد المجاهدين. لم يكن بين كلّ هؤلاء أحدٌ يعرفه، ولم يكن يُعرِّف عن نفسه لأحد.

أشرف الحاج عماد (رضوان الله عليه) على وضع اللّمسات التنظيميّة وكذلك الإعلاميّة، أراد للصورة أن تعيش عمراً مديداً، وحرص على وجود العلماء المُعمّمين بين الناس، حتّى تتمّ صلاة الجماعة في ساحات البلدات ومساجدها شكراً لله، وأصرّ على تسجيل مشهد هزيمة العدوّ عبر جمع الأعلام الإسرائيليّة المتروكة على الأرض عند الانسحاب.

3- من النبطيّة إلى الناقورة، يوم الاثنين 2000م
أنا فتاةٌ من بلدة الناقورة، لكنّني تلقّيتُ علومي في بيروت، تزوّجت وسكنتُ في مدينة النبطيّة أواخر عام 1999م. زارتني أمّي لتتعرّف إلى منزلي، جالت في الشقّة، ثمّ خرجنا إلى الشرفة لنريها المشهد المُطل.

سألتْ زوجي: "ما هذا الضوء الذي يلمع عند رأس التلّة هناك؟". ردّ بثقة واختصار: "موقع الدبشة".

سألت مجدّداً: "وذاك؟" قال: "موقع علي الطاهر".

استدركت بسرعة: "والموقع الثالث على تلك التلّة ما اسمه؟" أجابها: "موقع الطهرة".

كنّا نلاحظ اصفرار وجهها مع كلّ سؤال وجواب، ولم تعقّب. لا تحبّ الأمّ على أيّ حال أن تسكن وحيدتها في شقّة محاطة بثلاثة مواقع إسرائيليّة.

أشهر قليلة مرّت، حتّى دخلنا في العشر الأواخر من شهر أيّار. يومها، اتّصل عمّي بأبي مع كثير من الحماسة قائلاً: "نحن في صور، سنكمل إلى الناقورة، اتبعونا". لم نفكّر مرّتين، تحرّكنا واتّجهنا نحو الناقورة بعدما حُرمنا زيارتها لسنوات طويلة. كانت زحمة سير رائعة، أجمل زحمة سير في العالم، حتّى وصلنا إلى معبر البيّاضة، وهناك، زادت اللّهفة، عند ذلك المعبر كان العملاء ينزلوننا غصباً من السيّارات لتفتيشنا، كانوا يجبروننا على السير تحت المطر والشمس الحارقة، ويلزموننا بحيازة تصاريح من الإسرائيليّين ليسمحوا لنا بدخول بلدتنا، وإلّا، فلن نعبر. لكن في ذلك اليوم، كلّ المعابر أصبحت مفتوحة.

توقّفت شاحنة بجانبنا تُقلّ مجموعة من الشباب، قالوا: "نحن من طيرحرفا، لكنّنا لا نعرف الطريق". أمّي الخبيرة بالجغرافيا وأسئلتها أرشدتهم، أميّ الخبيرة بالجغرافيا، يوم وقفت على شرفة منزلي مصفرّة الوجه، كانت تراقب هذه المرّة المواقع الإسرائيليّة على خطّ البيّاضة – الناقورة، وقد لوّنت وجهها أشعّة الشمس الصفراء، وهي تُبصر أعلام الجيش المقهور على الأرض مرميّة، بتعداد المواقع المطلّة على شرفة منزلنا.
(دانية هاشم - الناقورة)

* اليوم الثاني من أسبوع التحرير، عام 2000م
في هذا اليوم، زار الحاج عماد مغنيّة (رضوان الله عليه) أماكن العمليّات الاستشهاديّة، وبالأخصّ من كان له معهم صداقة، كمكان عمليّة الاستشهاديّ أسعد برّو في القليعة، حيث قرأ له الفاتحة.

القائد الذي رمى ببصره أقصى القوم، أزعجته رمايات الجيش الإسرائيليّ على المدنيّين أثناء التحرير، فقام بتهديدهم عبر قوّات الطوارئ الدوليّة، وأعطى مهلة ساعة واحدة لوقف الاعتداءات. وبالفعل، بعد ربع ساعة فقط، كان له ما يريد.

ثمّ مجدّداً، عند غروب الاثنين 22 أيّار عام 2000م، قدِم الحاج عماد (رضوان الله عليه) إلى غرفة العمل المركزيّة ضاحكاً، ثمّ أعقبت الضحكة عبارات: "اليوم أجمل يوم في حياتي، لقد وصلتُ إلى السياج الحدوديّ مع فلسطين، ما أجمل أن تشمّ هواء فلسطين وريحها!".

- بيروت أيّار 2000م
كنتُ في الثامنة عشر من عمري. أعمل في مصنع للجلد. نحن عشرون موظّفاً، ووحدي كنتُ من الجنوب. كنّا ندخل إلى المعمل صباحاً ولا نخرج إلّا عند المساء. لا نعرف ماذا يجري في الخارج.

فجأةً، أقبل إليّ المدير، وطلب منّي التوجّه إلى صاحب المصنع. ارتبكتُ، وفكّرتُ عساني أخطأتُ في أمرٍ ما، فدخلتُ خائفاً، لكنّه ابتدأني: "لا تخف، فقط أريد أن أسألك عن أسعد لحظة في حياتك"! ضحكتُ، وقلتُ له: "أن تحمل هولندا لقب كأس العالم"، عادة كنّا نمزح بأمور كرة القدم. قال: "بل يوجد فرحة أكبر". ظننته عندها يقصد فرحة الزواج. قال: "عندي لك خبر أجمل بكثير". توقّعتُ في هذه الثانية أشياء كثيرة، إلّا أن يصرخ هاتفاً: "الجنوب عم يتحرّر"!

لم أسأله كيف، ولم أردّ بشيء، ولم أفكّر بماذا، كلّ ما فعلته أنّني بكيتُ كطفل الجنوب المشتاق، ثمّ سجدتُ صارخاً: "الله أكبر".

خرجتُ من العمل. وعلى طول الطريق، كنتُ أسلّم على كلّ الناس، من أعرفه ومن لا أعرفه، حتّى وصلتُ إلى المبنى حيث نسكن. ميّزتُ صوت تكبيرات أمّي من بين الجيران، أبلغتها أنّني أريد الذهاب إلى بلدتنا ميس الجبل من فورنا، فهدّأتني بأنّ الناس لم يدخلوا إلى قريتنا بعد. قلت: "نحن الناس، ونحن من يجب أن ندخل". ردّ أبي: "إذا كنتَ تختزن خمس سنوات من الشوق، فأنا مشتاق منذ عشرين سنة، طوِّل بالك يا بيّي لبكرا، عشرين سنة مش شامم هوا فلسطين".

كانت تلك أطول ليلة في العمر، وأجمل ليلة في حياتنا!
(عصام غضبان - ميس الجبل)

* اليوم الرابع من أسبوع التحرير
قبل غروب يوم الأربعاء 24 أيّار 2000م، كان الحاج عماد (رضوان الله عليه) يتحضّر للصلاة في المنزل الذي يستقرُّ فيه مع القيادة، وهو منزل مشرف على موقع مركبا. طلب الحاج من القادة الصعود إلى سطح المنزل؛ ليروا مشهداً من الأعلى.

سأله أحد القادة عن قصده، أخبره الحاج أنّه أعطى أمراً بتفجير المواقع الإسرائيليّة؛ كي لا يفكّر المحتلّ بالعودة إليها يوماً.

-مجدل سلم- طلّوسة

كنتُ عند طبيب الأسنان، فقد آلمني ضرس العقل شهراً كاملاً. انتظرتُ دوري لساعة، وعندما جلستُ بين يديّ الطبيب، بدأت الأخبار العاجلة تتوالى تباعاً على الشاشة. سرقتُ النظر إليها وقرأت خبراً عن تجمّع الناس في مجدل سلم؛ للتوجّه نحو مركبا وطلّوسة.

لم أنتظر أن يكمل الطبيب عمله، نهضتُ وقد نسيتُ ألمي، وتوجّهتُ إلى "الحافلة" التي تستعدّ للانطلاق نحو مجدل سلم. وبالفعل، مضينا نسابق الوقت.

من مجدل سلم مشينا على أقدامنا نحو وادي السلوقي، ومن الوادي إلى طلّوسة.

وصلتُ إلى القرية بعد ساعاتٍ من السير. لا أحد يعرفني ولا أعرف أحداً. سألتُ الناس حتّى وصلتُ إلى دار جدّي. عرّفته بنفسي، وأمضيتُ معه قليلاً من الوقت، ومضيتُ مع ابن خالي في جولة فضوليّة على المواقع. قصدنا أوّلاً موقع مشعرون، ومنه توجّهنا نحو موقع القبع في مركبا. ولمّا قطعنا أكثر من نصف الطريق، رأينا المقاومين يفجّرون الموقع، فما كان منّا إلّا أن ركضنا عائدين إلى طلّوسة، "ويا إجرينا عينونا".

(محمّد ترمس - طلّوسة)

* اليوم الخامس من أسبوع التحرير عام 2000م
يوم الخميس 25 أيّار 2000م، يوم التحضير لحفل التحرير في بنت جبيل، تابع الحاج عماد (رضوان الله عليه) التفاصيل بالكامل. كانت قيادة المقاومة تدرس خيارات مكان إقامة الحفل؛ أفي السوق أم في الملعب. فقام بجولة ميدانيّة لحسم ذلك.

في هذا اليوم العيد، أسرَّ الحاج لأحد القادة أنّه بدأت تنضج عنده خطّة لعمليّة، تستعيد من خلالها المقاومة الأسرى في السجون الإسرائيليّة. كانت الفرحة لديه مُنغّصةً دونهم.

كان ليلاً حافلاً بحركة الطائرات وأصوات الدبّابات التي تنسحب. كنّا أربعة أخوة ننام في غرفة وحدة.

عند الفجر، سكت صوت الدبّابات والطائرات. يبدو أنّهم أتمّوا الانسحاب. خرج أبي إلى الشرفة، تبعناه.

أصبح الهدوء طاغياً لدرجة أنّنا سمعنا تكبيرات الناس عند "صفّ الهوا". جمعنا أبي في السيّارة، وتوجّهنا نحو السوق. عند أوّل مفترق طرق، التقينا بسيّارة فيها أربعة مقاومين بعتادهم الكامل، وأوّل عبارة خرجت من أفواههم: "مبارك الحريّة، مبارك".

وصلنا إلى السوق. بدأ الناس يتوافدون أيضاً إلى الساحة أمام ما كان يُعرف بالإدارة المدنيّة. هنا، ترجّلنا وأكملنا الطريق سيراً على الأقدام. كنتُ في التاسعة من عمري، استمتعتُ لأوّل مرّة برؤية علم المقاومة، حملته، وبفرحة الأطفال رفعته فوق رأسي، لكنّ فرحة أكبر جعلتني أبتسم، عندما أُزيلت صورة العميل عقل هاشم من على جدار.

أصبحت الساعة السابعة صباحاً. وصل المئات من الأهالي ممّن افترشوا السماء، حين لم تسعهم الأرض، عند بركة كونين قبل ليلة. وهناك، بدأت تتوالى المشاهد التي لا يمكن أن تُنسى:

-التقت أمّ بابنها العشرينيّ الذي أرسلته إلى بيروت منذ عشر سنوات دون شارب ولحية، فسبقت لمستها للحيته دمعتها، والسلام.

-وضعت عجوز جرّة الماء على رأسها كأقصى تعبير ممكن عن عرسها والفرح.

-ثمانينيّ لا يدري ماذا يقول وكيف يعبّر، يضحك قليلاً، ويبكي قليلاً، حتّى اكتفى برفع كفّيه نحو السماء.

-وقف شيخٌ على سطح سيّارة وراح يخطب بالناس. وخلفه صلّينا فوق زجاج صور الصهاينة والعملاء المكسّرة على الأرض.

نحن الذين كنّا إذا ما رُفع أذان المغرب ندخل البيت، ولا نعود للخروج مطلقاً خوفاً من العملاء والصهاينة. نحنا الذين إذا أردنا السهر على شرفة القمر، نجلس على الأرض دون أضواء حتّى لا يرانا المحتلّ إن عبر. ولكن، في أيّام التحرير، لم يسأل عنّا أهلنا، لم يقلقوا علينا، أصبحنا نذهب إلى السوق، إلى احتفال التحرير في ملعب المدينة. يومها، ربّما كنتُ أصغر فتيان بنت جبيل المشرفة على إصبع الجليل، لكنّني لم أكن أعرف أنّنا أصحاب قضيّة أبعد، إلّا عندما رسخت في ذهني تلك العبارة في خطاب النصر لسماحة السيّد: "يا شعب فلسطين".

(هاشم السيّد حسن - بنت جبيل)

* اليوم الأخير من أسبوع التحرير عام 2000م
وبعد الحفل التاريخيّ في ملعب مدينة بنت جبيل، لم ينسَ الحاج عماد (رضوان الله عليه) عائلته، ليكمل صناعة الصورة العميقة للتحرير؛ فكانت جولته العائليّة على طول الحدود نموذجاً لكلّ عائلة، تذوّقت طعم النصر، جولة يتوارثها أهل التحرير عاماً بعد عام من لبنان ومن خارجه.

قال الحاج عماد لأمّه بعد أيّام: "يلّا، بدي آخدك مشوار". سألته الحاجّة أمّ عماد: "وين بدّك تاخدني؟".

وهو يضحك. تسأله مجدّداً: "إنت خلص صار فيك تاخدني وتجيبني؟". وهو يضحك.

حمّسهم على النهوض والاستعداد، أركبهم السيّارات، وانطلقوا نحو الناقورة. ومن هناك، بدأ بالشرح عن المواقع، والأحداث التي جرت، وما سيحدث بعد وقت: "هنا البيّاضة، وهنا خلّة وردة، ومن هنا باتّجاه الكيلو تسعة". تقاطعه أمّ عماد ملاطفة: "إنت شو عرّفك بهالمواقع؟ إنت شو دخلك؟".

يضحك ويقول لها: "جابوني وفرجوني عليهن".

تتمتم أمّ عماد مع بناتها: "مفكّرني مش عارفة!".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

بيروت

Rewdahamod

2022-05-21 19:55:47

جميل جدا مبارك التحرير ورحمة الله عليك عماد مغنيه اؤام فعلا لاتنسى اكتب يا تاربخ بالدم