منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

قصة العدد: هذا جبروتهم‏

عبد اللَّه دهيني‏


شعرت الحاجة أم حسين بقوة غريبة تنبعث فجأة من جسدها النحيل، وقد زالت آلام ركبتيها التي منعتها من الوقوف، وجعلتها تتنقل زحفاً بين غرف بيتها الحجري القديم، ذلك البيت الذي ضمها عروساً بين جدرانه فصرفت كل وقتها وجهدها في تربيته مع زوجها علي، وشهد ولادة ولدها الوحيد حسين الذي كانت تجد فيه كل أملها بعد استشهاد زوجها.

إلا أن سعادتها لم تدم طويلاً حيث غادرها في أول شبابه كمعظم شباب القرية خوفاً من التجنيد الإلزامي مع أذناب الاحتلال. ثم أقعدتها آلام ركبتيها، ونحل جسمها. ولكن ذلك لم يمنعها من القيام بكل أعمالها المنزلية. حتى أصص الورد التي أحضرها حسين وجهزها لتزيين شرفة المنزل، كانت تعتني بها، لم تتركها تذبل أو تموت، فلا بد أن يعود يوماً ما ليهتم بها، وبأرضه التي كادت أن تموت هي الأخرى لولا جيرانها الذين كانوا يزرعونها لتستفيد منها ما يكفي لمعيشتها وشراء الدواء. لم تفهم سر هذه القوة الغريبة التي اجتاحت كيانها وجعلتها تقف على قدميها فجأة. هل كان السر يكمن في ذلك الصراخ واللغط خارج البيت؟ ربما جاؤوا لاعتقال أحد رجال القرية.

لقد اعتادت مثل هذه الأمور فلم تعد تثير اهتمامها. وأصاخت السمع جيداً منتظرة صيحات الاحتجاج التي تلي مثل هذه الحالة عادة. ومرّ الوقت دون أن تسمع شيئاً من ذلك. ولكن اللغط كان يعلو مغطياً وعلى غير العادة على هدير الدبابة التي كانت تتجول في الساحة قرب بيتها. ولم يكن الخوف هو الذي منعها من أن تطل من النافذة لرؤية ما يحدث، ولكن كرهها لمناظر الأذناب وسحنهم القميئة، وذلك الغرور الممزوج بالخوف الذي كانوا يتصرفون من خلاله كلما جاؤوا لاعتقال أحد (الإرهابيين)!! وضحكت في سرها، هل كان زوجها إرهابياً عندما حمل رشاشه مع شباب القرية للدفاع عنها في وجه المحتل!؟ وولدها حسين هل كان إرهابياً عندما جاؤوا يسألون عنه بعد ذلك بسنين؟!

كانت تضحك كثيراً عندما تراهم يتظاهرون بالقوة أمام الناس الضعفاء من أهل القرية والقرى المجاورة، لأنها كانت تتذكر في تلك اللحظات صراخهم وعواءهم كالثعالب عندما يتعرضون لهجوم أو كمين من أولئك القادمين من وراء الأسوار، حيث كانت تنكشف حقيقتهم. وكان الناس يعرفون ذلك. لذلك لم يكونوا يرهبونهم لشجاعتهم، بل كانوا يخافون جبنهم، فالجبان لا يتورع عن قتل أي إنسان، شيخاً كبيراً كان، أو امرأة، أو طفلاً، عندما يشعر بالخطر. أجفلت عندما سمعت طرقاً عنيفاً على الباب، وتساءلت:

ماذا يريد مني هؤلاء الوحوش، ليس عندي من يعتقلونه، لم يبق في هذا البيت غيري، هل يريدون اعتقالي؟ ربما. تحركت ببطء نحو النافذة، فعليها أن ترى ما الخبر قبل أن تفتح الباب. كان أول ما لفت نظرها عندما نظرت من خصاص النافذة الخشبية، تلك الدبابة المتوقفة في جانب من الساحة بعد أن سكت هديرها المزعج، وقد التف حولها أهل القرية بدلاً من الجنود المدججين بالسلاح، والمعتمرين خوذاتهم العسكرية، شاهرين رشاشاتهم في وجه الأهالي وكأنهم ذاهبون إلى الحرب. والغريب أن بعض الصبية قد اعتلوا الدبابة يدبكون فوقها بنشوة وفرح غريبين، بل الأغرب من ذلك كله رؤية أحد الأولاد وقد تلقف علماً أصفر اللون ووضعه على الدبابة، وعندما رفرف العلم علت أصوات الرجال بالتكبير، وأصوات النساء بالزغاريد. في الجانب الاخر من الساحة كان الرجال يدبكون، والحاج أبو ناجي يعزف على نايه الذي خبأه منذ بداية الاحتلال معاهداً نفسه على عدم استعماله حتى زوال الاحتلال.

الطرق على الباب يتجدد بقوة هذه المرة، فتوجهت وقد دفعها الفضول إلى فتح الباب لمعرفة ما يجري في الخارج، أكثر من فضولها لمعرفة الطارق، سيما وأن صوت الناي ضاع بين أصوات الصراخ وهتافات الدبيكة بدل الدلعونا. يا اللَّه يا اللَّه إحفظ لنا... من!!؟ أليس هو الاسم الممنوع ذكره وترديده على الشفاه!؟ ماذا جرى لأهل القرية؟ ومنذ متى امتلكوا الجرأة ليرفعوا العلم الأصفر على دبابة الأعداء، ويهتفوا بكل جرأة، بإسمٍ كان يؤدي مجرد ذكره إلى الاعتقال. بدا الطرق على الباب هذه المرة أقوى من المرة السابقة، وبإلحاح أكبر، وكأن من كان في الخارج يصر على فتح الباب، امتدت يدها المرتعشة لتفتحه، وكانت هناك قامة شاب طويلة، بملابس عسكرية من نوع آخر تسد الباب وتمنع عنها شعاع الشمس، رفعت عينيها إلى وجه ذلك الشاب، ورغم مرور سنين طويلة على غيابه إلا أنها عرفته. احتضنت رأسه عندما انحنى فوق يديها الناحلتين يقبلهما، في الوقت الذي بللت دموعها رأسه الذي بدأ يميل قليلاً إلى الشيب...

ياه... كم يشبه رأس والده (حدثت نفسها بذلك وهي تحتضن رأسه وتقبله). وفهمت سر غيابه الطويل، وسر الإحساس الذي كان يسيطر عليها كلما سمعت صوت تبادل الرصاص بين العدو وبين القادمين من وراء الأسوار، ذلك الإحساس العميق بقربه منها، عندما نهض واقفاً وضمته إلى صدرها لتشاهد على صدره صورة رجل في مقتبل العمر، وعلى رأسه عمامة سوداء، يبتسم بثقة وهو يرفع بيده رشاشاً تخيلته يناطح السحاب، وقد كتب في أسفل الصورة (هذا جبروتهم تحت قدميك)، وشعرت في تلك اللحظة بفرحة استرجاع الأرض التي احتضنت جسد زوجها الشهيد من قبل.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع