مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

مجالس بين حدّين

د. سحر مصطفى(*)


- "سلامات، كيف الأحوال؟ اشتقنالك يا زلمي".

- "هلا بعلي، والله زمان على هالقعدات، وينو صاحبنا أبو مواعظ دخلك وين صار؟".

- "بلا سيرته هلّق بطلّ، بيعملنا دروس، وما بيخلّينا نتهنّى بجلستنا، اتركنا منه".

... ويستمرّ الحوار في جلسة مطوّلة بين هادي وعلي، ينتقل بهما الحديث من الاستهزاء بما نشره فلان على صفحته على مواقع التواصل، إلى ما قامت به فلانة من مبادرة (مصدّقة حالها ناشطة اجتماعيّة)، إلى الإشاعات التي تنتشر حول إمكانيّة الحرب والأوضاع الاقتصاديّة وسعر الصرف... 

بين حاجة الفرد إلى التلاقي والاجتماع، وبين أثر هذا الاجتماع، ألا يحق لنا إعادة النظر فيه لنختار من كلّ اجتماع جميلَه؟!

•واقع مجالسنا
يشبه مجلس الشابّين كثيراً من المجالس، سواء صبحيّات النساء، أو جلسات الرفاق في المقاهي، أو على جنبات الطريق، أو في السهرات العائليّة الموسّعة... يقابلها مجالس لمجموعة من المتطوّعين يتناقشون في تفاصيل مبادرة ينوون القيام بها، أو حلقة ذكر لمجموعة يتبارون في حفظ آيات من القرآن الكريم وتسميعها، أو المناقشة في أحكام فقهيّة، أو التداول في الحلول المقترحة للمشاكل الاجتماعيّة المطروحة ضمن مجموعة من الناشطين.

وشتّان بين المجالس التي تنتهك قواعد بعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: 11)، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 3)، وتخالف قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش ولا البذيء"(1)، وبين مجالس المؤمنين التي تراعي شكلاً ومضموناً الآداب والقواعد التي تؤسّس لبناء الحياة الطيّبة.

•العلاقات الاجتماعيّة حاجة ضروريّة
لقد أثبتت لنا أزمة الوباء الذي انتشر مؤخّراً (covid-19) أو "كورونا"، كم أنّ اجتماعنا بالإخوان والأصدقاء والمعارف حاجة أساسيّة، كنّا نغفل عن أهميّتها، فهي تساعد في تثبيت توازننا النفسيّ والاجتماعيّ، من خلال المشاركة وتبادل الخبرات والمعارف، وبثّ الشجون، والتداول في مختلف الشؤون.

ومع الدخول في إجراءات التخفيف من القيود على التجمّعات، بدأنا نستعيد لقاءاتنا ومجالسنا، ولكن هل أجرينا عمليّة تقييم لما فات منها لنبني الجديدة منها على أسس مختلفة، تخدم دنيانا وآخرتنا، وتساهم في معالجة بعض من مشاكلنا؟

نعتقد أنّنا نحتاج إلى هذه المراجعة لنبني مجالسنا على النمط الذي يشبه انتماءنا الدينيّ وهويّتنا الثقافيّة، والمهمّ أن تُجرى هذه المراجعة على مستوى الشكل والمضمون:

1- على مستوى الشكل والآداب العامّة:
هناك العديد من اللياقات والآداب التي تحكم المجالس في الإسلام، سواء من حيث آداب التحيّة أو مكان المجلس، أو طريقة الجلوس...

2- على صعيد المضمون:
في المضمون، تكثر الأحاديث حول ضرورة أن تبتعد المجالس عن الاستهزاء بالمقدّسات، والغيبة والنميمة، وأن تزخر بذكر الله والتفقّه في الدين. ومن المهمّ في المضمون أن نركّز على الأمور التي تساهم في تقدّم الأمّة الإسلاميّة وارتقاء الفرد والمجتمع، وتساهم في تعزيز بنيان الحياة الطيّبة:

أ- يكثر الحديث اليوم عن مجتمع المعرفة والاقتصاد القائم على المعرفة، فالأخيرة هي طريق التقدّم والازدهار واللبنة الأساسيّة لبناء السلوك القويم والتغيير السليم. ومجالسنا يجب أن تزخر بالنقاشات المنتجة للأفكار الإبداعيّة، بعيداً عن اللغو واللهو العبثيّ.

ب- الاهتمام بدحض الشائعات التي تساهم في توهين المجتمع الإسلاميّ وإضعاف عزيمته وتشويه صورته، والحذر من المساهمة في نشرها.

ج- محاولة تبادل الخبرات الناجحة في مواجهة المشكلات المختلفة.

د- الابتعاد عن الشكوى الدائمة، ومحاولة زرع الأمل والتفاؤل في المحيطين: "المؤمن بشره في وجهه"(2). 

هـ- الاهتمام بالتسلية الهادفة التي تساهم في الترويح عن النفس وتخفيف الأعباء، كالأنشطة الرياضيّة المشتركة، أو النزهات في البريّة وعلى ضفاف الموارد المائيّة، أو بعض الأنشطة الزراعيّة.

ومن نافل القول إنّ مجالسنا يجب أن لا تصبح بأيّ حال من الأحوال، باباً لانتهاج سلوكات صحيّة وأخلاقيّة خاطئة. على سبيل المثال، ومع الأسف، نجد اليوم من يصرّ على الشباب غير المدخنين لمسايرة المشاركين في المجلس بالتدخين، أو الانجرار لاستخدام لغة لا تليق بالمؤمن، واستخدام مفردات بعيدة كلّ البعد عن آدابنا.

•الحياة الطيّبة
نتحدّث اليوم كثيراً عن الإنتاج وأهميّة المجتمعات المنتجة وبداية أفول عصر الاستهلاك وثقافته، فلنجعل مجالسنا منتجة للكلمة الطيّبة والفعل الطيّب، وللمشاريع والأفكار الإبداعيّة.

إنّه زمن المراجعات والتحوّلات، فرصة قلّما تَسنح لنا لنقوم بعمل تغيير مدفوع بوقفات قصريّة مررنا بها. فقد آن الأوان لنبدأ العمل الجادّ على الساحات كلّها، فالحياة الطيّبة تُصنع بعين الله ورعايته.


(*) مسؤولة الدراسات في مركز أمان للإرشاد السلوكيّ والاجتماعيّ، أستاذة في الجامعة اللبنانيّة.
1.جامع السعادات، النراقي، ج1، ص277.
2.نهج البلاغة، من حديث له عليه السلام (333).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع