نور روح الله | يوم القدس: يوم الإسلام* إلى قرّاء القرآن: كيف تؤثّرون في المستمعين؟* أخلاقنا | ذكر الله: أن تراه يراك*  مفاتيح الحياة | الصدقات نظامٌ إسلاميٌّ فريد(2)* آداب وسنن| من آداب العيد  فقه الولي | من أحكام العدول في الصلاة مـن علامــات الظهــور: النفس الزكيّة واليمانيّ* تسابيح جراح | بالصلاة شفاء جراحي صحة وحياة | الرّبو والحساسيّة الصّدريّة تاريخ الشيعة| شيعة طرابلس في مواجهة الصَّليبيّين

قيادة الإمام الصادق عليه السلام: النظرة الصحيحة


الإمام الخامنئي (حفظه الله)


بحث كتبه سماحة الإمام الخامنئي قبل انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران اخترناه لقرائنا الكرام لما فيه من مطالب تحقيقية مهمة حول حياة الإمام الصادق عليه السلام. في الحلقة الماضية تحدث عن نظرتين خاطئتين في تحليل حياة الإمام عليه السلام، وبعد تفنيدهما يشير هنا إلى النظرة الصحيحة.

والآن نبدأ بالنظرة الثالثة بشأن الإمام الصادق، وهي نظرة يمكن أن يستنبطها كل ثاقب النظر بالرجوع إلى المصادر والمراجع. وهذا الاستنباط لا يختص بحياة الإمام الصادق وحده، بل يشمل كل أئمة أهل البيت، مع الفارق في خصائص عمل كل منهم حسب ما تقتضيه ظروف الزمان والمكان، وهذا الاختلاف في الخصائص لا يتنافى مع وحدة روح العمل المشترك وحقيقته ومع وحدة الهدف والمسير.

من أجل أن نفهم طبيعة المسيرة العامة لحياة الأئمة عليه السلام(1)، علينا أولاً أن نتبين فلسفة الإمامة. الشي‏ء الذي عرف في مدرسة أهل البيت باسم الإمامة، والذي تتكون عناصره الأصلية من أحد عشر شخصاً توالوا خلال قرنين ونصف القرن تقريباً، إنما هو في الواقع امتداد للنبوة.
فالنبي يبعثه الله سبحانه بمنهج جديد للحياة، وبعقيدة جديدة، وبمشروع جديد للعلاقات البشرية، وبرسالة إلى الإنسانية، ويطوي حياته في جهاد مستمر، وجهد متواصل، ليؤدي مهمة الرسالة الملقاة على عاتقه قدر ما يسمح له عمره المحدود.
وعملية الدعوة يجب أن تستمر بعده؛ كي تبلغ الرسالة أعلى الدرجات المتوخاة في تحقيق الأهداف. ويجب أن يحمل أعباء المواصلة من هو أقرب الناس إلى صاحب الرسالة في جميع الأبعاد؛ كي يبلغ بالأمانة إلى محطة آمنة وقاعدة رصينة ثابتة مستمرة.

هؤلاء هم الأئمة وأوصياء النبي، وكل الأئمة العظام وأصحاب الرسالات كان لهم أوصياء وخلفاء ومن أجل أن نعرف مهمة الإمام، لا بد أن نعرف مهمة الإمام، لا بد أن نعرف مهمة النبي. والمهمة بيّنها القرآن الكريم إذ يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(2).

هذه إحدى الآيات التي تبين علّة النبوة، وتبين من جهة أخرى مهمة الأنبياء، فالأنبياء ابتعثوا لبناء مجتمع جديد ولإعلان ثورة على جاهلية زمانهم، وقلب مجتمعاتهم، وعملية التغيير هذه يعبّر عنها الإمام علي عليه السلام في مطلع استلام مهام حكومته بقوله: "... حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم..."(3).
إنها عملية صناعة مجتمع على أساس التوحيد والعدل الاجتماعي وتكريم الإنسان وتحريره، وتحقيق المساواة الحقوقية والقانونية بين المجموعات والأفراد، ورفض الاستغلال والاستبداد والاحتكار، وإفساح المجال للطاقات والكفاءات الإنسانية، وتشجيع التعلّم والتعليم والفكر والتكفير... إنها عملية إقامة مجتمع تنمو فيه كل عوامل سموّ الإنسان في جميع الأبعاد الأساسية، ويندفع الكائن البشري فيه باتجاه مسيرته التكاملية على ساحة التاريخ.

هذه هي المهمة التي بعث الله الأنبياء من أجلها، ونستنتج من ذلك أن الإمامة، باعتبارها امتداداً لمهام النبوة، تتحمل نفس هذه الأعباء. لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاش 250 عاماً، فماذا كان يفعل يا ترى؟ وكيف كان يتحرك على طريق الدعوة، نفس هذه العملية نهض بها الأئمة. هدف الإمامة هو نفسه هدف النبوة، والطريق هو الطريق، أي إيجاد مجتمع إسلامي عادل، والسعي لصيانة مسيرته الصحيحة.
مقتضيات الزمان مختلفة طبعاً، وبنفس النسبة يختلف التكتيك والأسلوب. النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه كان يعمل في بداية الدعوة بأسلوب يختلف عن أسلوبه حين قطع شوطاً من الطريق نحو تحقيق هدفه المنشود.

حين كان الدعوة في بداية الطريق، وكانت محفوفة بألوان التهديدات والتحديات تطلب الأمر تدبيراً خاصاً لمواصلة حمل الرسالة، وحين ترسّخت قواعد النظام الإسلامي، وضرب الإسلام بجذوره في الجزيرة العربية اختلف التدبير والأسلوب... والثابت والباقي هو الهدف الأسمى الذي أنزلت الرسالة من أجله... وهو السعي لإيجاد مجتمع يستطيع الإنسان فيه أن يطوي مسيرته التكاملية في جميع الأبعاد، وأن تنفجر فيه الطاقات الخيّرة والقوى الكامنة الإنسانية، ومن ثم صيانة هذا المجتمع ونظامه الإسلامي.

كان أئمة الشيعة يتجهون كالنبي نحو هذا الهدف نفسه، نحو إقامة نظام عادل إسلامي بنفس الخصائص وعلى نفس المسير. وفي حالة قيام هذا النظام تتجه الجهود نحو صيانة مسيرته واستمرارها.

ما الذي تتطلبه إقامة نظام اجتماعي أو مواصلة مسيرة هذا النظام؟ تتطلب أولاً إيديولوجية موجّهة وهادية ينبثق عنها ذلك النظام وتصوغه بصياغتها. ثم تحتاج ثانياً إلى قوة تنفيذية تستطيع أن تشق الطريق وسط الصعاب والمشاكل والعقبات نحو تحقيق الهدف. نعرف أن أيديولوجية الأئمة هي الإسلام، والإسلام رسالة البشرية الخالدة... رسالة تحمل في مضمونها عناصر بقائها وخلودها(4).
وبملاحظة هذه الأمور، نستطيع بسهولة أن نفهم المنهج العام لأئمة أهل البيت وأوصياء النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا المنهج ذو جانبين متلازمين: الأول يرتبط بالعقيدة، والثاني بتوفير القدرة التنفيذية والاجتماعية. ففي الجانب الأول تتجه جهودهم وهمهم إلى نشر مفاهيم الرسالة وبلورتها وترسيخها، والكشف عن الانحرافات التي تصدر عن المغرضين والمنحرفين، وبيان الأطروحة الإسلامية لما يستجدّ من أمور، وإحياء ما اندثر من معالم الرسالة بسبب اصطدامها مع مصالح ذوي القدرة والنفوذ. وتوضيح ما خفي على الأذهان العادية من كتاب الله العزيز وسنّة نبيه.. فمهمة الجانب الأول تتلخص إذاً بصيانة الرسالة الإسلامية حيّة بنّاءة متحركة على مرّ الأجيال.

وفي الجانب الثاني، كانوا يسعون، وفقاً لما تقتضيه الظروف السياسية والاجتماعية والعالمية في المجتمع الإسلامي، إلى إعداد المقدمات اللازمة لاستلام زمام قيادة الحكم في المجتمع بأنفسهم بشكل عاجل، أو التمهيد لكي يستلمها على المدى البعيد من يواصل مسيرتهم في المستقبل.

هذا موجز هدف حياة الأئمة الأطهار، وهذه هي الخطوة العامة لأهدافهم، من أجلها عاشوا، ومن أجلها استشهدوا.
وإذا كان ما وصلنا من تاريخ حياة الأئمة لا يثبت ما ذهبنا إليه، فإن عقيدتنا في الأئمة كافية لأن تصوّر حياتهم بهذا المنظار، لا غير، فما بالك إذا كان التاريخ يشهد بما يقنع كل باحث أن حياة أئمة أهل البيت كانت في هذا الاتجاه؟

 

(1) من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
(2) سورة الحديد، الآية: 25.
(3) نهج البلاغة، خ‏16، لما بويع في المدينة، وفيها يخبر الناس بعلمه بما تؤول إليه أحوالهم.
(4) من تلك الخصائص تشريع النظام وفق المتطلبات الأساسية الثابتة للإنسان، والمرونة التي تسمح باستقطاب العناصر العلمية والمنطقية من كل مكان ومن كل نوع، (مع الاحتفاظ بالاتجاه المبدئي للرسالة وبشرط الانسجام مع نظرة الرسالة اإلى الكون والحياة).

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع