مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت كتابٌ... قد يغيّر حياتك أول الكلام: كيف نتصرّف في مجلس المعصية؟ مجالسنا كيف نراها؟ لا تألفوا مجالس البطّالين مجالس تحفّها الملائكة من آداب المجالس في الإسلام مع الإمام الخامنئي: بشارة الشهادة (*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات القائد حاتم أديب حمادة



نسرين إدريس قازان

شهيد الدفاع عن المقدّسات القائد حاتم أديب حمادة "الحاج علاء الكربلائيّ"
اسم الأمّ: رقيّة الحاج.
محلّ الولادة وتاريخها: القماطيّة 18/5/1971م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله ولدان.
رقم السجل: 39.
مكان الاستشهاد وتاريخه: حلب 16/10/2016م.

فيما كان هو في خضمّ المعركة، وبين أصوات المدافع وأزيز الرصاص، قطفت طفلته وردة من حوضِ وردٍ في قرية جدّتها في البقاع، حيث كانت النساء يؤازن المجاهدين ويُمددنهم بالطعام أثناء معركة القصير. ولمّا جاء من يتسلّم الطعام لنقله إلى المجاهدين، ركضت الطفلة إلى الشابّ، وسألته إن كان يعرف الحاج "علاء"، فأجابها بالإيجاب، فقدمت له الوردة ليعطيها لأبيها. أخذ الوردة الأمانة، وأوصلها إلى والدها، الذي اتّصل بها من الجبهة ما إن سنحت له الفرصة ليخبرها أنّها في جيبه، وقد نبتت جنب قلبه. ولاحقاً، احتفظ بها في مصحفه الخاصّ، حيث لا تزال.


•"الكهربجي"!
"الكربلائيّ" كما وصفه الأمين العامّ، كان يقول لولديه إنّه يعمل "كهربجي"، ولكنّهما كانا يصرّان على قول "مهندس كهرباء" لرفاقهما، غير أنّ شهادة الهندسة التي نالها بدرجة جيّد جدّاً من الجامعة العربيّة، لم تكن سوى أساسٍ علميٍّ طوّعه في عمل اجتهد طويلاً لتطويره، وتفرّعت إبداعاته عبر سنوات، فامتلأت جعبته بالإنجازات، وصار ركناً أساسيّاً في عمل المقاومة، ومن القادة الأساسيّين في مسيرتها.

•عندما تحدّى الظروف
ابن بلدة القماطيّة الجبليّة، الذي عاش في بلدة كيفون، ضمن مجتمع متداخل الطوائف وبيئة غير ملتزمة، وتلقّى تعليمه في مدرسة إرساليّة، اختار طريقه باكراً جدّاً، متحدّياً كلّ الصعوبات التي أحاطت به في زمن التضييق والمضايقات ورفض الجيل المتديّن الجديد، وتجلّت صلابته في المواقف منذ طراوة عوده. 

التحق بالكشّافة، وكان قائداً حنوناً، يجمع الفتية على قلّتهم، ويأخذ بأيديهم إلى حيث تصبو قلوبهم الطاهرة. وكذا كان مع كلّ مَن حوله، همّه الوحيد إقالةُ عثراتهم، والأخذ بأيديهم إلى رضى الله، فكان يعقد حلقات الدروس، ويؤسّس للعمل الإسلاميّ في منطقة كانت محاطةً بالكثير من الصعوبات، ولكنّه بصبره وإيمانه، والتزاماً بتكليفه بتعريف الناس بالدين من خلال نهج الإمام الخمينيّ قدس سره، ولأنّه صاحب شخصيّة فذّة، مؤمنة طاهرة، مفكّرة ومتفكّرة، كان لا يكاد ينخرطُ في عملٍ، حتّى يصبح في الصدارة. 

•القائد المتواضع والمقدام
كان يُعرف باسم "علاء الـ125"، وكان صاحب شخصيّة نموذجيّة في بناءِ الذات، بالتوكّل على الله ووضوح الهدف. وقد برزت فيه صفتان مهمّتان في القيادة؛ الإنسانيّة والابتكار. فمنذ أيّام الجامعة، حيث كان مسؤول التعبئة التربويّة، بدا أنّ عمله الدؤوب لبناء روحيّته وثقافته، امتدّ إلى رفاقه، فهيّأ الكثير من الأشخاص للعمل المقاوم، فهذا هو طريقه. ولربّما اختار اختصاص هندسة الكهرباء؛ لأنّ المقاومة كانت تحتاج إليه في ذلك الزمن. 

كان يُسارعُ للالتحاق بالجبهة، فتَحيُّن الفرص للبقاء هناك، زاد من تعطّشه للجهاد، وكيف لا يكون مشتاقاً إلى الجبهة وهو الذي تعلّقت روحه بالإمام الخمينيّ قدس سره، وهام به وجداً؟ فكان ثائراً متحمّساً مقداماً، بجلباب هدوء تستّر به.

وكان قائداً متواضعاً، فتآخى مع المجاهدين وتلاحم معهم. وقد رُفّع خلال سنوات طويلة من الجهاد، حتّى صار نائباً لقائد العمليّات العسكريّة، إلّا أنّه بقي "علاء" نفسه، بزهده ومحبّته وطيبته، وشبهه الكبير بالأرض.

كان يخدم نفسه بنفسه، بل كان لا يكترث بتعبه إن لاحت أمامه فرصة لمساعدة الآخرين، أو خدمة المجاهدين في المحور. فأثناء تكريم المجاهدين بعد انتهاء معركة القصير، التي صُنّف فيها أداؤه بأنّه أداء "جنرال من الطراز الأوّل"، كان يقوم بتوزيع الطعام على المجاهدين ويخدمهم؛ فالمسؤول عن الجند، خادمهم في قاموسه.

كانت ملامحه، ونبرة صوته، وأسلوبه في الحديث، ونقاشه الهادئ المتّزن في كلّ شيء، عمليّة استقطابيّة للآخرين. وكان صارماً بشأن الحكم الشرعيّ، فهنا لا جدال ولا نقاش؛ فالأحكام الشرعيّة هي البوصلة التي لا يضلّ مَن يتّبعها. وقد سافر في شبابه إلى قمّ المقدّسة لدراسة العلوم الدينيّة، ليس لمجرّد المتابعة الحوزويّة، بل للتزوّد بالقواعد الشرعيّة الأساسيّة التي تساعده في حياته وعمله على حدّ سواء، وخصوصاً أنّه في منصب يخوّله إدارة المئات من المجاهدين. وقد ظهرت القيادة أنّها مجرّد رداء يرتديه حيث يجب أن يكون قائداً، وما عدا ذلك فإنّه مجاهد سالك إلى الله، فتجلّت فضائل الصدق والأمانة في قسمات وجهه.

•الأب العطوف
على الصعيد العائليّ، كان الحاجّ "حاتم" رؤوفاً ورحيماً بوالديه وإخوته، حنوناً يرشدهم بالموعظة الحسنة. يبادر للعمل مع أمّه، ينظّف المنزل، ويساعد في إعداد المونة، ويبذل قصارى جهده للتخفيف عنها. وكذا كان مع زوجته وولدَيه، فلم يكلّف أحداً منهم بمناولته كوب ماء، أو إعداد إفطار بعد غياب طويل في الجبهة صائماً. وبمجرّد عودته من العمل، يحاول معرفة كلّ ما فاته في تلك الأيّام، ليواكب جميع التفاصيل. وقد حرص على زرع المسؤوليّة عند ولدَيه في تربيته لهما، فيوكل إليهما ما يتناسب مع عمرَيهما من أعمال، ويشرح لهما كيف يجب أن يتعاملا مع الأقارب والأصدقاء والجيران، مضافاً إلى وضع برنامج سلوكيّ روحيّ لهما، في مقدّمته زيارة الإمام الحسين عليه السلام في كلّ ليلة، مع صلاة ركعتين. وعندما كانا صغيرين، لم يفوّت فرصة الخروج دوماً معهما لشراء الألعاب بعد كلّ غياب؛ لأنّه أحبّ أن يُكثر مشاهد الحبّ الذي يكنّه لهما، والتي صارت حبال ذكريات يعلّقان عليها الصور والضحكات والليالي الجميلة.

•تحليقٌ لا يتوقّف
المقدام السالك بين وهاد الروح، كما سلك بين الجبال والوديان في الجنوب والبقاع، يعرفُ كيف وأين يضع قدمه، فلا يغفل عن مراقبة نفسه، ولا يتركها تركن للهدوء، فالراحة بالنسبة إليه طريق الانحدار بعيداً عن الهدف المنشود، ومَن كان مثله يجيد التحليق في السماء، لا يرمي التراب بطرفة عين. وما الأرضُ إلّا ريشة حملها في تحليقه، من لبنان إلى سوريا، حاملاً في جعبته سنوات طويلة من الجهاد، ومن المعارك والحروب في الجنوب، الذي وافق تحريره عام 2000م فيما كان مسؤولاً للدفاع الجويّ في الجنوب، وكذلك حرب تمّوز من العام 2006م، التي طوت أيّامها القاسية على وجهه، ليقود من بعدها أولى معارك الدفاع عن المقدّسات في سوريا، حيث عمل على خطّين متوازيَين: بناء قدرات المجاهدين، وتحرير المناطق الخاضعة لسيطرة التكفيريّين، والتي كرّت سبّحتها من منطقة إلى أخرى، والخطر المتعاظم يصغر ويضمحلّ تحت أقدام المجاهدين.

•آخر الدروس
وفي خضمّ إحدى معارك الزبداني، سعى حثيثاً للاستحصال على استثناء باصطحاب ولده معه إلى مناطق غير محرّرة، وكان تصرّفاً غريباً؛ فحضر ابنه الذي بقي أسبوعاً؛ ليرى بأمّ عينه تضحيات المجاهدين، ومنهم والده "الكهربجي" -قائد القوّة الجويّة في المقاومة الإسلاميّة ونائب المسؤول العسكريّ-، كيف يجافي جنبيه النوم، ويقتحم الخطر، كتفاً إلى كتف مع المجاهدين. فكان ذلك آخر الدروس لولده، وأوّلها في طريق تحمّل المسؤوليّة في غيابه الطويل.

•"القمر بدر"!
بعد تحرير أغلب المناطق من سيطرة التكفيريّين، حان وقت المواجهات في حلب. وهناك، فَرَدَ صقر المقاومة جناحيه، فخاض معركة تحرير مساكن 1070 شقّة. 

وفي ليلة مُقمرة، استخرج صدقة وقال: "يا شباب، القمر بدر، وهذه الليلة ليلتي"، ثمّ صلّى بهم لأوّل مرّة. وقبل أن ينطلق في جولته الاستطلاعيّة، أعطى أحد الإخوة حقوقاً ماليّةً للعمل، ومشى في مهمّته التي أنهاها لغمٌ داس عليه؛ لتتكشّف صفحات حياته التي أحاطها بسرّيّة مطلقة، والتي قرأها الأمين العامّ لحزب الله سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) في نعيه له.

كان استشهاده يشبه عبور الجسر الذي استحدثه في معركة تلّ مندو الكائن فوق نهر شديد البرودة، ولكنّه عبور دافئ إلى حيث رفاقه وتلامذته الشهداء، تاركاً من خَلفَه على ضفّة نهر الفراق البارد جدّاً، وكلّ واحد في جعبته الكثير من ذكريات الرجل الذي كان منذ بدايات العمل المقاوم، شهيداً يمشي بين الناس.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع